بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

السويس: المهمشون يصنعون الثورة

قدمت محافظة السويس أول شهداء الثورة من أبنائها، ومازالت السويس إلى اليوم تمثل رأس الرمح في طريق استمرار الثورة المصرية. وقد لا يمكن فهم طبيعة ما يحدث بالسويس إلا من خلال فهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمحافظة. جريدة الاشتراكي انتقلت للمدينة الباسلة والتقت بالقيادي العمالي سعود عمر.

منذ عام 1974 وبعد رجوع السكان المهجرين إلى المدينة عقب الحرب، وجد سعود أنه لم يتم الاهتمام بالدمار الذي لحق بالمدينة بما يعادل 85% من مبانيها، في حين جرى تخطيط بقية مدن القناة كالإسماعيلية وبورسعيد. لعل ذلك كان يجسد جزءاً من التهميش الذي لحق بالمدينة وأهلها. والجدير بالذكر أن الرئيس المخلوع لم يقم بزيارة واحدة للسويس طيلة ثلاثين عاما هي مدة سيطرته على الحكم، وهو ما انعكس على المدينة اقتصاديا واجتماعيا. ذلك التهميش حمل في جوانبه معادلة صعبة على أرض الواقع من حيث توفر المرافق والخدمات بالسويس لكن في شكل مفرغ من المضمون، فالمياه على سبيل المثال تصل إلى أرجاء السويس لكنها رديئة لا تصلح للاستخدام الآدمي. وعلى الرغم من بناء القلاع الصناعية العملاقة في السويس، إلا أن نسبة كبيرة جداً من أبناء المدينة يعانون من البطالة.

إحساس التهميش لدى السوايسة هو ما أعطى ميدان الأربعين رمزيته أثناء أحداث الثورة بالمدينة، فهو ذلك الميدان الذي يبتعد أمتارا قليلة عن شوارع وأزقة ضيقة أشبه بالخنادق ويقطنها مَن تضاعف عليهم فساد النظام السابق، هؤلاء المهمشون هم من أظهروا بطولات نادرة في كفاحهم من أجل استمرار الثورة منذ يومها الأول وأيام 26 و27 يناير والتي أدت إلى ثبات الثورة في يومها الرابع بانسحاب جهاز الشرطة القمعي وتراجعه على يد الثوار في كل أرجاء مصر. لذلك لم يكن مستغربا أن شارع الجيش الذي شهد حرق وتدمير 32 دبابة ومركبة إسرائيلية منذ عقود من الزمن، شهد في يناير الماضي حرق وتدمير عربات الداخلية، فالمشاهد تتكرر ضد الظلم الإنساني والاجتماعي سواء كان عدو خارجي أو من الداخل.

تهميش النظام للمحافظة أدى بطبيعة الأمور إلى على تهميش العامل السويسي ووضعه في صورة متعمدة داخل إطار العمالة الغير جيدة برغم وجود ما يقارب 4 آلاف فني من طراز رفيع شاركوا في العمل بدولة الإمارات والعديد من الدول الأخرى. لكن ذلك التهميش المتعمد في حقيقة الأمر لم يكن سوى نتيجة مباشرة لبحث رجال الأعمال عن عمالة أجنبية أخرى رخيصة لزيادة أرباحهم على حساب تعاسة أبناء المحافظة. فقبل الدعوة للنزول يوم 25 يناير بعدة أيام استطاعت إحدى المصانع جلب عمالة تايلندية من قبل أصحاب العمل الباحثين عن زيادة أرباحهم، لكن تم منع تلك العمالة من دخول المصنع بواسطة عمال المصنع الأصليين، وهو ما حدث لأول مرة بعد تأكُد السوايسة أنه ليس هناك أمل في إصلاح النظام أو تحمل كذب اتحاد العمال ووزيرة القوى العاملة والمتهمة بموقعة الجمل حاليا.

الأمر لا يقف فقط عند حد التهميش، فمن يسعفه الحظ من أبناء السويس للحصول على وظيفة، يخضع لعلاقات العمل التي تم استبدالها لتكون أشبه بعلاقات السخرة من حيث انتهاك السلامة المهنية وانتهاك الأجر المتماثل في العمل المتماثل، كما يطالب بوقفه الآن عمال شركات قناة السويس. بل أيضاً وتعامل النظام أمنيا مع القيادات النقابية بالفصل التعسفي حتى بدا مخطط الحكومة في جلب العمالة من خارج المحافظة وتحويل أبناء المحافظة أنفسهم إلى أماكن عمل بعيدة هو جزء متعمد من سياسة هدفها تفتيت التاريخ المقاوم لشعب السويس بتضييق الوقت على العامل في مواصلات عمله حتى لا يتفرغ للعمل النقابي.

لكن ما حدث بعد تنوع الصناعات بعد عام 1973 ودخول صناعات جديدة على المحافظة من خلال قانون الاستثمار العربي المشترك، أن تم جلب العمالة من المحافظات المختلفة وما أعقب ذلك بمزج الخلفية النضالية للعمال القادمين بالمحلة مع عمال السويس، الأمر الذي أدى لتوسع الحركة العمالية في شمال غرب خليج السويس بتكوين اللجان النقابية التي لم يكن قبلها 100 ألف عامل بنفس المنطقة يتبعون لنقابات.

فبدءاً بإضراب عمال شركة سيراميك أبو العينين في أغسطس 2006، تم تصنيف السويس المحافظة رقم 5 على مستوى الجمهورية في الإضرابات العمالية عام 2007، الأمر الذي تطور إلى ما حدث أثناء الثورة وكان له كبير الأثر في إسقاط الديكتاتور بإضرابات الحديد والصلب والسويس للأسمدة وتراست النسيجية ثم إضرابات شركات قناة السويس وإضرابات أخرى بالدواوين الحكومية والمواقع العمالية المختلفة. كما يتواصل حتى الآن بعد إسقاط الديكتاتور المخلوع إضرابات عمال شركات قناة السويس ضد محاولات المجلس العسكري على تقزيم الشعب الصري وربطه بالسلطة. فالفريق فاضل لم يوقع على مطالبهم التي تم إقرارها بفعل الضغط المتواصل برغم تصريح الوزير لتطبيقها حتى لا تبدو كأنها مفروضة على العسكر. كما لم يستجب أهالي السويس، وهم من احتلوا المرتبة الأولى في حفظ القرآن، للشيخ حافظ سلامة بشأن الانصياع لقانون تجريم الاعتصامات وواصلوا طريقهم في النضال.

وهنا أكد سعود بأن وصف السويس بمدينة الجندي المجهول هو أكثر الأوصاف تطابقا على السوايسة الذين جادوا بأول شهيد في الثورة المصرية ومازالوا يفتحون صدورهم للرصاص.

ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن مدينة السويس الباسلة التي عانت ولازالت تعاني من التهميش والاستغلال لم تكن سوى نتاج تطبيق لنظام رأسمالي يتاجر بحياة البشر، بل يضعهم أيضا في قائمة الاهتمام أو التهميش وفقا لمصالحه الخاصة، فنفس النظام الذي خلق رجال الأعمال بمنتجعاتهم بشرم الشيخ خلق أيضا رجال الأعمال بمصانعهم التي تفضل العمالة الأجنبية الرخيصة على حساب العاطلين من أبناء السويس. وقبل استمرار إضرابات السوايسة وقطع الطريق الملاحي كان ومازال النظام الرأسمالي يمارس قطعه لكافة سبل المعيشة على أبناء المدينة الباسلة.

أما اليوم، وفي أعقاب الثورة، لن يقبل أهالي السويس بأنصاف الحلول، لن يقبلوا بالإصرار على تركز الثروات بيد الأقلية على حساب الأغلبية، لن يقبلوا إلا باستمرار الثورة وتحقيق كافة مطالبها في العدالة الاجتماعية.