بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليستمر القتل في المستشفيات لعام آخر

لا يخفى على أحد كيف تحولت مستشفياتنا الحكومية لأماكن للقتل بدلا من أن تكون أماكن للعلاج؛ فما بين نقص كبير في التجهيزات الطبية، وبين نقص معتاد في أدوية حيوية ومستلزمات لا غنى عنها لتقديم الخدمات الطبية، وبين عجز مخيف في الكوادر المهنية الطبية المدربة لهروبها من الواقع الأليم في وزارة الصحة المصرية للخارج، تتردى منظومة الصحة المصرية من سيء لأسوأ، ويظل الضحية هو المواطن الذي لا ثمن له عند نظام قامت ضده ثورة ولكنه لم يغير سياساته وإن غير أوجهه.

لقد أطلق أطباء مصرعدة صرخات مدوية لإنقاذ الوضع المتأزم داخل المستشفيات الحكومية وكانت أقواها على الإطلاق الإضراب العام الأخير لأطباء مصر والذي استمر 82 يوما بدءا من الأول من أكتوبر الماضي ، ولكن لا حياة لمن تنادي!

لقد وضع الأطباء أيديهم على أشد الجروح فتكا في منظومة الصحة المصرية، وهي ضعف ميزانية وزارة الصحة وضعف أجور الطاقم الطبي والتخبط في اللوائح والقرارات المنظمة للعمل في المستشفيات والمراكز الصحية وغيرها من أماكن تقديم الخدمة الصحية، ونظموا إضرابا يضع علاجا أوليا لها متمثلا في رفع ميزانية الصحة لحد أدنى 15% من ميزانية الدولة كما تنص “اتفاقية أبوجا” التي وقعت عليها مصر سنة 2001 ، إقرار قانون كادر الفريق الطبي وهو عبارة عن كادر مالي وإداري ينظم العمل في المستشفيات ويعطي للطبيب أجرا يوفر للطبيب الحد الأدنى من متطلبات المعيشة مما يجعله يستطيع التركيز أكثر مع عمله الحكومي ويخفف عليه عبء العمل في القطاع الخاص حتى يدبر قوت يومه، وطالبوا بتأمين المستشفيات وتغليظ عقوبة الاعتداء عليها؛ ولكن لا حياة لمن تنادي.

نعم حتى اليوم وقبل أشهر معدودة من إقرار الميزانية الجديدة لا حياة لمن تنادي، فلم يقر بعد كادر الأطباء، ولم يتم الإعلان عن أي نية لرفع ميزانية الصحة، بل إن التسريبات الآن أن هناك تعليمات رئاسية لمجلس الشورى بعدم مناقشة كادر الأطباء في هذه السنة المالية، ليستمر القتل في المستشفيات بأمر رئاسي لعام آخر!

الآن نحن أمام نظام يرفض توفير بعض مليارات الجنيهات من تلك التي يسلح بها داخليته لتقتل شعبه ليوجهها لعلاج المواطنين في المستشفيات بدلا من ذلك، نظام يرفض أن يحقق العدالة الاجتماعية التي هي أول داعم للاستقرار ويتجه للقمع بدلا من ذلك، نظام يصر على اختلال الميزان لصالح تلك الحفنة من المستثمرين التي تريد الاستثمار في الصحة على حساب المواطن ، فتستمر مستشفيات الحكومة “خرابات” يفر منها المواطن إلى مستشفياتهم الخاصة والاستثمارية ويدرك النظام جيدا كم كادرا من كوادره يمتلك أو يدخل شريكا في مثل هذه المستشفيات ، ويستمر أجر الطبيب وباقي الفريق الطبي ضعيفا في مستشفيات الحكومة فيتم دفعهم دفعا للعمل في تلك المستشفيات الاستثمارية “سخرة” أيضا بأبخس الأجور حتى يستطيعوا أن يعيشوا في ظل مستوى أجور متدني، ويكون منتهى أمل الطبيب هو الحصول على درجة الماجستير أو الزمالة حتى يجد عقدا للخارج يهرب على أثره من النظام الذي يتعمد إذلاله لبلد آخر “يستغله” بشكل أقل، ويستطيع الحصول فيه على بعض الحقوق المادية التي تمكنه من العيش وإن خسر في مقابل ذلك العديد من الأمور الأخرى.

أطباء مصر وإن بذلوا جهودا عظيمة ودؤوبة في قضايا الصحة خاصة في مرحلة ما بعد الثورة فإن المطالبة بإصلاح منظومة الصحة مسألة كبيرة لن يستطيعوا حملها على عاتقهم وحدهم، هنا يأتي دور تضامن المجتمع كأفراد وجماعات ضغط ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب معهم من أجل مطالبهم التي هي للصالح العالم، لصالح المواطن الفرد والمجتمع ككل لتحقيق التنمية والتقدم المأمولان وليست تلك “النهضة” الوهمية التي باعها الرئيس للشعب أثناء فترة الانتخابات الرئاسية .. فإذا كان النظام يريد التنمية حقيقة عليه أن يستثمر أمواله في الصحة والتعليم ، فهما من يستحقان الأموال الطائلة وليس جيوب رجال الأعمال ورجال السلطة.