بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

18 عامًا على ملحمة اعتصام الحديد والصلب:

النضال مازال مستمراً

لم يشأ عمال الحديد والصلب أن تمر ذكرى اعتصامهم الشهير إلا و1200 عامل منهم يمتنعون عن تقاضي مرتباتهم عن شهر يوليو،هذا الامتناع أكد أن التاريخ قد يعيد نفسه من جديد في هذه القلعة العمالية، خاصة بعد الارتفاع الجنوني في الأسعار والهجوم على المكاسب التي حققها عمال الصلب في إضراباتهم الماضية، والتي وصلت ذروتها في ملحمة إعتصام 1989 الذي حلت ذكراه الـ18 في أغسطس الماضي.

المطالب التي رفعها عمال الصلب في اعتصام 1989 لم تقتصر علي مطالب اقتصادية وفئوية بل تعدتها إلي المطالب الديمقراطية والتي أصبحت فيما بعد شعار الكثير من الاحتجاجات العمالية التي تعج بها الساحة العمالية الآن، فحملة سحب الثقة من اللجنة النقابية في شركة غزل المحلة في 2007 استدعت من ذاكرتها نفس الحملة التي شنها عمال الصلب عام 1988. والتأكيد علي حق العمال في الاعتصام والإضراب السلمي من الدروس الديمقراطية التي اختزنتها الذاكرة العمالية وتستدعيها وقت الحاجة لتثبت أن الطبقة العاملة هي الوحيدة القادرة علي تبني مطالب ديمقراطية وإجبار النظام -أيا كان مدي قمعه- علي احترامها والقبول بها.

ذكري اعتصام 89 نستدعيها اليوم من ذاكرة الذين شاركو فيها وصنعوا جزءا من الصورة المجيدة التي أتمها معهم عمال المصنع الـ 26 ألف.

مصطفي نايض أحد هؤلاء يحكي قصة الاعتصام كواحد ممن شاركوا فيها و صنعوا جزءا من الصورة فيقول «اعتصام أغسطس لم يكن وليد اللحظة بل كانت له مقدمات بدأها عمال الأفران العالية باعتصامهم في أغسطس 84 حيث رفعوا مطالب تتعلق بتوفير وسائل السلامة و الصحة المهنية ومكافآت توفير الفحم وتعديل الحافز. استمر هذا الاعتصام 3 أيام وشارك فيه عمال القطاع الـ1800 واستجابت الإدراة للمطالب الثلاثة وزادت عليهم مطلبا آخر، حيث أننا رفعنا في الاعتصام 5 مطالب كان منها الثلاثة مطالب الملحة تلك. وفي عام 87 قام عمال قطاع إنتاج قطع الغيار بالاعتصام بمشاركة نحو 3 آلاف عامل طالبوا في اعتصامهم تعديل الحافز. وبالفعل استجابت الإدارة لضغوطهم ورفعت قيمة الحافز بنسبة 10%. «ويتحدث نايض عن دور النشرات العمالية التي كانت توزع داخل المصنع ويصفها بأنها كانت بمثابة حجر الأساس لكل التحركات التي تلتها.

« لعبت نشرتي أهالي التبين و كلام صنايعية دورا هاما في رفع الوعي لجموع العمال بالمصنع. ففي أحد أعدادها في عام 83 طالب العمال بصرف الأرباح التي يحققها العمال، وتم حشد العمال خلف هذا المطلب الذي تبنوه فور نشره في أعداد النشرتين لتنفذ الإدارة مطلب العمال، ويصرف العمال للمرة الأولى في تاريخ المصنع نسبة شهر ونصف من الأرباح. كما صاحب هذه النشرات العديد من البيانات الرافضة لأي موقف يتم اتخاذه علي حساب العمال، فمثلاً أصدرت وزارة الصناعة آنذاك قرارا بتشكيل اتحاد مساهمين داخل الشركة لتظهر العديد من البيانات التي شهّرت بهذا القرار وأوضحت تأثيره السلبي علي العمال لتضطر الوزارة في النهاية لإلغاء قرارها»!

و قبل اشتعال الأحداث بشكل كامل بدأت النقابة تتخازل في الدفاع عن العمال وفي اتخاذ مواقف مؤيدة للإدارة علي حساب الجموع لتأتي الخطوة التي اعتبرت بمثابة تدريب علي الاعتصام ألا وهي سحب الثقة من اللجنة النقابية. يصف نايض هذه الخطوة قائلاً «كانت تلك الخطوة بمثابة تدريب علي الاعتصام وأحد أهم مؤشراته، فالنقابة آنذاك كان بها ثلاثة من اليسار إلا أن هذا لم يمنع العمال من جمع 8 آلاف توقيع لسحب الثقة منها. ولكن تمت عرقلة هذه الخطوة ولم تكتمل، إلا أنها كانت بمثابة تدريب علي توحيد أعداد كبيرة من العمال لاتخاذ مواقف أشد تجاه هذه اللجنة. نأتي إلى الأحداث التي بدأها المهندس محمد عبد الحميد طنطاوي –رئيس مجلس إدارة الشركة آنذاك- بإيقاف عضوي مجلس الإدارة المنتخبين عن العمال محمد مصطفي وعبد الرحيم هريدي بعد رفض المجلس قرار زيادة الحوافز إلى 150%، وهو القرار الذي ساهم في إشعال الموقف».

يتذكر نايض العديد من المواقف الإنسانية التي أوضحت مدي تماسك العمال حول موقف واحد قائلا «الاعتصام بدأه عمال الوردية الأولى والذين رفضوا مغادرة المصنع و هو ما شكل أزمة تلخصت في الأكل فكثير من العمال ما عملش حسابه في موضوع الأكل».

ليأتي عمال الوردية الأولى و يعطوا الطعام لزملائهم، هذا بالإضافة الي قيام الأهالي و ذوي العمال بإحضار الطعام وتهريبه من خارج الأسوار، أذكر أحد الشباب الصغير يدعي»همام يوسف» استمر في تحويل الطعام من مناطق حلوان إلينا داخل المصنع طوال اليوم رغم أن والده كان رافضا الانضمام الينا في الاعتصام، موقف آخر يوضح رقي الحركة والاعتصام، أحد أعضاء اللجنة النقابية ويدعى حسن مرجاوي وكان مصاباً بمرض مزمن وأصيب بغيبوبة أثناء الاعتصام فاستدعي قادة الاعتصام له عربة إسعاف رغم أن العمال لو طالوه كانو هايفتكو بيه»!!

وعند فض الاعتصام بالقوة و القبض العشوائي علي العمال-اكثر من 850 عاملا- حاولت النقابة دعمنا و تسليمنا طعام وملابس إلا أننا رفضنا تسلمه، وهذا يعود إلي أن العمال قد تشكل وعيهم بشكل كبير وعرفوا من هو موجود في خندقهم و من هو موجود في خندق الادارة».

موقف الشرطة كان في غاية التعسف وهو علي النقيض تماما من موقف النيابة التي جاء موقفها مؤيدا و متفهما إلي أقصي درجة لموقف العمال.

يقول نايض «وكلاء النيابة الذين أجروا التحقيق مع العمال تعاطفوا معهم ومع مطالبهم إلي أقصى درجة، ووصل الحال ببعضهم إلى كتابة إجابات لا تؤذي العمال ولا تضر بموقفهم فيما بعد، ما حدث معي اثناء التحقيق أن طلب مني وكيل النيابة تسهيل مهمته في وضع تصور للأحداث وهو ما سوف يقدمه في تقرير للقيادة السياسة- وكانت إحدى المهام المكلف بها إلي جانب التحقيق- إلا أنني رفضت إلا بعد استئذان المحامين (أحمد نبيل الهلالي و عبد الله الزغبي) اللذان وافقا بشرط ألا يتم تسجيل ما أقول في محضر التحقيق وألا يتم استخدام آية معلومات في طرح أسئلة، ووافق وكيل النيابة علي ذلك، وبعد الاتفاق بدأ التحقيق معي و توجيه الأسئلة والإجابة عنها نيابة عني خوفاً من أن أقول ما يورطني، هذا الموقف كان أحد المواقف المؤثرة جداً والتي أوضحت الفارق بين تعامل النيابة والشرطة مع العمال، وبعد فترة الاحتجاز أصدر قراراً بالإفراج عني و عن محمد مصطفي-آخر من تم الإفراج عنهما في أحداث أغسطس- لتعود الشرطة و تصدر قراراً باعتقالنا لمدة 3 أشهر، لم تكتف الشرطة بالتلفيق والاهانة أثناء الاحتجاز وإنما تجاوزتها إلي التعذيب الجسدي، كنت واحداً من اثنين تم تعذيبهما؛ الآخر محمد مصطفى عضو مجلس الإدارة المنتخب عن العمال، استطعنا إثبات الاعتداءات الجسدية علينا في محضر رسمي وبعد تحقيق أجري معنا في مكتب النائب العام.. أجراه وقتها المستشار ماهر عبد الواحد- قبل أن يتولي فيما بعد منصب النائب العام.

يقترب بنا يوسف رشوان القيادي العمالي من الصورة أكثر موضحاً مجموعة من التفاصيل الدقيقة واللحظات الحرجة التي شاهدها وعاشها مع العمال أثناء الاعتصام الذي لم يكمل يوماً إلا أن تأثيره امتد لسنوات و صنع لعمال الحديد و الصلب مجدا في مواجهة غطرسة الإدارة التي ظل شبح الاعتصام ماثلاً أمامها.

يقول رشوان: «الخسائر التي حدثت في السنوات السابقة علي الاعتصام تم تجاوزها، فبعد 20 مليون جنيه خسائر في عام 87 استطعنا تحقيق 44 مليون جنيه ارباحا عام 89، علي الرغم من تحقيق هذه الرباح إلا أن الإدارة لم تحرك الحافز الذي ظل ثابتا منذ عام 1980 –حوالي 90جنيه وقتها-.وفي 4 مارس 89 قررت الادارة رفع حافز الاداريين و خصم 14%من حافز العامل إذا تغيب لأكثر من 3 أيام آيا كان السبب، و بعد التذمر و شعور الادارة بمدي خطورة مثل هذا القرار،عادت و تراجعت عنه مرة أخري في 27 مايو من العام نفسه وهو ما كان له أكبر الأثر في نفوس العمال ودفعهم للثقة بأنفسهم إضافة إلي الانتصارات التي أشار لها زميلي مصطفي نايض أثناء الحديث، الاعتصام في الحقيقة ليس واحداً وإنما اعتصامين، الأول في 12 يوليو عندما قرر وزير الصناعة وقف عضوي مجلس الادارة المنتخبين عن العمال وتحويلهم للتحقيق، هذا القرار استفز العمال ودفعهم للتجمهر، كما طارد أمن الدولة العضوين و دفعهم للتجمهر مع زملائهم في الجراج الذي لم يخرج منه أحد، لينظم العمال صفوفهم – حوالي 4 آلاف عامل – ويخرجوا من الجراج إلي إدارة الصلب، وقمنا باحتجاز المهندس حسن عبد اللطيف وتم التفاوض مع رئيس مجلس الإدارة ضياء الطنطاوي عن طريق التليفون، طالبنا في هذا الاعتصام رفع الحافز بمنشور رسمي من 90% الي 115% والضغط علي وزير الصناعة لالغاء قراره بايقاف العضوين، و بالفعل استجاب للمطلب الأول ووعد بالضغط علي وزير الصناعة لتحقيق المطلب الثاني، في أثناء الاعتصام أخذنا حسن عبد اللطيف ووقفناه أمام «المحول» حتي يشعر بالحرارة التي يشعر بها العمال بعد أن إقتحمنا مكتبه المكيف بثلاثة تكييفات و معزول عن الحرارة التي يكتوي بها العمال، بدا الاعتصام بعد نهاية الوردية الأولي و استمر حتي السابعة أو الثامنة من مساء نفس اليوم.

شاهد العمال نتائج هذا الاعتصام فورا حينما انعقد مجلس الادارة في 14 يوليو ليصدر قراره بزيادة الحافز إلي 125% إضافة إلي خفض نقطة التعادل التي يصرف بموجبها الحافز من 870 ألف طن إلي 800 ألف طن وصرف وجبة قيمتها جنيه.

الاعتصام الثاني و الذي نحتفي الان بذكراه حدث في أول اغسطس، احتشد فيه عمال الوردية الأولى أمام البوابات وبعد وقت قصير انعقد مؤتمر عمالي ضم نحو 12 الف عامل و استطعنا الحصول علي ميكروفون وأخذنا نحكي تجارب الاعتصامات السابقة والخبرات التي راكمها العمال.

و في حوالي الخامسة إلا ربع من فجر 2 أغسطس اقتحمت قوات الأمن المركزي والقوات الخاصة المصنع و قاموا بعمليات اعتقال عشوائي، أذكر أن الجنود الذين اقتحموا المصنع كان في مخيلتهم أن عمال الحديد والصلب عمالقة لكنهم فوجئوا بأن معظمهم يعاني من هزال و أجسادهم ضعيفة نتيجة العمل الشاق أمام الأفران والحرارة العالية»

و عن قصة استشهاد عبد الحي محمد سيد يحكي رشوان قائلا: «عبد الحي كان من عمال الوردية التي تعمل-لاننا لم نكن في حالة إضراب- وعندما طلب الضباط من العمال التوقف، رفض عبد الحي فأمر أحد الضباط جندي أمن مركزي باطلاق النار عليه، و بعد أن أطلق الجندي رصاصة لم تصب عبد الحي قال له الضابط:النشان يبقي كده، وصوب طلقة واحدة اخترقت قلب عبد الحي ليسقط شهيداً» و يضيف رشوان «المطلب الديمقراطي في الاعتصام تحقق حينما سقطت اللجنة النقابية بالكامل في انتخابات 1990»

وكما أن معركة عمال مصر ضد الاستغلال والاستبداد لم تنته، فمعركة عمال الصلب أيضاً مستمرة، وربما كانت الإحتجاجات العمالية الأخيرة التي كان الحديد والصلب ضمنها أبلغ دليل على ذلك، وتبقى ملحة اعتصام الحديد والصلب درساً مهماً ملئ بالخبرات والدروس التي يجب التعلم منها، وأيضاً الأخطاء التي علينا العمال تفاديها في حركتهم.