بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال الإسكندرية.. نضال متواصل وصمود بطولي

طالما كانت الحركة العمالية هي كارت المراهنة على تصحيح مسار الثورات؛ فالانتفاضات العمالية المستمرة من شأنها أن تضعف الغشاء الحامي للرأسمالية والاستغلال، الأمر الذى يجعلها تبرز كل أسلحتها لتصفية العمال الذين يشكلون تهديداً لها ولمصالحها. وتستخدم الدولة كل الأساليب الممكنة لتشتيت وقمع هذه الحركات لضمان سلامة بقاءها وضمان عدم انقطاع وقودها المحرك وهو قوة العمل، العمل الذي يتم في ظروف بالغة السوء وقاسية الاستغلال، ليس فقط من أجل زيادة نسبة الربح ولكن أيضاً لتحويل العامل إلى “ثور في ساقية”، وعندما يطالب بحقه، يطلب بالقليل منه فقط ليتمكن فقط من البقاء على حد الكفاف. ويبقى الآلاف من عمال الإسكندرية تحت رحمة طاحونة الاستغلال التي لا ترحم، يناضلون بشراسة من أجل حقوقهم ومطالبهم. نستعرض هنا بعض من أبرز نضالات عمال الإسكندرية خلال الشهور الماضية وأهم ملامح وخبرات هذه النضالات.

عمال “هاي تك”.. الإضراب في مواجهة الفصل وظروف العمل المجحفة

ولنا في مصنع “هاي تك” خير مثال، فالمصنع تابع للمنطقة الحرة بالعامرية – الإسكندرية، التابعة لاتفاقية “الكويز”، هذه الاتفاقية التي تأتي في إطار التطبيع مع العدو الإسرائيلي، والتي رعاها نظام مبارك وأكمل مرسي نفس المشوار من بعده في الاعتناء بها والمحافظة عليها. 

يعاني عمال “هاي تك” من ظروف عمل غير محتملة؛ فوقت العمل يدوم لأكثر من 10 ساعات يومياً بلا أوقات للراحة، اللهم بعض الدقائق المعدودة التي لا تتعدى العشرين لقضاء حوائجهم، لا يتقاضى العمال بدل وجبة، وليس لهم أي نسبة في أرباح الشركة، ولا يأخذون إجازات مرضية وبالطبع ليس لديهم تأمين. وفي نهاية كل ذلك لا يتعدى راتبهم الـ 800 جنيه، وبرغم كل ذلك رضى العمال بمثل هذه الظروف وقبلوا بها.

لكن رئيس الشركة كان له رأي آخر؛ فكان يقوم كل فترة بتسريح عدد من العمال، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عن طريق ظروف العمل المجحفة أو الزيادة الرهيبة في الجزاءات. ونرى بعد ذلك أنه يقوم بتشغيل عمالة أجنبية تتجاوز نسبتها الـ 80% على حساب العمالة المصرية، وكل هذا على مرأى ومسمع من رئيس هيئة الاستثمار بالمنطقة الحرة، بالرغم من مخالفة ذلك لقوانين العمل الموضوعة من جانبهم حيث تفيد أنه لا يمكن أن تزيد نسبة عمالة الأجانب عن 20% في المنطقة.

بدأت انتفاضة عمال “هاي تك” عندما تم تحرير محاضر ضد العمال الناشطين داخل المصنع والبالغ عددهم 10 عمال وانتهى أمرهم بالفصل من الشركة، فتضامن باقي زملائهم معهم وتوحد جميع العمال ضد إدارة الشركة وأضربوا عن العمل حتى رجوع زملائهم، ووضعوا عدداً من المطالب تحقق لهم بعض الحريات الضئيلة. وانتهى إضرابهم بعودة العمال المفصولين وإدراكهم لقوة سلاح الإضراب وتأثيره الكبير.

وها هو الاستثمار الذي يتغنى به كل فاسد يأتي إلى الحكم داعياً إلى ضرورة الاهتمام به وزيادته من أجل الرخاء والازدهار، فهو موجود فقط لرخاء المستغلين على حساب الشعب.

“بورتلاند”.. عندما تكون الكلاب البوليسية هي الحل

الأمر نفسه حدث أيضاً في مصنع “الإسكندرية للأسمنت – بورتلاند”؛ فظروف العمل شبيهة تماماً بعمال المناطق الحرة، ناهيك عن شروط السلامة والاحتياطات المنعدمة في هذا المكان.

وهنا يظهر شكل آخر من الاستغلال الرهيب؛ فالإدارة تضع العمال وسط متاهات، لا يعملون من مَن يطالبون بحقوقهم، فهم بشكل مبدئي تابعين لمقاول والذى بدوره تابع لشركة توريد عمالة متعاقدة مع إدارة الشركة المصرية والتي هي فقط مندوب عن إدارة الشركة الفعلية الأجنبية، مما يجعل العمال يشعرون وكأنهم يحاربون طواحين الهواء.

ولكن العمال ضربوا بافتراضات الإدارة عرض الحائط واعتصموا داخل المصنع حتى تدخلت الدولة في أسرع وقت ممكن لمواجهتهم، فاقتحمت قوات الأمن المصنع بالكلاب البوليسية، وقاموا بالقبض على عدد من العمال يفوق الـ60 عامل، وقاموا بالتحقيق معهم في مديرية الأمن أي في مكان احتجازهم، وأبقوا على 18 شخص أغلبهم من أعضاء النقابة المستقلة والعمال الناشطين بالمصنع.

استمرت التحقيقات لمدة شهرين، وكان العمال وقتها في حالة يأس وإحباط لا يفكرون إلا في طريقة تمكنهم من مساندة زملاءهم، حتى أنهم تناسوا مطالبهم، وقامت الشركة وقتها بفرض عقد على العمال الراغبين في العودة إلى عملهم، ينص فيه على حق الإدارة في فصل العمال في حال قيامهم بإضراب أو أي تعطيل عن العمل، وهو ما رفضه الكثير منهم، فلم تقم الشركة بتجديد عقودهم. وحتى يومنا هذا لم يعد العمال المفصولون إلى العمل، مع رفض الإدارة لمقابلتهم للوصول إلى حل.

دروس نضال عمال “فرج الله”.. النقابة المستقلة شوكة في حلق المستثمر

تتعاون الدولة مع المستثمرين على حساب العمال وحقوقهم. وتتشابه الأحداث في واقعة أخرى وهي إضراب مصنع “فرج الله” لتصنيع المواد الغذائية والذى يملكه “محمد فرج عامر” أحد كبار رجال الأعمال بالإسكندرية، وعضو الحزب الوطني الفاسد المنحل، حيث قام بإغلاق المصانع في وجه العمال وشهّر بهم في وسائل الإعلام، وبعد ذلك منع العمال المضربين عن العمل من الدخول للمصنع حتى أخطرهم بفصلهم بعد 20 يوماً، ومن الجدير بالذكر أن أغلب العمال كانوا أيضاً أعضاءاً بالنقابة المستقلة.

يتضح لنا من ذلك أن النقابات المستقلة دائماً ما تكون شوكة في حلق المستثمر، وبالتالي في كثير من الأحيان تستهدفها إدارات المصانع والشركات بالقمع أولاً. وتعمل الدولة يداً بيد مع المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال لاستئصال النقابات المستقلة وعزلها والتنكيل بها، فوجود نقابات مستقلة ملتصقة بقرارات قواعدها ومتغلغلة وسط العمال وتعلم جيداً الحيل التى يتم نصبها حولهم من قبل الإدارة والدولة، حينها تكون حققت جزء من هدفها المرجو.

وعلى صعيد آخر نلاحظ غياباً للنقابات المستقلة في بعض الإضرابات والاحتجاجات العمالية بالإسكندرية، الأمر الذي يفضي في الأغلب إلى بعض الضعف في التنسيق بين العمال وفي وحدة حركتهم، وهذا ما نراه مثلاً في إضراب عمال “كابو”، هذا الإضراب العظيم الذى استطاع أن يصمد لأكثر من ثلاثة أسابيع، وسط حالات من الإحباط، نتيجة لعلمهم بأن في نهاية المطاف ستعود الأوضاع على ما هي عليه. هذه الشركة لطالما ناضلت وواجهت الإدارة بكل قوة وإصرارعلى تحقيق المكاسب، وغالباً ما كانت الأمور تنتهي بانتصار العمال، لكن بعد فترة تقوم الإدارة بتمرير قرارتها مرة أخرى، ويعود “الشرنوبي” رئيس مجلس الإدارة لانتزاع هذه المكاسب بعد عودة العمال إلى عملهم.

عمال “مساهمة البحيرة” يطيحون بمجلس الإدارة

أدرك عمال شركة “مساهمة البحيرة”، منذ البداية، الحيل المعتادة التي تتبعها الإدارات، حيث كانوا قد قاموا بالتظاهر والاعتصام داخل مقر الإدارة بسبب عدم صرف رواتبهم لمدة 6 أشهر. ثار العمال ضد الإدارة وطالبوا بضرورة تغييرها، وبالفعل بعد نضال دام لأكثر من شهر، قامت الشركة القابضة بتغيير مجلس الإدارة وأمرت ببدء صرف رواتبهم مع بداية السنة المالية الجديدة، وهو ما ينتظره العمال مع استعدادهم للتحرك مرة أخرى في حال لم ينفذ هذا القرار.

وتكمن مشكلة “مساهمة البحيرة” في أن الدولة لا تكلف لها أعمالاً، في محاولة لتصفية الشركة، ولهذا يشعر العمال بأن هذه الوعود ما هى إلا مسكنات لاحتواء نضال العمال وتفادي أية أضرار ناتجة عنه.

ويشاطرهم عمال “كابو” نفس الإحساس خاصةً وأن رئيس مجلس الإدارة “عمرو الشرنوبي” لديه شركة خاصة لتصنيع الملابس، فهو يقوم بمحاولة شبه مخفية أيضاً لتسريح عدد من العمالة سواء من خلال لائحة الجزاء المجحفة وشروطها القاسية، أو من خلال عدم توفير المواد الخام.

مرت على الإسكندرية العديد من الإضرابات والاحتجاجات العمالية بعد الثورة سواء من عمال الحديد الذين اشتركوا في إضراب “سكك حديد مصر” على مستوى الجمهورية ولم يهتزوا أمام قتل الجيش لإضرابهم، أو إضراب عمال “الصرف الصحي” والذي تم الاعتداء فيه على العمال المحتجين بالضرب بالخراطيم والسحل والسباب من قبل بلطجية الإدارة. وهناك عمال شركة “السيوف” للغزل والنسيج والذين لم يصمتوا عن حقهم في الترقيات والتى تأخرت عنهم لأكثر من 20 سنة، وقاموا بإضراب انتهى بتحقيق جزء من مطالبهم. وأخيراً وليس آخراً مصنع النوبارية لتصنبع أعلاف الأسماك، والذي انتهى بهروب صاحب المصنع وقام العمال بإدارته ذاتياً.

وهذا يجعلنا على يقين بأن للثورة عمالاً يحموها، وأنه من الضروري توحيد العمال ضد الاستغلال وانتزاع مصانعهم من عصابة رأس المال.