بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التعددية النقابية هي قلب الحريات النقابية

لقد انتزع العمال حقهم في التنظيم الجماعي للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم بعد، ومن خلال، ممارستهم لحق الإضراب. ويؤكد تاريخ الحركة العمالية المصرية أن فكرة تكوين النقابات كتنظيم دائم ومستمر للدفاع عن حقوق العمال وحماية مصالحهم، جاءت وليدة انتصار الإضرابات ونجاحها في تحقيق مكاسب، وخشية العمال من ضياع هذه المكاسب، فكونوا منظماتهم الدفاعية الدائمة لحماية هذه المكاسب ورعاية الحقوق وتطويرها.

وتوجد علاقة وثيقة ودائمة بين تمتع العمال بحقوقهم وحرياتهم النقابية، حيث نشأت علاقات العمل المأجور مع تطور الصناعة، في الوقت الذي لم تكن فيه قواعد أو قوانين تحمي صحة العمال، أو تحدد ساعات عملهم، أو أوقات راحتهم وعطلاتهم مدفوعة الأجر، أو حقهم في إنشاء منظمات جماعية تدافع عن مصالحهم المشتركة.

ولكن وبفضل كفاح العمال، وأمام تضحياتهم العظيمة وإضراباتهم الكبيرة، قبل أصحاب الأعمال وحكوماتهم هذه الحقوق، وأصبحت حقوقا وحريات معترف بها ومقرة في الأنظمة المعاصرة. وينظم حق العمال في حريتهم النقابية عدة اتفاقيات وعهود دولية لعل أهمها اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي (رقم 87) لسنة 1948[1] التي تتصل بالعلاقة بين العمال ونقاباتهم من ناحية، وبيهم وبين الحكومات من الناحية الأخرى، وتكفل عدد من الحقوق والمبادئ، منها:

  • حق العمال في إنشاء ما يختارونه من منظمات والانضمام إليها (المادة 2).
  • حق منظمات العمال في وضع دساتيرها وأنظمتها، وانتخاب ممثليها، وتنظيم إدارتها وتسيير أنشطتها، وصياغة برامجهما، في حرية تامة (المادة 3/1).
  • حماية منظمات العمال من الحل أو وقف العمل (المادة 4).
  • حق منظمات العمال في تكوين اتحادات وتحالفات فيما بينها، والانضمام إليها، والانتساب إلى منظمات دولية عمالية (المادة 5).
  • التزام السلطات العامة بالامتناع عن أي تدخل في نقابات العمال (المادة 3/2)
  • التزام الدول بتمكين العمال من ممارسة حقوقهم النقابية في حرية تامة (المادة 11).
  • كما تضمن هذه الاتفاقية السماح للعمال بتشكيل “الروابط” أو “الجمعيات” أو اللجان” التي تحمي بعض الحقوق العمالية، بخلاف النقابات التي تختص بحقوق وصلاحيات عمالية ونقابية أوسع [2].
  • لا تبيح هذه الاتفاقية للحكومات حظر تكوين النقابات أو انضمام أي من العاملين إليها، سواء من موظفي الخدمة المدنية، أو العاملين في المنشآت الإدارية والاقتصادية والخدمية المملوكة للدولة، أو عمال المناطق الاقتصادية الخاصة (الاستثمارية أو الحرة أو الجمركية)، أو في مجالات العمل الأخرى كالزراعة، أو الخدمة المنزلية، أو العمال الوافدين من بلدان أخرى، مع ملاحظة أنه، وبموجب المعايير الدولية، لا يعتبر العاملون في حراسة السجون من أفراد الشرطة المستبعدين من حق تكوين النقابات [3].
  • كما تقر هذه الاتفاقية بحماية القيادات النقابية من العزل، فلا يجوز عزل أو إيقاف القيادات النقابية إلا عن طريق المحاكم وبموجب أحكام ثابتة ونهائية غير قابلة للاستئناف.

الانتهاكات الشائعة للمبادئ العامة للحرية النقابية:

وقد حددت منظمة العمل الدولية في تقاريرها الدورية لمتابعة حالة الحرية النقابية، الانتهاكات الشائعة التي ترتكبها بعض الحكومات ضد الحرية النقابية، ومنها مصر، بما يناقض التزامات تلك الدول لمبادئ الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948، وأهمها:

  • اشتراط طلب الإذن ، أو إيداع اللوائح والنظم الداخلية، أو التسجيل قبل تكوين النقابات، أو وضع شروط لاكتساب الشخصية القانونية (الاعتبارية).
  • اشتراط انتماء القادة النقابيين إلى نفس المنشآت التي يمثلونها، (أي اشتراط أن يكون القائد النقابي عاملا في نفس المنشأة التي يمثل نقابتها).
  • تحديد بنيان وتركيب النقابات على سبيل الحصر، واشتراط إقامة منظمة نقابية واحدة في أية منشأة أو مهنة أو صناعة، أو تحديد المنظمات النقابية التي لا يجوز تسجيل غيرها، حتى ولو كان ذلك بناء على طلب نقابات قائمة.
  • المبالغة في تحديد الحد الأدنى المطلوب لتشكيل النقابة، وأُعتبار عدد 20 كحد أدنى لتسجيل نقابة مقبولا.
  • وضع قيود على الأنشطة النقابية السياسية، وخاصة ما يرتبط منها بمصالح العمال.
  • التدخّل في أعمال النقابة ووظائفها، خاصة في الانتخابات، والمؤتمرات، والشئون المالية.
  • إنكار أو تقييد حق التنظيم بالنسبة لبعض الجماعات، سواء على أساس المهنة أو غيرها (مثل استثناء العاملين في الوظائف الحكومية، أو العاملين في المناطق الحرة والاستثمارية، أو عمال الزراعة، أو عمال المنازل، أو الأشخاص الذين يعملون في بيوتهم وفي ورش عائلية، أو الذين يعملون في مؤسسات خيرية أو أهلية، أو البحارة، من الحقوق النقابية).
  • تحديد سنوات العضوية اللازمة للترشيح للمستويات القيادية المختلفة (دورة سابقة).
  • مصادرة حق العضو في الانسحاب من منظمة نقابية في أي وقت يشاء، أو فرض العضوية الجبرية، أو الإلزام بدفع أو خصم الاشتراكات إجباريا.
  • فرض لائحة نموذجية أو نظام أساسي على النقابات سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
  • منع اجتماعات النقابات أو مؤتمراتها، أو تقييدها، أو الاعتداء على اختصاصاتها، أو التدخل في أعمالها.
  • تحديد الإجراءات التي تنظم الانتخابات تفصيليا، أو تدخل السلطات في إجراءات الانتخابات بحضور ممثلين عن وزارة العمل أو غيرها من الجهات الإدارية أو الأمنية أثناء الترشيح أو التصويت أو فرز الأصوات أو إعلان النتائج. وإذا كان ضروريا حدوث إشراف فإن السلطة القضائية هي وحدها التي يجب أن تباشر هذا الإشراف لضمان عدم التدخل في إرادة العمال في اختيار ممثليهم بحرية، وتنطبق نفس المعايير على أي تدخل من جانب الحزب السياسي الموجود في السلطة.
  • الإلزام بتقديم أسماء المرشحين إلى الجهات الإدارية، أو أخذ موافقتها على الانتخابات أو مواعيدها أو إجراءاتها.
  • منع المنظمات من متابعة أنشطتها القانونية من أجل الدفاع عن مصالح أعضائها.
  • قصر الأنشطة النقابية على المسائل المهنية، أو منع الأنشطة السياسية والشأن العام، أو منع النقابات من الإعراب عن وجهات نظرها والتعبير عن مصالح أعضائها حول سياسات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية من أجل ضمان مصالح العمال وتحسينها.
  • حظر تنظيم أعمال الاحتجاج والإضراب للدفاع عن مصالح أعضائها الاقتصادية والاجتماعية وتدعيمها.

إن حق العمال في تكوين النقابات هو الحق المطلق الذي يسبق الحق في الانضمام للنقابات بحرية، وهو قلب الحرية النقابية ومضمونها. فكيف يتأتى للعامل التمتع بحقه في الانضمام إلى نقابة يختارها ويرضى الانتماء لها وحقه الأول في تكوين نقابة مصادر وممنوع؟ بل وما العمل في نقابات ركبها الفساد وسيطرت عليها الحكومات وأجهزتها الإدارية والأمنية واتباع أحزابها السياسية، بامتياز يحول دون ممارسة أي نشاط بداخلها، اللهم إلا تكريم الإنسان بعد موته أو زيارته عند مرضه أو اصطحابه إلى رحلة أو مصيف يستفيد منها المسئولين النقابيين ويتمتع بها أقاربهم وجيرانهم ومعارفهم أكثر من أعضاء النقابات ألف مرة؟

بل أن ذلك هو جوهر وقلب الحريات النقابية وضمانة قيامها على أسس صحيحة، وألا تكون مزيفة أو مسلوبة من حكومات أو من محترفي التمثيل الوهمي والنفعي للجماعات، والتي باتت ظاهرة تعاني منها أغلب المنظمات الجماهيرية. ولعل ذلك أحد الأسباب الرئيسية لتراجع دور النقابات وأهميتها وانكماش العضوية النقابية أو انعدام حماسها على الأقل.

لم يعد أمامنا نحن العمال إلا أن ننتزع حقنا في تأسيس منظماتنا الجماعية المستقلة والديمقراطية كما نريدها ونرغب فيها طبقا لمصالحنا وواقعنا وقدراتنا. إننا لا نحتاج اعتراف أحد بمنظماتنا. فنحن لا نحتاج في انتصار معركتنا وانتزاع حقوقنا إلا إيماننا بعزمنا وقوتنا وتوحدنا وإصرارنا على ممارسة حرياتنا بكل قوة وبلا قيود أو وصاية أو تدخل من أحد. فلن يعرف مصالحنا أحد أكثر منا، ولن يحك ظهرنا أبدا مثل ظفرنا.