بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من “انكوباب” إلى قوطة.. الإدارة الذاتية كمان وكمان

يلجأ أصحاب الأعمال بشكل متزايد في الفترة الماضية إلى تصفية أعمالهم وبيع كل الأصول التي يمكن الحجز عليها لصالح دائنيهم، مما يعنى اختفاء مصدر رزق العمال في مجتمع تتزايد فيه نسبة البطالة بشكل كبير، وكذلك استحالة حصول العمال على مستحقاتهم المتأخرة لدى أصحاب الأعمال. في ظل هذه الظروف تنشأ حركة احتلال المصانع وإدارتها ذاتياً كحل طبيعى للمشكلة التي وجد كثير من العمال أنفسهم فى مواجهتها.

وتعد تجارب الإدارة الذاتية في شركتي قوطة للصلب، وانكوباب للورق إحدى تبعات تطور الحركة العمالية في الآونة الأخيرة، التي شهدت نقلة نوعية مع انضمام قطاعات منها إلى الإضراب العام الذي شهدته بورسعيد لمدة أسبوع ورفعت خلالها شعارات سياسية من قبيل المطالبة بالقصاص لشهداء المدينة الذين سقطوا على يد قوات الأمن هناك.

احتجاجات متصاعدة

لمواجهة استمرار الحكومات في تبني سياسات اقتصادية تزيد من إفقار الفقراء وتهميشهم، ارتفعت عدد الاحتجاجات في العام 2012 ليصل إلى مستوى غير مسبوق ليزيد عن 3817 احتجاجاً لكافة الفئات الاجتماعية، حسبما أوضح تقرير صادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية والاجتماعية. وبدا واضحاً أن معدل الاحتجاجات ارتفع إلى أكثر من الضعف في النصف الثاني من 2012 متزامناً مع فترة حكم مرسي ليسجل على سبيل المثال 615 احتجاجاً في شهر سبتمبر.

ومن أبرز الأسباب هو التراجع الكبير في مستويات المعيشة على خلفية الارتفاعات القياسية في الأسعار، نتيجة لانهيار سعر الجنيه أمام الدولار في بلد يعاني من خلل هيكلي في ميزانه التجاري للحد الذي لم تتجاوز فيه تغطية الصادرات للواردات 38% في العام 2012.

غير أن الإضرابات العمالية شهدت تغيراً نوعياً لا كمياً فقط. حيث لجأ العمال إلى الاستيلاء على المصانع وإعادة تشغيلها لصالحهم في مواجهة لجوء أصحاب العمل المتعثرين إلى إغلاق المنشآت والهرب إلى خارج البلاد، كما يبدو من أداء العمال في شركة انكوباب للورق بالسادس من أكتوبر التي حذت حذو شركة قوطة للصلب بالعاشر من رمضان.

فبعد هروب صاحب العمل، على خلفية قروض حصل عليها من البنوك ولم يسددها، لجأ العمال لمحاولة استصدار تفويض من النائب العام لتشغيل الشركة ذاتياً في مواجهة عرقلة متعمدة لمسعاهم من قبل النائب العام.

ويقول محمد سلطان ،أحد قيادات انكوباب: “يماطل النائب العام حتى هذه اللحظة في منحنا التفويض اللازم لإدارة الشركة، دون أسباب واضحة أو معلومة، مما يزرع الإحباط في نفوس العمال، ولكننا سنعتصم ونتظاهر لحين الحصول على التفويض اللازم”. ويضيف: “تتلخص مطالبنا في تفعيل دور الدولة في دعم منظومة الإدارة الذاتية للعمال الذين توقفت شركاتهم ومصانعهم بسبب هروب مستثمر أو امتناعه عن العمل مع النظام الحالي”.

قوطة للصلب.. قصة نجاح

وكان عمال قوطة للصلب قد نجحوا الأسبوع الماضي في إنتاج 60 طناً من الحديد تحت إدارة العمال بعد شهور من التوقف، نتيجة إغلاق المصنع من صاحبه عبد الوهاب قوطة على إثرالديون المتراكمة عليه لصالح شركة الكهرباء والمياه بخلاف الديون المصرفية.

وضرب عمال قوطة المثل في التضحية وإنكار الذات؛ فاتفقوا مع مجلس إدارة المصنع (المنتخب من العمال) والنقابة المستقلة على أن يتم خصم نصف مرتباتهم  ليذهب لشراء المواد الخام (البليت) وتسديد الديون البالغة 17 مليون جنيه لشركة الغاز و6 مليون جنيه للكهرباء.

وكما تلقوا مساعدات من عمال نقلوا إليهم الخبرة والدعم في معركتهم الطويلة التي استمرت لمدة عام ونصف حتى حصلوا على التفويض اللازم لإدارة مصنعهم، أرسلوا بدورهم رسالة تضامن مع عمال مصنع “فيو مي” باليونان إزاء ما يتعرضون له من ظروف عمل مشابهة لنفس ظروفهم، وهي هروب صاحب المصنع وبدء العمال اتخاذ إجراءات الإدارة الذاتية.

صعوبات عديدة

يواجه العمال فى محاولاتهم لإدارة مصانعهم عقبات عدة أولها: انحيازات نظام الإخوان المسلمين الذي يجلس إلى جانب المستثمرين، ويسعى إلى مصالحة مع رمز النظام السابق من كبار رجال الأعمال، هذا النظام يدرك خطورة ما يطالب به العمال ويعتبره مناقضاً تماماً لتوجهاته الاقتصادية واتفاقاته مع المؤسسات الدولية التي ترفض بوضوح أي تدخل للدولة في عملية الإنتاج.

ثانياً: ضعف ثقة العمال في قدرتهم على إدارة مصنعهم في ظل مناخ معادي بشدة، وفي ظل محاربة كافة أجهزة الدولة لهم، بالإضافة إلى العادات التي اكتسبها العامل لمقاومة صاحب العمل من تباطؤ وتأخير متعمد، إلخ، تظل موجودة عند قطاع من العمال لفترة.

ثالثاً: صعوبة تقنين أوضاع العمال، وفي معظم الأحوال يتم الحصول على حق بتشغيل المصنع مؤقتاً لمدة عامين مثلاً، مما يجعل العمال يشعرون أنهم في مرحلة انتقالية لا تتسم بالاستقرار.

وبخلاف العقبات القانونية، يواجه العمال عقبات عملية أكثر صعوبة. فاضطراب أحوال الاقتصاد تعني أن المصانع بالفعل تعاني من صعوبة فى تسويق منتجاتها أو في تحقيق عائد يغطي تكاليف الإنتاج، وفي كثير من الأحيان اضطر العمال إلى ممارسة العمل لساعات طويلة دون راحة وفي مقابل أجور متدنية.

ولكن على الجانب الآخر، أدت بعض المصاعب إلى تطوير تجربة الإدارة الذاتية بشكل أظهر وجهها الاجتماعي كبديل عن نمط الإدارة التقليدي الهادف إلى الربح فقط.

وفي سياق مواصلة العمال إدارة شركاتهم ذاتياً، لنا أن ننظر إلى ما جرى في تجربة الأجنتين حيث شملت الإدارة الذاتية مئات المنشآت الإنتاجية والخدمية، واستمرت بعضها فى العمل كتعاونيات مدارة ذاتيا لسنوات فكان عددها فى عام 2007 163 شركة. وكانت التجربة ملهمة للعمال فى بلدان أخرى كثيرة حول العالم خاصة مع بدء الأزمة الاقتصادية في عام 2008 فانتشرت إلى أكثر من إثنى عشر بلداً آخر.

يحتاج انتصار العمال إلى تضافر جهود القوى الثورية، وفي مقدمتها اليسار الثوري، فبدون تقديم الغطاء السياسي وربط معركة إدارة الشركات ذاتياً بمسار الثورة، والعمل على نقل الخبرات العمالية السابقة في هذا المجال، لن تنجح هذه التجارب، خاصةً أن الدولة تخشى بشدة من اتساع تجربة الإدارة الذاتية للمصانع من قبل العمال، لأن إعادة تسليم الشركات لرجال الأعمال ستتعذر في حال تزايد أعداد الشركات التي يديرها العمال ذاتياً، ونمت ثقة العمال في أنفسهم وفي قدرتهم على تسيير العمل وتوزيع العائدات بعدالة، خاصةً في ظل الحالة الثورية التي تمر بها البلاد والتي تتأثر بها الحركة العمالية بشكل متزايد.