ببطء.. لكن المعركة تتقدم
عمال السويس للشحن والتفريغ الآلي: مأساة ونضال وصمود

المأساة
يظهر استغلال رأس المال في أبشع صوره مع عمال السويس للشحن والتفريغ الآلي، و”آلي” هي مجرد كلمة على الورق ويفط الشركة، أما على الأرض فيعمل العمال بأساليب غاية في البدائية والخطورة، ويتسلقون بأيديهم العارية وايرات يصل ارتفاعها إلى 7 و9 أدوار في ظل انعدام تام لوسائل الأمان، وقد أدى ذلك إلى سقوط 13 حالة وفاة وعشرات الإصابات خلال العامين الأخيرين فقط، وما نالوه في المقابل كان تسجيل غياب وإجازات مرضية، وطبعا لا تعويضات ولا تأمينات ولا علاج.
ذلك بالإضافة إلى معاناتهم من أوضاع اجتماعية ومعيشية لا يصدقها أحد؛ فمفردات المرتبات الشاملة تتراوح في المتوسط بين 198 و236 جنيه، ويصل أكبرها إلى 479 جنيه فقط كأجر شهري شامل، كما أنهم مربوطين على الدرجة السادسة الوظيفية منذ التسعينات وحتى يومنا هذا، ويخضعون لثلاثة قوانين في وقت واحد (قانون 159 وقانون 203 وقانون 47)، ويترتب على ذلك أنهم يتقاضون مرتباتهم على أنهم قطاع عام ويخصم منهم على نظام القطاع الخاص.
النضال
بدأت شرارة الانفجار بعد تعسف مجلس الإدارة مع 3 عمال ومحاولته فصلهم (حتى بدون حكم قضائي كما يقر الدستور الحالي)، فتضامن معهم باقي زملائهم تدريجياً على مدار أيام قليلة، وعندما وصل العمال المتضامنون للأغلبية قرروا الإضراب عن العمل وأخذ العمال المبادرة وحاصروا مبنى الإدارة مطالبين بالتراجع عن قرار فصل زملائهم، ثم تصاعدت المطالب مع مرور أيام الإضراب وحصار مبنى الإدارة واحتجوا على أوضاعهم المعيشية والوظيفية وطالبوا بفتح باب الترقيات في الدرجات الوظيفية، وتسوية المؤهلات، وبرفع نسبة بدل المخاطر إلى 100% من الأجر الأساسي بدلاً من الـ 35% التي يحصلون عليها، ويشير العمال بغضب إلى حصول الإداريين بالشركة على 25% بدل مخاطر مربوطة بدرجاتهم الوظيفية الأولى والثانية وهم داخل مكاتبهم المكيفة، حيث الخطورة الوحيدة التي يمكن أن يتعرضوا لها هي “تعطل التكييف وتصبب بعض قطرات العرق منهم”.
توسع العمال في نطاق إضرابهم، فقد بدأ الإضراب في موقع بورتوفيق ثم حرضوا زملاءهم في موقع الأدبية على الإضراب، وقد كان. وعندما علم باقي زملائهم في موقعي نويبع وسفاجا بذلك التصعيد هددوا بالإضراب.
استمرت تلك الموجة لمدة 11 يوماً أجبروا خلالها الإدارة على التفاوض معهم بعدما كانت الإدارة ترفض حتى مجرد الاعتراف بوجودهم من الأساس، وقد وعدتهم بالتراجع عن قرار الفصل وصرف بدل وجبة 10 جنيه يومياً وصرف المستحقات المتأخرة على الشركة وتشكيل لجنة من وزارة القوى العاملة لفحص المخاطر وتحديد نسبة لها شريطة أن يعودوا للعمل، فعلق العمال إضرابهم على أمل الوفاء بتلك الوعود بعد 3 أيام كما أكدت الإدارة.
ومرت الـ 3 أيام ليفاجأ العمال بأن شيئاً لم يتحقق على الإطلاق، وحتى بدل الوجبة الذي صُرف لهم كان 2 جنيه فقط، فعادوا للإضراب من جديد إضراباً كلياً تاماً في بورتوفيق والأدبية ونويبع، وحاصروا مبنى الإدارة الواقع في بورتوفيق، وقطعوا الطريق الجانبي المؤدي إليه، ثم قطعوا شوطاً للأمام في حراكهم حيث رفضوا التفاوض وصعدوا من مطالبهم وتوحدوا عليها (حل اتحاد المساهمين والعودة لقانون 203 – قطاع عام) رافضين الخصخصة الجزئية للشركة، كما جمعوا توقيعات أكثر من 50 عاملاً مطالبين بإنشاء نقابة مستقلة لهم، بل كان من أحد المطالبين بها عضو لجنة نقابية حالي، حيث رأوا أن اللجنة النقابية الحالية التابعة لاتحاد عمال مصر لا تعبر عنهم، بل تقف ضد مصالحهم وتعاديهم إلى درجة أن تقدم أحد أعضائها بجواب رسمي إلى الإدارة يطالب فيه بخصم 15 يوماً لكل يوم واحد غياب للعامل.
وأمام هذا التقدم في الحراك، ردت الإدارة على الفور في نفس اليوم بقرار صرف بدل الوجبة 10 جنيه وصرف 150 جنيه لكل عامل مستحقات مالية متأخرة على الشركة منذ شهر أبريل الماضي، فلم يتراجع العمال وأصروا على مطلبهم الأول بحل اتحاد المساهمين والعودة لقانون 203 أو استمرار الإضراب، فقام أحد أعضاء اتحاد المساهمين بالاتصال بقسم الفنيين بالشركة وأغرى عدداً منهم بأخذ مكان العمال المضربين، وبالفعل أبدى بعضهم الجدية وبدأوا في تسيير العمل بالموانئ المتوقفة، فاضطر العمال للعودة للعمل، مهددين للمرة الثالثة بالإضراب في حال عدم رفع نسبة بدل المخاطر إلى 200% هذه المرة، وحل اتحاد المساهمين، والعودة لقانون 203 (قطاع عام).
دروس
كان هناك تقدم، ثم تراجع، ثم تقدم، وهكذا تسير المعركة. وهنا يجب أن نضع في اعتبارنا ثلاثة أشياء مهمة تؤخر عملية الحسم:
أولاً، قلة أعداد العمال بالمقارنة بالإداريين والفنيين (187 عاملاً بالشركة في مقابل 620 إدارى وفني)، علاوة على تعدد وحدات العمالة بالشركة (عمال حاويات وعمالة فنية) مما يغذي روح المزاحمة والمنافسة والتي استغلها اتحاد المساهمين.
ثانياً، توزعهم على أربعة مواقع متباعدة (بورتوفيق والأدبية ونويبع وسفاجا).
ثالثاً، حداثة التجربة النضالية لدى عمال الشحن والتفريغ؛ فهي المرة الأولى التي يعلنون فيها إضراباً منذ التسعينات.
لكن المعركة تفرز قياداتهم العمالية بشكل طبيعي من قلب النضال، وفي كل مرة تزيد درجة الوعي بأسباب الأزمة والمطالب من بدل وجبة إلى بدل مخاطر إلى حل اتحاد المساهين، والعودة للقطاع العام، ورفض سياسات الخصخصة، بل ويزيد الوعي بأهمية التنظيم وتوحد المطلب والاستفادة من الخبرات النضالية الناجحة نسبياً في السويس مثل تجربة عمال البلاتينيوم المينا السخنة. لقد جمع العمال أكثر من 50 توقيعاً لإنشاء نقابة مستقلة لهم في خطوة قالوا قبلها بأيام أن وقتها لم يحن وأنها تحتاج لشهور. طبعاً بعدما فرزت لهم المعركة من معهم ومن ضدهم، واكتشفوا من خلال المعركة كيف تقف اللجنة النقابية الرسمية ضدهم بشكل فاضح وهي المفترض بها أن تكون صوتهم المعبر عنهم.
يظل التحدي الرئيسي للعمال هو قدرتهم على إقناع المزيد من وحدات الشركة بالانضمام لهم في الإضراب، وبالذات الوحدات الفنية، وقدرتهم على تنظيم إضرابهم في لجنة إضراب التي بالفعل قد انتخبوا نواتها من خمسة عمال، من بينهم ممثلين عنهم في ذلك الحراك. ويظل التحدي الرئيسي لنا، كاشتراكيين ثوريين، ولكل القوى المهتمة بحقوق العمال والمناضلة معهم، هو الإصرار على التفاعل الحي (وليس الآلي أو الفوقي) مع معاركهم وتقديم كافة أشكال الدعم الدعائي والقانوني والسياسي ونقل الخبرات النضالية الناجحة إليهم.. من أجل انتصارهم هم وكافة عمال مصر في معاركهم ضد رأس المال.





