بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثوريون وانتخابات النقابات العمالية

لو سألنا أي عامل ذو خبرة عن انتخابات النقابات العمالية التي ستجرى الشهر القادم، والتي فتح باب الترشيح لها فعلاً، ستكون إجابته في الغالب هي أن “النقابات لا تفعل لنا شيئًا ولا نتوقع منها شيئًا.. والانتخابات النقابية لعبة لن ينجح فيها سوى رجال الإدارة! وبدون شك، فإن هذا الكلام يحمل قدرًا كبيرًا من المصداقية. ولكن من الخطأ الفادح أن نستنتج منه أن المشاركة في الانتخابات النقابية تمثل مضيعة للوقت لا طائل من ورائها.

فالانتخابات العمالية – بالرغم من هزالها ومن التضييقات التي تحاصرها من كل جانب – تخلق مناخًا من التفاعل في الأوساط العمالية لا يتكرر إلا مرة واحدة كل خمس سنوات. ومعظم العمال المتقدمين في الشركات ذات اللجان النقابية يتأثرون، حتى ولو بشكل غير مباشر، بهذا المناخ. وفي سياق كهذا يمكن للاشتراكية الثورية أن تجد لنفسها منبرًا لطرح جانب من سياساتها ومواقفها. ويمكنها أن تتفاعل مع قطاع واسع نسبيًا من العمال في قضايا نضالية ملموسة تهم كل قطاع من قطاعات الطبقة العاملة المصرية. وتلك فرصة لا يمكننا أن نهملها، خاصة في ظل وضع لا يجود كثيرًا بما هو أفضل.

النقابات والعمال:

ربما تكون نقطة البداية الصحيحة للتفكير في موضوع الانتخابات القادمة هي ألا يكتفي اليسار الثوري بترديد مقولات كلاسيكية عن طبيعة النقابات العمالية، وأن يبدأ في طرح تصور عن طبيعة اللحظة التي ستجرى فيها الانتخابات. وهناك العديد من الأسئلة التي يمكن أن تشكل مفتاح هذا التفكير مثل: ما هي حالة الطبقة العاملة اليوم في مصر؟ هل هناك نوعية جديدة من المرشحين النقابيين يخلقها مناخ الخصخصة؟ ما هي نوعية البرامج الانتخابية لهذه اللحظة؟ وما هي إمكانيات اشتباك اليسار الثوري مع حدث كهذا؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة نذكر بعض الحقائق التي ستتيح معرفتها تقدير حدود أهمية موضوع الانتخابات، بل وربما النقابات برمتها، في حياة الطبقة العاملة. أول هذه الحقائق أن النقابات العمالية لا تمثل في أحسن الأحوال أكثر من 25 إلى 30% فقط من إجمالي الطبقة العاملة في مصر. ومعظم النقابات العمالية تتركز في مصانع قطاع الأعمال العام الذي تسارعت معدلات خصخصته في الدورة النقابية الماضية (1996 – 2001). والأغلبية الساحقة من الشركات في المدن الجديدة بلا نقابات. بل أنه في إحدى شركات العاشر من رمضان المملوكة لفريد خميس تم اعتقال العمال الذين رغبوا في تأسيس لجنة نقابية. كما أن الاتحاد العام للعمال أصدر قرارًا منذ أعوام بعدم تشكيل لجنة نقابية إلا بوجود عدد 250 عامل في الشركة بعد كان العدد 50 فقط.

الحقيقة الثانية هي أن “الانتخابات” تقريبًا لا تتم إلا في المستويات النقابية الأدنى، أي اللجان النقابية المصنعية. أما النقابات العامة والاتحاد العام فشكل مجالسهما في الأغلب في الغرف المغلقة بين النظام وأمن الدولة. على سبيل المثال، في الدورة الماضية تم تشكيل مجلس 18 نقابة عامة من بين 23 نقابة بالتزكية، بعد أن تم منع بعض العمال بالقوة من دخول مبنى الاتحاد. وبالطبع هذا لا يمنع من وجود تزوير في انتخابات اللجان النقابية ذاتها. يحدث ذلك بكل الطرق، بدءًا من استخدام الألاعيب القانونية، ومرورًا بتواطؤ الاتحاد والنقابات العامة في تعطيل قبول مرشحين بعينهم، ونهاية بتدخل الأمن في الانتخابات.

خلاصة ذلك كله أن الانتخابات النقابية هي نشاط أقلية محدودة في أوساط العمال. وفوق ذلك هي نشاط مقيد ومحاصر بقيود صنعتها الديكتاتورية المصرية بالتعاون مع قادة الاتحاد العام الأصفر. ولكنها بالرغم من كل هذا تطرح مساحة للاشتباك لا يمكن لأحد اليوم أن يمتلك ترف إهمالها. ولذا، فالسؤال حول الظروف التي تجري فيها، وحول إمكانيات التفاعل معها، سؤال حيوي وهام.

قادة جدد

ليس هناك شك في أن السياق العام لمستوى الصراع الطبقي في مصر الآن يتصف بالتراجع في الحركة العمالية على مستويات التنظيم، والتسييس، والفاعلية، والقيادة. وقد أسهبت “الشرارة” على مدار أعداد كثيرة في تحليل هذا الظرف، وفي فحص أسبابه وآثاره. على أنه من المفيد هنا أن نؤكد على أن تلك السمات السائدة في أوساط الحركة العمالية على مدى سنوات قد ساهمت بشكل كبير في تآكل شريحة العمال الطليعيين الذين خلقتهم نضالات السبعينات والنصف الثاني من الثمانينات، والذين كانوا ينتمون في معظمهم إلى اليسار الاشتراكي أو الناصري. اليوم نجد أن أغلب “قادة الطبقة العاملة” أولئك قد فقدوا الصلة الحقيقية بالحركة العمالية، إما عن طريق اعتزال السياسة والعمل النقابي أو عن طريق الخروج على المعاش (والمعاش المبكر)، أو عن طريق الانحراف يمينًا في اتجاه السلطة وحلفائها في النقابات العامة والاتحاد العام. ومن ناحية أخرى، فإن مزيج الغضب وفقدان الأمل المسيطر على مزاج جماهير العمال القاعديين قد أسهم بدوره في تشكيل الطبيعة الدفاعية المفتتة اللامسيسة للحركة العمالية المصرية.

غير أن تطورات السنوات الأخيرة – بالذات بدءًا من 1998 – تشير إلى تصاعد عدد وحدة الاحتجاجات العمالية. وبالرغم من أن هذه التطورات لم تؤد إلى تغيير نوعي في ميزان الصراع الطبقي، إلا أنها فتحت الباب لـ”هز الاستقرار السائد”. وكانت الخصخصة وتسارع سياسات ما يطلق عليه “الإصلاح الاقتصادي”، إضافة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، هي الخلفية وراء ما شهدته النضالات العمالية من تطورات.

فقد خلق واقع الخصخصة ضغوطًا كبيرة على عمال الشركات المباعة، مما دفعهم إلى توسيع وتصعيد نضالاتهم. لا يرجع هذا فقط إلى ارتفاع معدلات الاستغلال والتعسف – وهو أمر في حد ذاته هام – وإنما أيضًا إلى تغير السياق العام للصراع. فالخصخصة تحطم الأساس الموضوعي لأيديولوجية “نحن – أي الإدارة والعمال مجتمعين – في مركب واحد” و”القطاع العام ملك للشعب والعمال”.. وغيرها من الأفكار التي تكبل حركة العمال. أيضًا الخصخصة كتجربة عملية ملموسة أحبطت توقعات قطاعات واسعة من العمال حول ما ستجلبه لهم من سعادة ورفاهية! ثم أن بيع المصانع، بتحطيمه للبقية الباقية من الحماية النسبية التي كانت توفرها الدولة للعمال، قد قطع آخر الروابط بين العمال وبين أفكار وتراث الناصرية بنبرته وشعاراته الوطنية الجوفاء.

وقد كانت لهذه التحولات آثارًا لا تنكر على النقابيين في الشركات المباعة، بل وفي كل قطاع الأعمال العام. فبين مطرقة الضغط العمالي المتصاعد من أسفل وسندان صلف الإدارات الخاصة الجديدة التي لا تكترث ولا تعترف بالنقابيين والنقابات، واجه النقابيون اختيارات وأسئلة صعبة. وهذا هو ما يفسر التزايد النسبي المحدود في حالة الاستقطاب في النقابات المصنعية. فقد أفرزت ضغوط الخصخصة فئة جديدة محدودة من النقابيين المقاتلين من غير ذوي الخبرات النضالية أو السياسية السابقة. في عدد من مصانع القطاع العام المخصخصة أو المقبلة على الخصخصة (سيمو، الحراريات، الكابلات)، قادت نقابات غير مسيسة إضرابات واعتصامات ناجحة. وكان هذا مؤشرًا على أن الواقع الجديد قد أيقظ قسمًا من هؤلاء الذين لم يكونوا في أي لحظة سابقة من المناضلين أو القادة العماليين.

صحيح أن هؤلاء “القادة الجدد” يمثلون فئة هامشية وسط بحر ممن دفع بهم الاستقطاب إلى أحضان اليمين. ولكن علينا أن لا ننسى أنهم فئة مهمة بدون شك. إذ أنهم يعدون نقطة البداية – مجرد نقطة البداية – لميلاد عناصر طليعية جديدة غير مدجنة لا بالخبرات المهزومة لليسار ولا بحرفة توازنات المسئوليات الأعلى من التنظيم النقابي. غير أن تحليل الظروف التي ظهر فيها هؤلاء القادة يدعونا إلى التأكيد على أنهم تحركوا يسارًا أساسًا بسبب ضغوط الخصخصة، وبدون وضوح سياسي أو تراث نضالي أو تصاعد عمالي متواصل. وعلى ذلك فمن الممكن أن يتراجعوا في أي وقت، إما بسبب تذبذب مواقفهم، أو بسبب تهديدات الأمن أو توازنات النقابيين الصفر أو حتى تحت ضغوط الحياة. ولذلك فمن قبيل الوهم توقع أنهم تحولوا إلى طليعة عمالية حقيقية بين عشية وضحاها.

ومن ناحية أخرى، فقد ساهمت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في دفع جزء من حفنة النقابيين في القطاع الخاص، ومعهم حتى قادة غير نقابيين، إلى الدخول في معارك ضد الإدارة والملاك. رأينا هذا في جنرال موتورز، المتحدة للكيماويات، أمونسيتو، نيسان، غبور، وغيرهم كثير. وبالرغم من أن العديد من هذه المعارك لم يسفر عن تغيير جوهري في شروط عمل الطبقة العاملة في المصانع المعنية، إلا أننا نلاحظ هنا أيضًا أن فئة جديدة محدودة العدد والخبرة من القادة العماليين قد بدأت في التبلور. وتنطبق على هؤلاء تقريبًا نفس الشروط التي تنطبق على نظرائهم في المصانع العامة والمخصخصة، مع إضافة عوامل ضعف التراث النقابي والنضالي في مصانع القطاع الخاص على وجه العموم.

ما العمل؟

التحليل السابق يقودنا إلى نتيجة واضحة تمامًا: صحيح أن الإطار العام للانتخابات النقابية القادمة لن يختلف كثيرًا عن تجربة انتخابات 1996، من حيث سيطرة تربيطات العصبيات، والتهافت على المرشحين الخدميين، والبعد عن الشعارات النقابية السياسية، وضعف الإقبال، ..الخ. ولكن صحيح أيضًا على الوجه المقابل أن هناك شريحة صغيرة هامشية من “القادة الجدد” الذين أفرزتهم تطورات الإصلاح والخصخصة، يمكنها – بمناطق قوتها وضعفها – أن تمثل نقطة البداية الصحيحة للاشتباك مع الانتخابات النقابية. التكتيك المناسب إذن هو أن يبني اليسار الثوري نشاطه النقابي في الانتخابات القادمة على التواصل مع هذه الفئة الصغيرة من القادة الجدد. إضافة بالطبع إلى التواصل مع تلك الحفنة من قادة اليسار التاريخيين الذين لم تسحقهم وتعزلهم الهزائم، بما يتصفون به من خبرة هائلة ودراية عالية بدهاليز العمل النقابي والسياسي.

فعلى الرغم من تذبذبهم وعيوبهم، نجد أنه في مقدور “القادة الجدد” – بسبب تجربة السنوات الثلاث الماضية وبسبب طبيعة وضعهم – أن يدخلوا معارك انتخابية نقابية ذات شأن في بعض المواقع. فهؤلاء الذين قادوا إضرابات عمالية ضد تعسف الإدارات واستغلالها، وهؤلاء الذين حققوا رصيدًا حقيقيًا في الأوساط القاعدية في مرحلة صعبة على كل المستويات، سيكونون بالتأكيد أكثر استعدادًا من غيرهم لطرح شعارات عامة ضد سياسات الإصلاح والخصخصة وإعادة الهيكلة، وسيكونون أكثر قدرة على التواصل مع قواعدهم العمالية على أساس برامج وجبهات مناوئة للإدارة وحلفائها.

وربما لا نحتاج هنا إلى التأكيد على مركزية العمل القاعدي في أوساط العمال. فكل الأنشطة الكفاحية تتحول إلى لغو ما لم يتم ربطها بالعمل العمال قاعدي. ومحاولة بناء جسر بين الثوريين وبين العمال لن تكون أكثر من وهم إذا لم يكن حجر الزاوية هو الارتباط مع جمهور العمال. وفي الحقيقة فإن غياب النشاط القاعدي يعد السبب الأساسي لتضخيم الخرافات والخلافات الشخصية للنقابيين واليساريين ولغيرهم. فمن الطبيعي أن تأخذ تفاهات هؤلاء حجمًا أكبر من حجمها الطبيعي عندما تكون الانتخابات بمعزل عن أي رقابة قاعدية سواء في أثناء العملية الانتخابية ذاتها أو بعدها.

وتحدي العمل القاعدي الذي نتحدث عنه ليس سهلاً كما يبدو للوهلة الأولى. فبالرغم من أن الانتخابات بطبيعتها هي نشاط دعاية جماهيري، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن تكون هذه الدعاية هادفة لتنشيط حركة ووعي قواعد العمال، أو حتى تكون سياسية من الأساس. وفي ظل تناقضات “القادة الجدد”، يمكننا أن نتوقع أن تتفاقم ميولهم لخوض معارك هادئة قائمة على التربيطات. وهذا ما يفرض على الثوريين، إضافة إلى توسيع نطاق عملهم لغربلة العناصر والمصانع الأفضل، أن يتحلوا بأكبر درجة من المرونة التكتيكية التي تسمح لهم بتحديد الشعارات النضالية الصحيحة على أساس من مقومات كل معركة وكل موقع، وأن ينفضوا عن أنفسهم أي ميل عصبوي يطنطن بالبرنامج الصحيح دون أن يعلم كيف يربطه بالواقع الحي.

خاتمـة:

ليس في مقدور اليسار الثوري – بكوادره المحدودة العدد والخبرة ومنظماته المعزولة عن حركة الطبقة العاملة – أن يدعي أنه يستطيع الارتباط على نطاق واسع بمعركة الانتخابات النقابية، أو أنه قادر على التأثير في مسارها العام بأي درجة. على أن هذا لا ينفي أن هذه المعركة تمثل فرصة حقيقية لتوسيع ارتباط اليسار بالقواعد العمالية، ولبناء الخبرات والصلات المطلوبة. وفي هذا السياق، فمن الواجب على الثوريين – حتى يحققوا حصادًا حقيقيًا – أن يركزوا طاقاتهم في مناطق ومصانع بعينها، ينبني تحديدها على الخبرة الحية وعلى التقدير السليم للعوامل الذاتية والموضوعية.

ومعركة الانتخابات النقابية – على ضآلة قدرات الثوريين ومصاعب الواقع الموضوعي – ربما تفتح بابًا لتجربة بناء جبهة مرنة فيما بين العناصر العمالية مختلفة المشارب من أعداء الخصخصة وسياسات الإصلاح الاقتصادي. هذه الجبهة المطلبية ليست ثمرة جاهزة وإنما هي هدف بعيد، يحتاج حتى يتحقق إلى تجربة وراء تجربة ومعركة وراء معركة، ويحتاج أيضًا إلى صبر وكفاح عمالي بروح تمزج بين المرونة التكتيكية والصلابة المبدئية.