بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

لزيادة الأجور وتحسين شروط العمل

الأطباء والمهندسون في الطريق إلى الإضراب

شهدنا في الشهور الماضية تصاعدا واضحا في مطالب الأطباء والمهندسين الخاصة بتعديل هيكل الأجور وتحسين شروط العمل، يقابله استمرار المراوغة والتسويف والتجاهل الحكومي لهذه المطالب. وعلي خلفية هذا التصعيد أرسل نقيب الأطباء د/ حمدي السيد (عضو الحزب الوطني) مؤخرا بخطاب إلى رئيس الجمهورية يطلب فيه لقاءه. أما المهندسين فقد قاموا في 16 أبريل الماضي بوقفة احتجاجية داخل مبنى مجلس الدولة، عقب صدور قرار رئيس المحكمة محمد قشطة بتأجيل النظر في الدعوى المقامة لرفع الحراسة وإجراء انتخابات مجلس نقابة المهندسين إلى 4 يوليو المقبل. البداية .. وعد “الرئيس”

وتبذل الحكومة جهوداً حثيثة من أجل إرجاء التعامل مع مطالب كلا من الأطباء والمهندسين إلى شهر يوليو المقبل. فالنظر في القضية المرفوعة من قبل حركة “مهندسون ضد الحراسة” تأجل إلى شهر يوليو. وفي الشهر الماضي طالعنا د/ مفيد شهاب، وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية، بنبأ الموافقة على مشروع الكادر الخاص للأطباء من حيث المبدأ والبدء بتطبيقه في شهر يوليو المقبل أيضا! هذا بالرغم من عدم إطلاع جموع الأطباء على مشروع الكادر الخاص أو حتى وعدهم بالإطلاع عليه، في حال وجوده أو استكماله.

أوضاع الأطباء والمهندسين

لا يخفى على أحد أن العصر الذهبي للأطباء والمهندسين قد ولى. فالأقاويل من نوع ” الخمسة ع ” الخاصة بالأطباء –عيادة وعروسة وعربية وعمارة وعزبة– اندثرت ولم تعد سوى مادة للتندر ولاستحضار المرارة بالنسبة لجموع الأطباء. فالواقع بالنسبة للأطباء هو كالتالي: بعد 7 سنوات من الدراسة الشاقة ومن الدروس الخصوصية ومن شراء مراجع علمية معروفة بأنها باهظة الثمن، يحصل طبيب الامتياز على 48 جنيه أساسي مرتب. أما بدل “النوباتجية” التي تصل عدد ساعاتها إلى 24 ساعة في الكثير من الأحيان فهو 5 جنيهات، علما بأن هذه الوضعية المتدنية للأجور لا تقتصر على أطباء الامتياز. فالنسبة لطبيب الجراحة الذي أدى الخدمة المطلوبة منه باستكمال سنة الامتياز، يبلغ سعر ساعة “النوباتجية” 10 قروش.

في أجواء كهذه يتعين على الطبيب التحضير لدراسة الماجستير والدكتوراه لكي يتسنى له الترقي في السلم الوظيفي بالمستشفيات الحكومية، وليحصل بعد 40 سنة من العمل على منصب مدير مستشفى حكومي براتب أساسي360 جنيه. أما في حالة عدم تقلد الطبيب لمنصب إداري واكتفائه بمزاولة مهنة الطب فإن ذلك بالطبع ينعكس سلبا على المرتب. فمثلا، مرتب أخصائي الباطنة بعد 16 سنة من العمل لا يتجاوز 210 جنيه، أما أخصائي القلب بعد مدة عمل أربع سنوات فيحصل على راتب يقدر بـ234 جنيه، وأخصائي المخ والأعصاب راتبه بالحوافز والبدلات 330 جنيه. ومن الواضح أن المستقبل لا يحمل أمل بالتحسن في ظل معدل زيادة المرتب الذي لا يتجاوز 18 جنيه سنويا!!

وبالطبع يضطر الأطباء أمام هذه الأوضاع المتردية للجوء للعمل في المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة التي تتراوح فيها الأجور اليومية ما بين 50 إلى 70 جنيه، وذلك حتى يستطيعوا توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة. ومن نافلة القول أن أوضاع كهذه لها آثار كارثية على صحة الغالبية العظمى من المصريين، إلا إن هذه القضية وحدها تحتاج لصفحات وصفحات. لكن يكفي هنا أن نذكر أنه في مصر 160 ألف طبيب يعملون في 1093 مستشفى و4136 وحدة صحية. الأدهى من ذلك أن الحكومة المصرية تنفق 5.8% من إجمالي دخلها القومي على الصحة، بينما حددت منظمة الصحة العالمية نسبة الإنفاق بـ 10% كحد أدنى.

أما المهندس فطالما اتسم في أعين جموع المصريين بانتمائه لأعلى فئات المجتمع إلى جانب الرؤية التقليدية لكونه مشروع نابغة. لكن هذه الهالة الاجتماعية انحسرت بأفول عصرهم الذهبي وتحطم أحلامهم على صخور المرتبات المتدنية والغلاء المستوحش.

وبالرغم مما سلف ذكره بالنسبة للأطباء إلا أن وضعية المهندسين أعقد من وضعية الأطباء. فالوضع الاجتماعي والمهني لمهندس القطاع العام يرتبط بالوزارة التي يتبعها. فالمهندس الذي يعمل بشركة تابعة لوزارة البترول يختلف تماما عن نظيره الذي يعمل بشركة تابعة لوزارة الصناعة. فالمهندس بمصنع الحديد والصلب يعمل عدد ساعات يصل إلى 12 ساعة في بعض الأحيان – من الساعة 8 صباحا إلى الساعة 8 مساء– بعقد مؤقت وبدون أي نوع من التأمينات الاجتماعية وبمرتب أساسي 250 جنيه. الأمر الذي يجعل وضعه الاجتماعي أو تصنيفه الطبقي أقرب إلى العامل، خاصة إذا قارناه بمهندس البترول الذي يحصل علي أجر أعلي بكثير. باختصار، لا توجد معايير وضوابط محددة لما يتقاضاه المهندس نظير عمله تكفل ولو نوع من المساواة في الأجور بين صفوف المهندسين.

على هذه الخلفية المتدهورة تصاعدت مطالبة نقابة الأطباء بتطبيق الكادر الخاص عليهم وبزغ نجم حركة “مهندسون ضد الحراسة” بعد فترة عمل تجاوزت الثلاث سنوات.

تحركات الأطباء

تجدر هنا الإشارة إلى حدوث تحول في موقف نقيب الأطباء د/ حمدي السيد. ففي كلمة ألقاها نقيب الأطباء في احتفال تخرج أطباء المنصورة في 11 مارس الماضي، طمأنهم إلى حصوله على وعد من رئيس الوزراء أحمد نظيف بحدوث تحسن مالي في دخول الأطباء. كما أعلن أن النقابة تدرس تجديد قيد الأطباء بها كل 5 سنوات. أما بعد انعقاد الجمعية العمومية للأطباء باحتشاد 5 آلاف طبيب وطبيبة بدار الحكمة (مقر نقابة الأطباء) في يوم الجمعة 30 مارس الماضي ومطالبة جموع الحاضرين بتطبيق الكادر الخاص للأطباء والتهديد بالاعتصام والإضراب، تغير موقف النقيب.

ففي الخطاب الذي أرسله نقيب الأطباء إلى مبارك، متجاهلا ومتجاوزا وعد نظيف له، طلب مقابلته بغرض تنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه في برنامجه الانتخابي والمتعلق بالكادر الخاص ولمطالبته بالتدخل الفوري للإفراج عن 25 طبيب معتقل لأسباب سياسية ومحالين لمحاكم عسكرية، بالرغم من صدور قرارات سابقة بالإفراج عنهم أو إحالتهم لمحاكم مدنية. في هذا السياق، يؤكد النقيب على أن تهديد الأطباء في جمعيتهم العمومية بالدخول في إضراب مفتوح عن العمل، باستثناء أطباء الحوادث والطوارئ، مازال ساريا. كذلك أكد على أن جمعيات عمومية وطارئة ستنعقد بكافة النقابات الفرعية لمعرفة مدى جهوزية قواعد الأطباء لتبني هذا الموقف. أما فيما يخص مشروع تجديد قيد الأطباء كل خمس سنوات بشرط حصولهم على عدد من الساعات التدريبية المعتمدة، فقد قرن موافقة النقابة عليه بصرف بدل تنمية مهنية للأطباء عن الدورات التدريبية.

يأتي هذا التحول بموقف النقيب على خلفية تغيب وزير المالية يوسف بطرس غالي عن الجلسة المحددة لمناقشة طلب الإحاطة المقدم من ثلاث نواب برلمانيين بشأن الكادر الخاص في يوم 7 مارس الماضي. هذا وقد كان ذات الوزير قد تخلف عن حضور جلسة سابقة معدة لمناقشة الميزانية العامة المخصصة لوزارة الصحة. وفي الحالتين لم يكن الوزير خارج البلاد ولم يتقدم بأي اعتذار!

على خلفية التجاهل الحكومي المستشري، لقي نقيب الأطباء –لمدة 15 سنة– نصيبه من الغضب المتنامي من دوائر طبية متفرقة. فبالرغم من تصريحات حمدي السيد التي تؤكد على انشغاله كنقيب للأطباء عن أمور السياسة، شاركت مجموعات من نقابة الأطباء في مظاهرة تمت ضد التعديلات الدستورية الجديدة على سلالم محكمة الحقانية بميدان المنشية بتاريخ 12 مارس الماضي. هذا وقد طالب المؤتمر الذي عقدته نقابة أطباء الدقهلية بأوائل شهر مارس الماضي تحت عنوان ” التعديلات الدستورية بين الوهم والخيال” بإلغاء حالة الطوارئ وعلى رأسها الإحالة إلى المحاكم العسكرية والتأكيد على حرية تشكيل الأحزاب على أن يكون بالإخطار، والتمسك بالإشراف القضائي الكامل على الانتخابات وتعديل المادة 77 الخاصة بصلاحيات رئيس الجمهورية.

أما بعد انعقاد الجمعية العمومية للأطباء، فقد عبر الحاضرون لاجتماع عقدته حركة “أطباء من أجل التغيير” – حزب العمل وبعض قوى اليسار والمستقلين – في يوم السبت 31 مارس الماضي عن استيائهم من موقف النقيب المتخاذل حيال مقترح الإضراب، واتفقوا على ضرورة القيام بزيارات مكثفة إلى نقابات الأطباء الفرعية وجمع توقيعات الأطباء المتبنيين لمقترح الإضراب.

ولكن على الرغم من حالة الاستياء الشديدة بين الأطباء فقد اقتصر الحضور في الجمعية العمومية على 5 آلاف طبيب من 160 ألف. ويفسر د/ عصام العريان ضعف مستوى الحضور بضيق مساحة دار الحكمة التي تتسع بالكاد للعدد الذي حضر بالفعل. كما أشار إلى أن الأطباء دائمي الانشغال بوردياتهم والنوبتجيات، فضلا عن تفرقهم بجميع أرجاء مصر. وقال إن نقيب الأطباء يلعب دورا إيجابيا للغاية ويسعى إلى إجراء انتخابات نقابية مثلهم – يقصد الإخوان المسلمين– لكن الحكومة تجاهلت ثلاثة أحكام قضائية صدرت في الـ 13 سنة الماضية.

تحركات المهندسين

لعل أبرز تطور يتعلق بنقابة المهندسين هو تبني سكرتارية حركة “مهندسون ضد الحراسة”–التي تشمل ممثلين لجماعة الإخوان المسلمين والمهندسين الديمقراطيين (يسار) وحزب العمل والتيارات الناصرية ومهندسي الإسكندرية– لمطلب الكادر الخاص للمهندسين. يقول م/ طلعت فهمي، عضو السكرتارية كممثل للمهندسين الديمقراطيين والمكلف بإعداد مشروع الكادر الخاص للمهندسين، إن حركة مهندسين ضد الحراسة هي جماعة ضغط لا يسعها سوى دعم المهندسين المضارين من الأجور المتدنية في حالة تبنيهم لمطلب الكادر الخاص. هذا وقد اتضح من حديث م/ فهمي أن تجميع المهندسين حول مطلب الكادر الخاص أصعب في الوقت الراهن من تجميعهم حول مطلب رفع الحراسة بكثير. علل ذلك بتفرق المهندسين بجميع أرجاء مصر، “فعلى العكس من المحامين الذين تجمعهم نقابتهم والمحاكم المعدودة على أصابع اليد، والصحفيين المنتشرين في الجرائد القليلة المتوافرة، فالمهندسين متفرقين”.

أما بالنسبة لمطلب رفع الحراسة، فيقول طلعت فهمي إن مجموعة “المهندسون الديمقراطيون” كانت صاحبة المبادرة الأولى في هذا الصدد لأنها جماعة نشأت في ظرف سقوط بغداد، وفي أوساط مجموعة من المهندسين رأت ضرورة في التعبير عن موقفها من العدوان الأمريكي على العراق عبر نقابتهم. ويرى أن سبب تلقف جماعة الإخوان المسلمين وتبنيهم لمطلب “نقابة حرة وديمقراطية”، ومن ثم تشكيل حركة “مهندسون ضد الحراسة” هو استعداد المهندسين لتبني هذا المطلب الطبيعي. وللتدليل على قوله أشار إلى أن الجمعية العمومية الأولى لمهندسين ضد الحراسة حظيت بحضور 17 ألف مهندس في 13 فبراير 2005.

وفي عودة للدعوة المرفوعة ضد الحارس القضائي وهو رئيس محكمة جنوب القاهرة، تم تأجيل الجلسة إلى شهر يوليو المقبل تحت دعوى مراجعة المستندات على أثر طلب محامي الحكومة مهلة للانتهاء من تنقية كشوف المهندسين قبل إجراء الانتخابات. نفهم من ذلك أن الحكومة تمكنت من مراجعة كشوف 37 مليون ناخب في 3 شهور في فترة انتخابات رئاسة الجمهورية، ولم تتمكن من مراجعة كشوف 300 ألف مهندس في 13 سنة!

يبدو أن الفترة المقبلة ستشهد تصاعداً في تحركات المهندسين والأطباء والمعلمين (راجع الاشتراكي العدد 18)، تصاعداً تزداد أهميته إذا نظرنا له في سياق التصاعد الحالي في الإضرابات العمالية. فأمام هجوم الدولة، بدأ المستغلون والمقمعون يتحركون لوقف الهجوم ولانتزاع حقوقهم المنهوبة.