مال “تليمصر” السايب ونهب العمال
“مين يا ولاد ف بلدنا يصدق.. إن الراجل يحرق بيته.. خايف قال م البيت النايم.. يصحى ويكشف سرقة زيته.. إللي سرقها، وإللي حرقها بكره الشعب حيخرب بيته” .. هذه الأبيات، التي كتبها أحمد فؤاد نجم في السبعينات، تصف بغضب ما كان عليه الوضع في القطاع العام وقتها: نهب المصانع، ثم حرقها لإخفاء الجريمة .. اليوم في عصر الخصخصة الأمر أصبح أسوأ، وإن تغيرت الأدوات .. وفي نهاية المطاف، في كل الأحوال، يتحمل العمال ثمن الجريمة من عرقهم وقوت أولادهم. زينب عبد الكريم تروي لنا قصة متكررة في مواقع عديدة تدور أحداثها اليوم في تليمصر.
في عام 96، ومع بداية سياسات الخصخصة، تم طرح حوالي 65% من أسهم الشركة العربية للراديو الترانزيستور والأجهزة الإليكترونية “تليمصر” للبيع، وظلت 25% من أسهمها ملكاً للشركة القابضة للصناعات الهندسية، بالإضافة إلى 10% ملكاً لاتحاد العاملين.
قبيل عملية البيع تلك قام تاجران من شارع عبد العزيز هما: هاني إسماعيل محمد وشهرته هاني الغزاوي (فلسطيني الجنسية)، وحسن مكاوي سائق سابق في الشركة، بشراء كل المنتج النهائي (التليفزيونات المصنعة) من المصنع بالأجل (أي صفقة بالإئتمان لم يدفعوا في مقابلها أي مبالغ نقدية). بعدها “حرقوا” التليفزيونات في السوق (باعوها بأقل من ثمنها، وأخذوا بضمان الجزء الباقي قرضاً من البنك، واشتروا بهذه النقود كمية كبيرة من أسهم تليمصر عند طرحها للبيع!
وبهذه الأسهم أصبح هاني الغزاوي في عام 97 عضواً في مجلس الإدارة. وفي بداية عام 99 طرحت الشركة القابضة نصيبها للبيع. كانت القواعد تقول أن هذا النصيب يباع لمستثمر له خبرة في نفس المجال الصناعي. لكن ما حدث أن هذه الأسهم اشتراها نظرياً مصطفى كامل رئيس مجلس إدارة إحدى شركات الأخشاب، الذي أصبح رئيساً لمجلس إدارة تليمصر لفترة بسيطة جداً. لكن عملياً أصبحت الأسهم من نصيب هاني الغزاوي وحسن مكاوي بعد أن تنازل مصطفى كامل لهما عنها، ليتضح أنه لم يكن إلا مجرد واجهة للرجلين اللذان تم تعيينهما كعضوين منتدبين للشركة في شهر أبريل عام 99.
وفي رابع يوم من دخولهما الشركة، أنشأ هاني الغزاوي شركة “فليمصر”، لتحتكر منتجات شركة تليمصر، بدون سداد سابق، وبدون تحديد قيمة الإئتمان. وانتقلت منتجات تليمصر، التي تعد رصيداً لأجور العاملين ولتشغيل الشركة، أولاً بأول إلى مخازن فليمصر، دون سداد تقريباً، وهو ما تسبب في مديونية ثابتة في نيابة الأموال العامة تقدر بـ75 مليون جنيه!
وخلال عام 2000 ترك حسن مكاوي الإدارة بالكامل لهاني الغزاوي الذي عين رئيساً لمجلس الإدارة وعضوا منتدباً. ومع بداية تعيينه طرح نظام قاس للمعاش المبكر للعاملين (500 جنيه عن كل سنة خدمة و1000 جنيه عن كل سنة باقية على سن الـ60 من صندوق التأمين الخاص بالعاملين في الشركة والذي أنشئ في عام 82). وعلى الرغم من أن أغلبية العمال لم تكن موافقة على هذا النظام المجحف للمعاش المبكر، إلا أن الغزاوي قام لتشجيع العمال، بإعطاء أول 100 عامل تقدم بطلب للخروج على المعاش على مستحقاتهم كاملة، فأصبح نظام المعاش المبكر سارياً رغم إجحافه، بمجرد قبول هذه الدفعة لشروطه.
ولقد تم اتخاذ هذا الإجراء دون إخطار الهيئة المصرية للرقابة على التأمين لعمل دراسة إكتوارية سليمة للصندوق، ودون الإعلان أن هذا الصندوق سيتأثر في حالة الترك الجماعي للعاملين، بحيث يصبح بعدها غير قادراً على الوفاء بالتزاماته. وهو ما حدث بالفعل، ففي 30/6/2000 تقدم 500 عامل بطلب للخروج على المعاش، فتمت الموافقة لهم على أن يأخذوا 25% من مستحقاتهم مقدماً و75% بعد ثلاث شهور، إلا ان الصندوق توقف عن السداد لحين عمل الدراسة الإكتوارية!
تزامن مع هذا قيام الإدارة بالضغط على العاملين، وعلى وجه الخصوص العاملين في الإدارة المالية، عن طريق وقف الحوافز وزيادة ساعات العمل حتى يتم استبدالهم بعاملين تابعين لهاني الغزاوي. وكان من لا يوافق على الخروج على المعاش المبكر “يروح الإسماعيلية رايح جاي كل يوم يارب تطلع سيارة الشركة بواحد بس” على حد تعبير أحدهم، وعلى الرغم من عدم وجود أي عمل في مصنع الإسماعيلية تطبيقاً لسياسة “هدهم لغاية ما يطفشوا”!
كان عدد العاملين بالشركة قبل تطبيق سياسات الخصخصة 2300 عامل، وحتى 31/5/2001 وصل عدد العاملين الخارجين على المعاش حوالي 1500 عامل. وخلال شهري 3 و4 2001 أرسل عدد كبير من العاملين في الشركة طلبات لهيئة الرقابة على التأمين بتصفية الصندوق في محاولة لحفظ حقوقهم. ومع نهاية 2001، أرسل هاني الغزاوي خطاب لرئيس مجلس إدارة الصندوق في ذلك الوقت عبد العزيز عمران، يؤكد فيه أن مجموع العاملين الخارجين على المعاش يبلغ 500 عامل. وبالتالي تمت الدراسة الإكتوارية على هذا الأساس، مما يجعلها لا تفي بالغرض منها. فلو تم توزيع أموال الصندوق على أساس هذه الدراسة، لما وجد حتى الذين خرجوا على المعاش في نهاية 2002 أي نقود في الصندوق.
لما تنبه العاملين لهذه الحقيقة، دعوا لجمعية عمومية في 7/5/2001 لتأخذ قراراً إما بتخفيض الميزة أو استمرارها أو بتصفية الصندوق. فما كان من هاني الغزاوي إلا أن أقحم نفسه في الاجتماع، معلناً عن رغبته في عدم تصفية الصندوق. وحاول تقديم وعود براقة لم يصدقها أحد. وأجمع العاملون على تصفية الصندوق، فطالبهم أعضاء هيئة الرقابة على التأمين الذين حضروا الاجتماع، بتحديد أسماء للجنة التصفية، فما كان من العاملين إلا أن اختاروا المهندسة نجوى علي عوض، التي كانت تشغل في هذا الوقت منصب مدير عام الجودة، والتي تصدت في الجمعية العمومية لهاني الغزاوي وطالبته بوقف المعاش المبكر وترك العاملين يعيشوا في أمان.
وفي 9/5/2001 صدر قرار باستبعاد المهندسة نجوى من عملها وركنها في “المعهد الفني” وهو كيان وهمي. وخلال تلك الفترة قامت الإدارة بضغوط رهيبة على جميع العاملين لإغلاق المقر الرئيسي بالجيزة ونقلهم جميعاً لمصنع الإسماعيلية، مما دفع العاملين للشكوى والتجمهر بالنقابة العامة ومقابلة وزير القوى العاملة. وفي استجابة لتحرك العاملين، صدر أمر منع رقم 5 لسنة 2001 بالتحفظ على أموال كل من هاني الغزاوي وحسن مكاوي وزوجاتهم وأولادهم القصر، ومن ضمنها شركة تليمصر، وتم تعيين مفوض عام للشركة من قبل النائب العام. وفي 25/6/2001 تم تأكيد قرار التحفظ بقرار من المحكمة.
واستمر التحفظ حتى 15/6/2004، عندما صدر قرار من محكمة جنايات القاهرة بإلغاء أمر المنع، بعد عمل توكيل غير قابل للإلغاء من المتهمين وأسرهم لمحمود محمد سالم عضو الشركة القابضة للتجارة والمدير الفني لمكتب عاطف عبيد رئيس الوزراء في ذلك الوقت. ولم يقم محمود سالم خلال توليه أمر الشركة بفتح اعتماد واحد، وتراجع الإنتاج بشكل كبير، تحت دعوى الوفاء بالتزامات الشركة المتأخرة تجاه الضرائب والتأمينات وتعويضات المعاش المبكر، التي لم يكن الغزاوي يدفع منها مليماً واحداً.
وانهالت الشكاوي من قبل نقابة مصنع الإسماعيلية، التابعة لهاني الغزاوي، على رأس محمود سالم، لتأتي بثمارها ويرضخ للتهديدات، فيقدم اقتراحاً بتشكيل مجلس إدارة من أتباع هاني الغزاوي، يكون له كافة الصلاحيات في بيع العقارات وممتلكات الشركة. وبدلاً من تنفيذ قرار إنهاء أمر المنع، الذي جاء في حيثياته أن قرار الإنهاء لا يبيح حصول المتهمين على أموالهم أو التصرف بها، وإنما يمنح المفوض صلاحية بيع ممتلكاتهم الخاصة من أجل إزالة عرقلة شركة تليمصر، حدث العكس تماماً، وبدأت الإدارة في بيع ممتلكات الشركة لصالح المتهمين!
وكان أول قرار اتخذته الإدارة الجديدة هو تعيين أحمد إبراهيم المحاسب القانوني لهاني الغزاوي كمدير مالي لتليمصر. كما تم تعيين محامي الغزاوي الوارد اسمه في حكم محكمة الجنايات بتاريخ 15/6/2004 كمستشار قانوني للشركة. ويمكن تلخيص سياسة هذه الإدارة في أربع نقاط أساسية: أولاً تخليص المتهمين من الأحكام والدعاوى القضائية المرفوعة ضدهم. ثانياً عمل تسويات للعملاء المقربين. فيقبل من أحد العملاء تسديد 40 ألف جنيه، على الرغم من أن الشركة حاصلة ضده على حكم نهائي بـ120 ألف جنيه. ويتم استبدال الشيكات البنكية لعملاء آخرين بشيكات خطية أو كمبيالات.
ثالثاً سحب أكبر كمية من منتجات تليمصر وتحويلها على مخازن هاني الغزاوي الخاصة بواسطة سيارات وعمال الشركة، حتى لو كانت هذه المخازن في أقصى الصعيد! ولكن أعجب إجراء اتخذته هذه الإدارة هو تحويل تليمصر من شركة صناعية لشركة تجارية. فتم إنشاء مخزن لمنتجات لا علاقة لها بإنتاج الشركة: بوتاجازات من إنتاج شركة رويال، أجهزة ريسيفر وتليفزيونات وراديوهات. بل إنهم حاولوا إجبار العمال على شراء هذه المنتجات!
أثناء التحفظ تم تصفية الصندوق وتوزيع مبالغ على العاملين، طبقاً لقرارات هيئة الرقابة على التأمين على طريقة “قسمة الغرماء”. وضمن أعمال التصفية تم رفع دعوى قضائية على هاني الغزاوي بقيمة ثلاث شيكات، مستحقة للصندوق، وتم الحصول على حكم نهائي بدفع مبلغ 230 ألف جنيه أو الحبس ثلاث سنوات. لكن منذ دخول محمود سالم للشركة، بدأت الضغوط على رئيس لجنة التصفية (المهندسة نجوى) من أجل التنازل عن هذه القضايا. وفي النهاية وافقت، بعد استشارة الهيئة وباقي أعضاء اللجنة، على التنازل في مقابل تسديد الغزاوي مبلغ مليون جنيه للصندوق. إلا ان المستشار القانوني للشركة، ولأنه لم ينس أنه محامي الغزاوي وليس محامي الشركة، اشترط التنازل أولاً عن القضايا بدون تقديم أي ضمانات. ولما رفضت تم وقفها عن العمل واقتحام مكتبها وتحويلها للتحقيق بتهمة خيانة الأمانة، وذلك دون أي سند قانوني. فالواقع يقول أن الإدارة لا ولاية عليها بصفتها رئيس للجنة التصفية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تم تحرير ضدها محاضر بخيانة الأمانة، لكن النيابة حفظت القضية لعدم كفاية الأدلة.
قصة تليمصر هي تلخيصاً بارعاً لما يجري في عصر الخصخصة، يمكن نشرها في كتاب تحت عنوان: كيف تصبح مليارديراً بالنصب وشراء الذمم والعلاقة مع السلطة! أو كيف تصنع لنفسك ثروة بالسير على أجساد عباد الله الفقراء ـ عمال مصر، الذين تحول عرقهم إلى أموال مكدسة في خزائن حفنة من النصابين يطلقون عليهم اسم “رجال الأعمال”.





