الاعتصام البطولي لعمال شركة جناكليس
العمال احتجزوا المستثمرين.. وهددوا بنسف المنطقة.. الشرطة تلقي القبض على 150 شخص.. وتحتجز النساء كرهائن
اخترقت “الاشتراكية الثورية” أسوار السرية المضروبة على اعتصام عمال “جناكليس”، انتقلت إلى موقع الأحداث لتعرف تفاصيل ما دار من مواجهات بين العمال والدولة، وهي المواجهات التي أدت إلى أن تفقد الدولة صوابها وتقرر فرض حظر النشر على كل أخبار الشركة، بالرغم من أنها ليست “موقعا عسكريا” أو “مرفقا حيويا” أو ما “يلحق الضرر بالأمن العام أو الأمن القومي”، فضلا على أن حظر النشر مفتوح وغير محدد المدة. وفي السطور التالية نسرد تفاصيل اعتصام شركة جناكليس.
إن شركة جناكليس واحدة من أربع مصانع لصناعة الكحول تتبع شركة الكروم للكحول، وهم مصنع بولوناكي في منطقة الحضرة بالإسكندرية، ومصنع كاتيماتس بمنطقة النزهة بالإسكندرية، ومصنع زنوسي بمنطقة الرمل، وتمتلك الشركة أيضا مزارع للعنب في قرية جناكليس تبلغ مساحتها عشرات الأفدنة بالإضافة إلى مزارع زيتون ونخيل في واحة سيوة، وإلى جانب إنتاج الكحوليات تنتج الشركة أيضا زيت الزيتون والعجوة وقمر الدين.
وتعود رحلة عمال جناكليس بالبحيرة مع قطار الخصخصة إلى منتصف عام 1997 عندما تم تقسيم شركة الكروم في 30/6/1997 إلى شركة الكروم المصرية وشركة جناكليس، وبدأت الشركة في “تبخير” الأجواء بالدعاية لأوهام المعاش المبكر، ونجحت عبره في تسريح ثلثي العمالة مقابل الوعد بامتلاك قطعة أرض مساحتها لا تتجاوز خمسة أفدنة وبسعر ستة آلاف جنيه للفدان تسدد على أقساط طويلة الأجل. وبلع العمال الطعم، وفي نفس الوقت تم تنفيذ برامج استبدال الأرض بالوظيفة في الشركات الزراعية مثل توباسيد، والبذور، وشمال التحرير واللحوم والألبان وغيرها. ولم يتبق سوى العاملين بشركة جناكليس الذين سقطوا سهوا ولم تطبق عليهم قواعد استبدال الوظيفة بالأرض رغم إعلان الحكومة أكثر من مرة أنها في سبيلها لبيع الشركة إلى أحد المستثمرين، وهو ما سيترتب عليه الاستغناء عن العمالة الزائدة. وهو ما يعني أن إدارة الشركة أعلنت الحرب على عمال جناكليس بعد أن تخلصت من القوة الضاربة (ثلثي المصنع) والذين طالبوا مرارا بعدم بيع الشركة قبل أن يضمن العمال حقوقهم.
ومنذ هذه اللحظة بدأت أحداث الكر والفر، وتلاحقت فصول المواجهة بين العمال والإدارة والأمن من جهة أخرى، أول تحول في المواجهة شهده شهر أغسطس الماضي عندما طيرت الحكومة أخبارا تؤكد أن المصنع على وشك أن يباع، وهنا قرر العمال الاعتصام للمطالبة بأرض زراعية واستمر الاعتصام لمدة يوم وانتهى بعد وعود المسئولين بالشركة وأجهزة الأمن بالبحيرة ببحث مطالب العمال، ولكن صبر العمال نفد إزاء “لحس” المسئولين لوعودهم، وقرروا تنظيم اعتصام آخر في 5 يوليو، ويلاحظ هنا أن هذا الاعتصام كان أرقى من الاعتصام السابق، حيث اقترن بإضراب عن العمل فضلا عن دخول بعض العمال في إضراب عن الطعام من الثامنة صباحا حتى منتصف الليل، كما اتسعت رقعة الاعتصام حيث شهد تضامن عمال مزارع الشركة مع عمال المصنع في ملحمة عمالية لم تشهدها المدن الصناعية المصرية منذ أمد طويل، وهنا أنهى العمال إضرابهم التحذيري مؤكدين أنهم مصرون على تحقيق مطالبهم.
غير أن وتيرة الأحداث تصاعدت من جديد في الأول من شهر سبتمبر الماضي عندما حضر إلى المصنع لفيف من البهوات يتقدمهم رئيس مجلس الإدارة وبعض مساعديه ومعهم مستثمرين (مصريون وأجانب) لمعاينة المصنع بغرض شرائه. وكان اليومان السابقان قد حملا قدرا واسعا من الإشاعات بأن “الخواجة” قادم لاستلام المصنع بعد أن اشتراه بالفعل، وقرر العمال ترتيب حفل استقبال لهذا القادم لكي يفتك بحقوقهم وحياة أولادهم، وزاد الطين بلة أن المستثمرين أخرجوا للعمال لسانهم بأن “ليس لنا علاقة بحكاية الأرض ، وعليكم أن تذهبوا لمن منحوكم هذه الوعود”، وعلى الفور تجمع العمال وبدأوا يهتفون ضد الإدارة والاستثمار ووجهوا شتائم لرئيس مجلس المصانع بينما قام فريق آخر منهم بإغلاق أبواب المصنع على الجميع في حين احتجز آخرون رئيس مجلس الإدارة ومن معه من المستثمرين كرهائن وتعالت الهتافات بسقوط الظلم، إذ احتل العمال المصنع وأعلنوا سيطرتهم بإغلاق الأبواب، وغاب الخوف واليأس ليحل محله إحساس عميق بالثقة في النفس والقدرة على تحدي كل سلطات العالم. وخارج أسوار المصنع شكل أسر العمال حواجز بشرية لكي يحولوا دون أي محاولة طائشة من قوات الأمن الذين يحاصرون الشركة للاقتحام. غير أن تهديدات العمال بتفجير المنطقة بأكملها، حيث أن الشركة مليئة بالمواد سريعة الاشتعال، كان لها القول الفصل في أن يرفع الأمن الراية البيضاء، ويلجأ لأسلوب الترغيب، وبدأت مفاوضات شاقة وطويلة شارك فيها أعداد واسعة من ضباط أمن الدولة يتقدمهم فريق من كبار المسئولين بالدولة ومحافظ البحيرة وأعضاء مجلس الشعب والشورى وممثلين عن النقابة العامة للصناعات الغذائية والاتحاد العام، الذين أطار صوابهم خبر احتجاز مستثمر أجنبي داخل أسوار الشركة، ومنحوا للعمال خلال المفاوضات كافة الضمانات التي طالبوا بها لكي يتم إطلاق سراح “الرهائن”، من عدم التعرض لهم، وأن يعودوا إلى منازلهم دون اعتقال، وأخيرا منح كل عامل قطعة أرض، وللأسف بلع العمال الطعم. وفضوا الاعتصام دون صدور قرار مكتوب يمنحهم الأرض، خرجوا مرفوعي الرؤوس وسط زغاريد النساء احتفالا بالانتصار، لحصولهم على قطعة أرض.
ولكن عندما حل الليل أسفرت الدولة عن وجهها القبيح وداهمت منازل العمال، وألقت القبض على 135 عاملا، ومن لم تجده كانت لا تتورع في إلقاء القبض على أهله، فاعتقلت الابن والابنة والأخت، وكان هناك اهتمام شيطاني خاص باعتقال الأمهات، وكذا كشف العادلي عن وجهه الحقيقي، وأنه لا يختلف رغم تهليل المعارضة الدائم له عن سابقيه.
وخوفا من انتقال شرارة الأحداث إلى مصنع زيوس التابع لشركة الكروم بمنطقة الرمل، لجأت دولة المستثمرين إلى ترهيب وترغيب العمال، فمن ناحية أقنعت المستثمر الجديد “ساويرس” بإقامة مأدبة فاخرة لعمال المصنع تحدث فيها عن ضرورة العمل كأسرة واحدة، وإنه سيسعى جاهدا لتلبية كافة مطالب العاملين في أرض بديلة، ولما لا وأبواب الوزارات مفتوحة أمامه، أطلب تلاقي، وفي نفس الوقت استدعت مباحث أمن الدولة ثمانية من قيادات الشركة وهددتهم بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم تستقر الأمور داخل الشركة، وإذا ما تعرض البيه المستثمر لأي مكروه، وأبلغتهم بضرورة التوجه للعمال في الصباح والعمل على استقرار الأمور فيها. وبعد أن هدأت وتيرة الأحداث بدأ العمال يتصلون بساويرس، بأن ذهب بعضهم إلى مكتبه بالقاهرة للاستفسار عن وعوده إزاء الأرض فكان الجواب المتوقع “هناك استحالة في تحقيق هذا المطلب، وأن ما يستطيع توفيره هو إعطاء شهر مكافأة عن كل سنة لمن لا يرغب في الاستمرار في العمل. ومن جهة أخرى أفرجت المباحث بعد ثلاثة أسابيع من الضرب والتعذيب عن كافة العاملين بشركة جناكليس وسط غياب أي تضامن سياسي أو إعلامي معهم.
لم تنجح احتجاجات عمال جناكليس (400 عامل) فقط في كشف مدى زيف شعارات الحرية والديمقراطية التي ترفعها الدولة – وترددها قطاعات من المعارضة – بل كشفت أيضا عن مدى رعب الدولة من أي احتجاجات عمالية في مواجهة الخصخصة بما يفسد “الطنطنة” التي ترددها أمام المستثمرين الأجانب حول وجود طبقة عاملة مسالمة بلا أنياب، وهو ما يفسر لنا أيضا خوف الحكومة من إقرار قانون العمل الموحد قبل الانتهاء من هذه المرحلة الهامة جدا من الخصخصة. ولا يوجد شك أن نضالية عمال جناكليس تلقي الضوء على تزايد المزاج الساخط داخل عمال الإسكندرية وانتقاله من مجرد مزاج سلبي إلى فعل منظم وجماعي، ويكفي أن عمال الشركة نظموا ثلاثة إضرابات واعتصامات خلال شهرين، أحدها شهد تضامنا من فروع أخرى بما يعكس ارتقاء وعي العمال.
ومن جهة أخرى فإن معركة جناكليس تعد مثالا ساطعا على زيف أوهام “المعاش المبكر” الذي ترفعه الدولة، ففي هذه الحالة جرى العمال وراء سراب المعاش المبكر فأخرجت لهم الدولة لسانها، وقالت “بح” أما زملاؤهم الذين حصلوا على الأرض فسرعان ما سيعودون ليرزحوا تحت نيران الفقر والبطالة بعد أن يعجزوا عن تسديد أقساط الأرض وفوائدها. الأكثر من هذا أن خروج أكثر من ثلثي العمال أضعف موقف العمال التفاوضي وسهل على الدولة مواجهتهم، وفي الواقع لقد عجز العمال عن تحقيق مطالبهم لعدة أسباب أهمها انسياقهم وراء وعود المسئولين وغياب التنسيق الفعال بينهم وبين عمال مصانع الشركة الأخرى خاصة مصنع زنوسي الذي يخوض نفس المعركة، وكذلك بينهم وبين عمال المصانع المجاورة للشركة خاصة أن المصنع يقع في منطقة تركز عمالي تضم مصانع شركة سباهي للغزل والنسيج ومصانع الشركة العربية والمتحدة للغزل والنسيج والنشا والخميرة.
وأخيرا، يجب أن نقدم كافة أشكال التضامن لعمال شركة الكروم وأن نلتحم قدر الإمكان بتحركاتهم وأن نسعى إلى تطور مطالبهم، وأن نعمل بدأب على فضح المعاش المبكر وزيفه، فداخل الاحتجاجات العمالية يصبح القادة العماليين اشتراكيين ثوريين.





