بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مجدي قاسم رئيس اللجنة النقابية لعمال “كابري”.. معركة يومية ودؤوبة

أثناء الإضرابات والاعتصامات العمالية الأخيرة، ظهرت العديد من اللجان النقابية التي قادت المعركة ضد بطش أصحاب العمل. لجنة شركة كابري هي واحدة من تلك اللجان. تحدثت دينا حشمت إلى رئيس هذه اللجنة، مجدي قاسم، الذي وقف، ولا يزال، على الخطوط الأمامية في المعركة.

يرد على الأسئلة الخاصة بمسيرته الشخصية باقتضاب شديد، ولا يدخل في أي استطرادات من أي نوع إلا فيما يخص “القضية”، قضيته هو وجميع عمال شركة كابري التي ظل، ولا يزال، يدافع عنها. عندئذ فقط، تظهر قدرة مجدي قاسم على عرض المشاكل والشرح التفصيلي والحديث الطويل دون كلل أو ملل. فهو يشرح كيف بدأت المشكلة، كيف تطورت، ينتظر قليلاً أحياناً، كي يتأكد فقط أن الشخص الذي أمامه لم يته في التفاصيل الإدارية والقانونية الكثيرة التي يسردها، ثم يستمر في عرض مداخل ومخارج الأمور، مبرزاً وثيقة تلو الأخرى ليؤكد على كلامه: المذكرة التي رفعها لعائشة عبد الهادي بتاريخ 30 مارس، مدعمة بصورة من خطابات تحويل إلى مستشفيات التأمين الصحي، وهناك أيضاً “صورة من نتائج أعمال الشركة العامة لمخابز القاهرة” (للمقارنة بين أرباح الشركتين) وهناك طبعاً وثيقة خاصة بتاريخ الشركة نفسها، التي تشرح كيف أن “الموضوع كان بايظ من أصله” حين “قامت إدارة بنك مصر بتأسيس الشركة عام 79 برأسمال قدره 2 مليون جنيه .. في حين بلغت الاستثمارات اللازمة لإنشاء وتشغيل الشركة أكثر من 46 مليون جنيه. وتم تمويل هذا الفرق بقروض قصيرة الأجل من بنك مصر وتحملت الشركة أعباء هذه القروض”. فهذه هي المعضلة الأساسية في الموضوع، التداخل بين إدارتي البنك والشركة، كيف أن جميع أعضاء مجلس إدارة الشركة هم من العاملين الحاليين أو السابقين في بنك مصر، الذين لا خبرة لهم في إدارة صناعة غذائية ولا في التسويق لمنتجاتها.

كابري وقت الصعود

عندما تم تعيين مجدي قاسم في هذه الشركة، سنة 1984، لم يُبال كثيراً بهذا الأمر، فكان آنذاك خارجاً لتوه من الخدمة العسكرية، متخرجاً من معهد تجارة، قسم حسابات: “لما خرجت من الجيش، لقيت إعلان في الجورنال، فقدمت واشتغلت. كان لسة بداية تشغيل المصنع. والمرتبات كانت أحسن من بتاعة الحكومة”. لا يتذكر بالضبط قيمة المرتب الذي كان يقبضه سنة 1984، “كنا بناخذ مثلاً 150 جنيه، مش فاكر”. ولكنه يتذكر جيداً أنه دخل فترة اختبار لمدة ثلاثة شهور، ثم حصل بعد ذلك مباشرة على عقد دائم ـ فقد كان هذا قبل عصر الاستمارة 6، استمارة الاستقالة سيئة السمعة، غير المؤرخة، الذي يضطر شباب اليوم لتوقيعها قبل بداية العمل في أغلب مصانع القطاع الخاص.

كانت التجربة تبدو “معقولة” ويحكي مجدي قاسم: “كان عندنا أمل، الشركة، إمكانياتها، عربية تاخدك وعربية تجيبك، خطوط إنتاج قدامك”. فعُين “أمين مخازن، في المستلزمات”، وكان يعمل “صباحي أساسي”، من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الثالثة ظهراً. ولكن بعد أكثر من 20 سنة عمل في نفس الشركة، لم يتجاوز مرتبه أبداً 400 جنيه، و”6 ساغ”، كما يضيف، ساخراً. وهناك مرتبات لا تصل حتى إلى هذا المبلغ، حيث أن البعض لا يزال يقبض 200 جنيه شهرياً! هذا مع أن المصنع بلغ عدد عماله 1200 عامل في أوج نشاطه، في نهاية الثمانينات: “المصنع كان بيشتغل 3 ورادي، مكرونة كابري بدأت تشتغل، بتصدر للدول العربية، مخبوزات وحلويات، وعربيات تطلع وتوزع في المحافظات كلها، كان لنا شغل جامد”.

في هذه الفترة أيضاً شكلت مجموعة من العمال لجنة نقابية، سنة 1986. “قلنا لجنة نقابية تدافع عن حقوق العمال، قلنا أكيد هايبقى فيه يوم العمال هايحتاجوا حاجة زي كدة. الناس رحبت، ما عارضتش. حتى لما اتخصم منهم اشتراكات، جنيه، برضه وافقوا على طول. كان فيه قبول للفكرة.” لم يكن مجدي قاسم من أوائل المنضمين إلى اللجنة النقابية الجديدة، فلم يدخل في اللجنة النقابية إلا عام 1991. وفي 2002 أصبح رئيسها، هو ما يسميه “المهمة الثقيلة”. فبعد 2002 بدأت بالفعل المشاكل “الثقيلة” في إدارة الشركة. فأول قرار إغلاق صدر سنة 2003، بسبب الخسائر التي كانت تشوب إدارتها. قامت اللجنة آنذاك بتنظيم حملة من المذكرات والرسائل الموجهة للمسئولين وللصحفيين، ونجحت في خلق رأي عام متعاطف معها في قضيتها. منذ هذه الفترة، أصبح مجدي قاسم متخصص “الجري” في مكاتب المسئولين. أصبح يحمل معه دائماً ظرفاً يحتوي على كل الوثائق الخاصة بالقضية، وأصبح يُجيد صياغة الشكاوي، ويُسرع في تحضير المحاضر كلما لزم الأمر، مثلما فعل مؤخراً، للاحتجاج على أن “المصفي” أجبر العمال، مقابل استلام 3 شهور من مرتباتهم المتأخرة، على توقيع إيصال نص “على أن المبلغ المنصرف عبارة عن مكافأة من مصفي الشركة لحين تسوية مستحقاته طبقاً لقرار التصفية الصادر من الجمعية العامة غير العادية بتاريخ 28/12/2005″، مما يعني ضمناً الاعتراف بقرار التصفية، وهو ما يعارضه العمال منذ أكثر من 3 سنوات.

العمال في معركة الفساد

ولم يخض العمال المعركة من أجل الدفاع عن عملهم أو تعويضاتهم المستحقة فقط، ولكن أبلغوا أيضاً عن قضية فساد كابري، التي شهدت إشراف إدارة غير كفئة على عمل المصنع لمدة سنوات طويلة، وظلت اللجنة النقابية تندد في مذكراتها بإدارة الشركة الـ “متعاونة مع إدارة بنك مصر” والتي “تسعى بشتى الطرق إلى الإغلاق النهائي دون اتخاذ أية إجراءات تجاه سلبية الإدارة وسوء تقديراتها الإنتاجية والتسويقية”، بل وطرحت سؤالاً حول أهداف هذا الفساد وتفسيراته، حول قيمة الأرض، ومساحتها “حوالي سبعون ألف متر مربع بالحي العاشر بمدينة نصر”، التي “قام مجلس إدارة الشركة وجميع أعضائه من العاملين ببنك مصر أيضاً بالاتفاق مع الجمعية العمومية على نقل ملكية الأرض المقام عليها أرض الشركة”. فيبدو أن إدارة البنك تنوي بيع أرض تصل قيمتها إلى 400 مليون جنيه لإقامة مشاريع عقارية. فهذا هو ما ندد به العاملون في الشركة، وهذا ما نددوا به أثناء اعتصاماتهم المتتالية، منذ شهر يناير 2006، أولاً أمام مقر الشركة، ثم في فرع نقابة الصناعات الغذائية، وبعدها في مقر الاتحاد العام لعمال مصر، وذلك في بداية فبراير 2006. وأخيراً نقلوا احتجاجهم أمام مجلس الشعب، يوم 12/3 الماضي (انظر الاشتراكي، العدد الثاني).

هذه الأيام هي التي أعطت للتضامن معنى آخر، معنى ملموساً: “الكل كان إيد واحدة لأن الكل كان حاسس خلاص بالضياع والخراب. العمال كلها بيوتها اتخربت”. وحتى زوجات العمال شاركن عدة مرات في الاعتصامات: “حتى الستات، كانوا قاعدين معانا، بايتين معانا في الشارع”. ولا زالت المواقف الجماعية الحاسمة مطلوبة في مواجهة المفاجآت السخيفة التي تدبرها الإدارة، وآخر هذه المفاجآت، إلى جانب فخ الإيصال، هو رفض علاج العمال في مستشفيات التأمين الصحي. “فيه حوالي 30 عامل تعبانين جداً، الناس عايزة جوابات تأمين صحي، رفض! ليه؟ قالك لأ مفيش تأمين صحي، الإدارة مش بتدفع اشتراكات. مش عارف تعسف ليه يعني.. إحنا طالبين نتعالج في التأمين الصحي، مش طالبين نسافر فرنسا، ولا إيطاليا ولا هولندا، إيه الجريمة إللي عملناها؟”. الكيل بمكيلين: العمال لا يستطيعوا التوجه حتى لمستشفيات التأمين الصحي، في حين “أن الموظفين في بنك مصر بيتعالجوا بحوالي 12 مليون جنيه”.

وهذا الكيل بمكيلين هو الذي يحكم الأمور كلها. “إللي مهيج العمال إن المسئولين عن الفساد والإدارة الفاشلة، قاعدين لحد دلوقت”. يقول مجدي قاسم: “رئيس مجلس الإدارة، إللي ثبت فشله رسمياً، ولجان قانونية أدانته، وجهاز الاستثمار بتاع بنك مصر نفسه أدانه، هو نفسه رئيس الجمعية العمومية وهو نفسه إللي اتعين مصفي وهو عنده 70 سنة!! 70 سنة ده قاعد على قلبها خربها وقاعد على تلها، وإحنا إللي عندنا 47 أو 48 سنة، وإحنا إللي بنبلغ عن الفساد نترمي في الشارع، فين بقى الشرعية؟”.

كسب عمال كابري جزءاً مهماً من المعركة بفضحهم لغياب الشرعية. فهم استطاعوا، بفضل تمسكهم بالحق في مواجهة الباطل، بحق إنساني أولي، بدفاعهم عن المنطق، أن يفرضوا أنفسهم على الرأي العام. فلا يدافعون فقط عن منطق العدل والإنسانية، ولكن أيضاً عن منطق سياسي واقتصادي مختلف جوهرياً، في مواجهة مجموعة من الفاسدين لا يحركها إلا الجشع والتطلع إلى تراكم المزيد من المال. كما يقول مجدي قاسم: “بنك مصر لا يهمه لا قلعة صناعية، ولا يهمه عمالة تشتغل ولا يهمه حاجة.. عايزين يعملوا مشاريع استثمارية، وأرقام، وحسابات، وأرباح، على الورق بس”، ويتسائل: “لمصلحة مين؟”.

من بيده الحل؟

ورغم أنه “مالوش في السياسة وفي شغل الأحزاب”، فإن مجدي قاسم يعرف جيداً أن شركة كابري ليست الوحيدة التي تواجه مشكلة فساد. ولكنه يرى أنه ليس قادراً على حل هذه المشكلة: “هأعمل إيه، أنا إللي هأمسك البلد؟ إذا كنت أنا أصلاً تعبان في مشكلتي، وأنا صاحب حق، اللجان القانونية كلها معايا، والرأي العام معايا، هأعمل إيه تاني؟” ومع ذلك، يبدأ فجأة بطرح أفكار للحل: “عندك مساحة، عندك مصنعين، ممكن تضيف أنشطة جديدة، ممكن تعمل مجمع صناعي، ممكن تشغل مش أقل من 2000، 3000 عامل من الشباب العاطلين دول”، تلك هي الأفكار التي يفرضها المنطق، والتي تحل مشاكل العاملين والعاطلين، من الرجال والنساء. ومجدي قاسم، مثله مثل رؤساء اللجان النقابية الجريئة التي قررت أن تفضح الفساد، مثله مثل العمال الآخرين الذين نظموا احتجاجات ناجحة في مواجهة بطش رجال الأعمال وفساد السلطة، مثله مثل عمال الإسبستوس والمراقبين الجويين، لديه أفكار حول إدارة مصنعه بمنطق الكفاءة والمساهمة في حل مشاكل المجتمع، من بطالة وغيرها، أكثر بكثير من الفاسدين الذين يحكمونه.