بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

الخصخصة والعمال:

معركة عمال مصر ضد الإفقار

منذ عام 1993 بدأت عملية تصفية وتشريد الطبقة العاملة المصرية المشهورة “بالخصخصة”، وذلك في إطار برنامج “الإصلاح الاقتصادي” الذي طبقته دول مبارك بدأب ووحشية منذ اتفاقها مع صندوق النقد الدولي في مايو 1991. وعلى مدى سنوات وسنوات لم تكف صحافة وأبواق الطبقة الحاكمة عن الإشادة بهذه العملية “الإصلاحية” الجريئة، باعتبارها المنقذ للاقتصاد المصري والمعبر للسوق العالمي الواسع. ولكن بطبيعة الحال لم يهتم أي من منظري ورجال الطبقة الحاكمة بآثار الخصخصة على حياة العمال وأوضاعهم، إلا بمقدار ما يمثل هذا من تهديد لاستقرار النظام أو لاستمرار عمليات التحول الهيكلي باتجاه اقتصاديات السوق الرأسمالي.

وفي حقيقة الأمر فإن الخصخصة – وما صحبها من تكثيف استغلال في الشركات المباعة والمعدة للبيع – كان لها أثر هام ومتناقض على حياة العمال المصريين. فبالرغم من أنها أضعفت وصفت أقسام من عمال القطاع العام، إلا أنها في نفس الوقت خلقت من الظروف والتناقضات ما رفع وتيرة الاحتجاجات العمالية ووفر الفرصة لبروز شريحة (محدودة) من القادة العماليين والرافضين لسياسات الإفقار والتشريد والمصممين على مقاومتها بوسائل النضال العمالي الجماعي. وحتى نفهم آثار الخصخصة على حياة وحركة العمال، دعونا نبدأ بالنظر في تطور برنامج الخصخصة على مدى السنوات الأخيرة، وفي آثاره السلبية المباشرة على جموع العمال.

منذ بداية برنامج الخصخصة وحتى 31 أغسطس 2001 كان قد تم خصخصة 184 شركة بطرق مختلفة ما بين اكتتاب عام، بيع لمستثمر رئيسي، إيجار تمويلي، تصفية، بيع أصول، بيع لاتحاد العاملين، بيع أغلبية، وبيع أقلية، ومنذ البداية الفعلية لعملية الخصخصة في 1993 نجد أن عامي 1998 و1999 قد شهدا النسبة الأكبر من عمليات البيع. ففي عام 1998 تمت خصخصة 32 شركة وفي 1999 تمت خصخصة 31 شركة. وقد كان من المقرر أن تنتهي الحكومة من برنامج الخصخصة مع نهاية عام 2002، ولكن احتدام الأزمة الاقتصادية يلقي بظلال كثيفة من الشك على إمكانية تحقيق هذا الهدف بسبب إحجام رؤوس الأموال المحلية والعالمية عن الإقبال على الشراء.

وإذا نظرنا إلى انعكاس هذه العملية على حياة العمال لوجدنا أن أحد أهم الآثار هو خروج جزء كبير من عمال القطاع العام على المعاش المبكر. حيث تمت إحالة 71 ألف عامل للتقاعد منذ بداية برنامج الخصخصة وحتى نهاية 1998، وربما يكون قد خرج عدد مماثل حتى اليوم. خروج هذا العدد من العمال مثل في الحقيقة ضربة كبرى للعمود الفقري للطبقة العاملة المصرية. فهو لم يضعف فقط قاعدة النضال والحركة العمالية على مدى سنوات السبعينات والثمانينات، ولكنه كان أحد أوجه عملية تكثيف الاستغلال المباشر من خلال الفصل والتشريد ورفع معدلات استغلال العمال المستمرين في أعمالهم.

إلا أننا هنا مهتمين أكثر بالحديث عن تأثير المعاش المبكر على حياة العمال أنفسهم. فبالرغم من عدم وجود أرقام حول مصير العمال الذين أخرجوا من أعمالهم نتيجة للخصخصة، إلا أن هناك العديد من المعلومات حول مقدار معاناتهم بعد الطرد من الشركة في صورة قبول الخروج على المعاش المبكر. فبداية يتعرض العمال العمليات نصب وتسويف في الحصول على مكافآتهم. حيث يحصل العمال في أحيان كثيرة على مكافآت تقل في قيمتها عن القيمة المفترضة. والأدهى من ذلك أنهم يعانون الأمرين حتى يحصلوا على هذه المكافأة. بل أن الكثير منهم يلجأ إلى القضاء من أجل الحصول على حقه في المكافأة! وبعد أن يتم “المراد” ويحصل العامل على هذه المكافأة، ما الذي يحدث؟ هل حقًا مثلمًا تدعي الدولة يقوم العمال باستخدام المكافأة في مشاريع صغيرة تعوضهم عن الدخل المفقود؟ الواقع يثبت بالدليل القاطع كذب هذه الادعاءات. فبعد سنوات من الضغوط الاقتصادية الشديدة ومحاولات التطفيش التي تعرضوا لها عن طريق تقليل الحوافز والمكافآت وتأخير صرف الأجور… الخ، بعد كل هذا يكون من الطبيعي أن ينفق العمال هذه المبالغ على تحسين أوضاعهم المعيشية المتدهورة تمامًا. وبالطبع بعد أن ينفق العمال مبالغ المعاش المبكر لا يجدون أمامهم أي فرصة لتعويض الدخل المفقود.

أما العمال الذين صدقوا دعاية الحكومة وحاولوا استغلال مبالغ المكافأة في إقامة مشروعات صغيرة، فقد كان مصيرهم أسوأ كثيرًا. فقد خسروا في الأغلب مبلغ المكافأة وفشلت مشروعاتهم بدون أي استفادة من جانبهم من هذه المكافآت. وبالطبع في ظل معدلات البطالة التي تصل إلى 25% يكون من العبث أن نتصور أن يجد هؤلاء العمال فرص عمل بديلة، وبالتالي فهم ينضمون إلى زملاءهم في طابور العاطلين الذي لا ينتهي.

والخلاصة أن المعاش المبكر، بما يمثله من تكلفة تافهة تدفعها الدولة لتقليص فاتورة الأجور ولتكثيف الاستغلال في القطاع العام، كان بمثابة أداة من أدوات التصفية المباشرة للعمالة أضعفت قاعدة أساسية من قواعد الحركة والكفاح العمالي على مدى سنوات. هذا إلى جانب دوره الواضح في تهيئة الشركات للبيع، حيث أن قضية العمالة مثلت واحدة من أهم أسباب إحجام الرأسماليين عن شراء الشركات المعروضة للبيع.

أما بالنسبة لهؤلاء العمال ذوي الحظ الأوفر الذين بقوا في وظائفهم، فلهم قصة أخرى لا تقل بؤسًا عن زملائهم المطرودين تحت راية المعاش المبكر. فمنذ أن بدأ التطبيع الفعلي لبرنامج الخصخصة، وبعد أن تذوق العمال ثماره المرة، تنامي رفض العمال لبرنامج اكتشفوا من خلال خبراتهم المريرة أنه يزيد من استغلالهم وفقرهم. حيث تنوعت أشكال التدهور في أحوال العمال مع الخصخصة، وتنوعت بالتالي أشكال النضال لمواجهة هذا التدهور. أول أشكال التدهور هو تصفية المصانع. فمنذ بداية برنامج الخصخصة وحتى 31 أغسطس 2001 كان قد تم تصفية 32 شركة. وحتى تتخلص إدارات هذه الشركات من العمالة لجأت للعديد من الحيل والضغوط حتى تصل لأهدافها.

كان من أهم هذه الأساليب ننقل عمالة هذه الشركات إلى فروع أخرى للشركات – أو إلى شركات أخرى – في مناطق بعيدة جدًا عن المناطق التي كانوا يعملون بها، وذلك حتى يجبرهم على ترك أعمالهم. فعلى سبيل المثال تم نقل عمال شركة الجوت بشبر الخيمة والبالغ عددهم 1600 عامل إلى فرع الشركة ببلبيس وذلك بهدف تسليم الفرع إلى المستثمر الذي قام بشرائه. كان من نتيجة هذا القرار إن أضرب العمال بمقر الشركة لمدة ثلاثة أيام، حيث طالبوا في إضرابهم بإلغاء قرار نقلهم مما اضطر الشركة إلى تأجيل قرار النقل لإنهاء الإضراب. إلا أن هذا لم يكن سوى تأجيل مؤقت. ففي النهاية نقل العمال بالفعل وتمت تصفية الفرع. وفي نفس سياق تصفية الشركات في ظل الخصخصة قرر رئيس مجلس إدارة شركة مصر لحلج الأقطان إغلاق محالج بنها بالقليوبية وأبو كبير بالشرقية وزفتى بمحافظة الغربية تمهيدًا لبيع هذه الفروع، وبالتالي تم نقل عمال هذه المحالج البالغ عددهم 2472 عامل إلى فروع الشركة بالمنصورة والمحلة والزقازيق وذلك بالرغم من عدم توافر أماكم لإقامتهم أو سكنهم في المناطق التي نقلوا إليها.

ثاني تأثيرات الخصخصة على العمال هي تلك المتعلقة بتأثيرها على الحوافز والأجور سواء في الشركات قبل خصخصتها أو بعد خصخصتها. فحتى تهيئ الحكومة الشركات للبيع تقوم بالعديد من الإجراءات التعسفية ضد العمال لإجبارهم على الاستقالة وقبول المعاش المبكر. فعلى سبيل المثال وفي عام 1998 أصدر رئيس شركة النصر للكيماويات قرار بنقل 1500 عامل من مصنع أبو زعبل إلى مواقع الشركة بالقاهرة. حيث كان رئيس الشركة القابضة قد طلب من إدارة الشركة خفض حوافز العمال بنسبة 20 % وتشغيلهم 6 أيام أسبوعيًا بدلاً من 5، ووقف الترقيات والعلاوات التشجيعية لإجبار العمال على التقدم بطلبات للمعاش المبكر.

ولا تقتصر محاولات التطفيش على الفترات السابقة للخصخصة، بل أنها تزداد وتتنوع أشكالها بعد إتمام عمليات الخصخصة. ففي معظم المصانع التي تم خصخصتها نجد أن أحوال العمال تتدهور بشكل لا يمكن احتماله مما يؤدي في بعض الحالات إلى التطفيش الفعلي للعمال. فعلى سبيل المثال لجأ 300 عامل من عمال شركة الأهرام للمشروبات في عام 1998 إلى القضاء للمطالبة بمكافأة نهاية الخدمة التي رفض الملاك الجدد للشركة منحهم إياها بعد استقالتهم. فقد كان العمال قد استقالوا بعد أن قام الملاك الجدد للشركة بالعديد من الإجراءات التعسفية ضدهم، حيث قاموا بتخفيض الحوافز وتشديد الجزاءات… الخ. أمام هذا التعسف لم يجد العمال أمامهم سوى التقدم باستقالاتهم من أجل الحصول على أبسط حقوقهم وهي مكافأة نهاية الخدمة. وبالرغم من أن هذه المكافأة منصوص عليها في لائحة الشركة التي ألتزم الملاك الجدد بحقوق العمال الواردة فيها عند شرائهم للشركة إلا أن ملاك الشركة قد ماطلوا في الاستجابة لتلك الحقوق.

الخصخصة عملية متناقضة:
الحديث عن عملية الخصخصة استدعى منا بالطبع الحديث عن التدهور الذي يعاني منه العمال في ظلها. إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أن العمال قد وقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه التدهور. فالخصخصة بالتأكيد لها أثارها السلبية على العمال وأوضاعهم، ولعل الأثر الأوضح هو التقلص الذي حدث لأعداد عمال القطاع العام الذين انخفض عددهم من حوالي مليون ومائة ألف عند بدء برنامج الخصخصة إلى ما يقل عن الـ 800 ألف حاليًا، إلا أنه في مقابل هذا التراجع في عدد عمال القطاع العام نجد أن عدد النضالات العمالية وتيرتها قد ارتفعتا بشكل ملحوظ. هذا ما قد نراه واضحًا في العرض السابق. فأمام الانتقاص من حقوق العمال وأمام التدهور في أوضاعهم نجد أن رد فعل العمال لا يكون الاستسلام. فالعمال الذين رحبوا في البداية بعملية الخصخصة هم أنفسهم الذين ناضلوا ضدها بعد أن بدءوا في المعاناة من آثارها. لذلك فمنذ عام 1998 بوجه خاص بدأ نضال عمال القطاع العام وعمال الشركات المخصخصة في التزايد. فهذا العام (1998) قد شهد أعلى نسبة لعمليات الخصخصة حيث تمت خصخصة 32 شركة. واستمر هذا الارتفاع في وتيرة النضالات العمالية في عام 1999 الذي شهد هو الآخر كما ذكرنا عدد كبير من عمليات الخصخصة. إلا أنه قد يكون من الملاحظ أن وتيرة النضالات المتعلقة بالخصخصة قد انخفضت بعض الشيء في العام الماضي، وهو ما يمكن إرجاعه إلى تراجع عدد عمليات البيع التي تمت في العام الماضي مقارنة بالمتوسط الذي شهدته السنوات السابقة. لا يعني هذا بالطبع أن هناك علاقة ميكانيكية بين ازدياد عدد عمليات البيع وارتفاع وتيرة النضالات العمالية، فهناك العديد من العوامل الأخرى الهامة التي تتدخل في هذه العملية. إلا أنه وبدون شك فالزيادة في عمليات الخصخصة ترفعت من احتمالات تصاعد الغضب العمالي نتيجة لزيادة عدد العمال الذين تتدهور أحوالهم من جراء هذه العملية.

الخصخصة وحركة العمال:
رأينا أن نضالات العمال تصاعدت في عددها وفي طولها مع البدء الفعلي لتنفيذ برنامج الخصخصة. هذه الحقيقة في حد ذاتها تعكس عدم الاستقرار – متجليًا في النضال المصنعي – الذي تخلقه عملية التحول إلى اقتصاديات السوق. ولكن الأمر الأهم في هذا السياق أن عدم الاستقرار وتصاعد التذمر العمالي في السنوات الأخيرة كان مصحوبًا بظواهر جنينية ربما تمثل صورة مستقبل قريب ينتظر الحركة العمالية المصرية. أول هذه الظواهر هي تبلور شريحة محدودة – ولكن هامة – من القادة العماليين غير سابقي العلاقة بالنضال العمالي الجماعي أو بالقوى السياسية على رأس معارك عمالية هامة: كان هذا هو الحال في الكابلات وسيمو في شبرا، وإلى حد كبير في الحراريات في حلوان، وفي غيرها من مصانع القطاع العامل السابقة، بل وأيضًا في مصانع القطاع الخاص. هذه الشريحة ولدت – وستتنامى – بفضل التجذير الذي خلقته التحولات الاقتصادية الحادة في المرحلة الأخيرة. فالقادة العماليين – موضوعين بين شقي الرحى – بدأت تظهر في أوساط شرائحهم القاعدية بدايات أولى لعملية فرز بين يمين ويسار مناضل ومستعد لخوض وقيادة نضالات جماعية.

ثاني الظواهر الهامة هي ميلاد إمكانية – مجرد إمكانية – لخوض معارك جبهوية في قضايا عمالية عامة. “اللجنة القومية للدفاع عن العمال”، بالرغم من يمينية قادتها، وبالرغم من العيوب السياسية الخطيرة التي شابت تكوينها وعملها، تعطي مثلاً على ما نقصده. فها هي جبهة – للأسف ضمت قوى خطأ – تستمر في عملها على مدى شهور، وتستطيع الحشد لسلسلة من الندوات في مناطق عمالية عديدة، وتنجح في طرح نفسها كبؤرة جذب لأعداد من العمال القياديين من مناطق عدة (نذكر أن عمال المتحدة للكيماويات بالعاشر من رمضان، لجئوا للجنة القومية في مرحلة من المراحل في إطار معركتهم ضد تصفية المصنع).

هذه الظواهر، جنبًا على جنب مع التجذير السياسي في الشارع المصري، يعنيان أن الخصخصة والإفقار كما أنهما أضعفا الطبقة العاملة وأنهكاها وقيداها بقيود بوليسية غير مسبوقة، إلا أنهما يفتحان اليوم الباب لهامش من النضال العمالي الأوسع نطاقًا والأرحب آفاقًا. هنا وعلى هذه الأرضية يمكن لليسار الثوري أن يطور خبراته العمالية ويغرس جذوره في أوساط الطبقة العاملة المصرية.