بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مشاركة عمالية محدودة في 11 فبراير.. لماذا؟

على غير ما توقع الكثيرون من النشطاء والثوار الذين تبنوا الدعوة لإضراب عام في 11 فبراير وروّجوا لها، جاءت مشاركة الطبقة العاملة بشكل محدود لتثير ردود أفعال يتسرب خلالها بعض الإحباط بعد أن عقد النشطاء والثوار آمالاً كبرى على الإضرابات العمالية لزلزلة الأرض تحت أقدام جنرالات مجلس الطغاة.

ردود أفعال مثل تلك، بالرغم من كونها حارة وثورية، إلا أنها تفتقر إلى التروي في النظر إلى المرحلة الحالية من الصراع وخصوصية المعارك التي تقودها الطبقة العاملة خلاله، ناهيك عن أنها تتجاهل العقبات التي تعوق قيام الإضراب العام وشروط تجاوزها، كما تتجاهل المؤشرات الإيجابية التي شهدناها خلال الأيام القليلة الماضية منذ 11 فبراير.

فمن ناحية، قوبلت الدعوة باستجابة طلابية واسعة في الكثير من الجامعات، حيث يستمر عشرات الآلاف من الطلاب في تنظيم فعاليات متواصلة ضد حكم العسكر. ومن ناحية أخرى، لا ينبغي أن نقلل من شأن الإضرابات العمالية التي قامت في الأيام الماضية، كعمال الزراعة الآلية وعمال الأمن الصناعي بالسكة الحديد، أو القومية للأسمنت والوطنية للصلب، أو عمال ميناء السخنة بالسويس الذين يستمر إضرابهم عن العمل حتى كتابة هذه السطور، وغيرها من النضالات العمالية الأخرى.. لكن لماذا لم يقم إضراب عمالي عام في مصر؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه.

ضغوط مباشرة

من البديهي أن يوم السبت يُعد إجازة رسمية للكثير من القطاعات العمالية والمصالح الحكومية. إلا أنه في بعض المواقع العمالية الأخرى تم إعطاء العمال إجازة إجبارية لمنعهم من المشاركة في الفعاليات المدعو إليها في ذلك اليوم، بالأخص في مدينة السادات التي كانت قد شهدت خلال الشهور السابقة موجة كبيرة من الإضرابات العمالية الهامة.

امتد الأمر في الكثير من المواقع إلى ممارسة ضغوط مباشرة على العاملين للحيلولة دون الإضراب عن العمل. وتنوعت تلك الضغوط بين التواجد العسكري المكثف في مواقع العمل لتهديد من يشرع في الإضراب، مثلما حدث في مطار القاهرة الذي تحول، على حد وصف محمود ريحان رئيس اتحاد النقل، إلى ثكنة عسكرية من الدبابات والجنود. أو التهديد بخصومات وجزاءات مالية كبيرة في حال الاشتراك في الإضراب، مثلما حدث في شركة الخدمات التجارية البترولية (بتروتريد) حيث أجبرت إدارة الشركة موظفيها في منطقة طلخا بالمنصورة على التوقيع على كشف بعنوان “لا للإضراب ونعم للإنتاج والنهوض بمصر”، للإقرار بعدم المشاركة في الإضراب.

كان هناك أيضاً العديد من الوسائل الأخرى لإجهاض الإضرابات في مواقع العمل حتى قبل أن تبدأ، كان أهمها إطلاق الشائعات لإثارة الريبة والذعر. ففي بورسعيد على سبيل المثال، تقلصت نسبة الاستجابة للإضراب إلى 30% وفق تقدير عادل بكري رئيس الاتحاد المحلي المستقل ببورسعيد. وبحسب بكري، يرجع ذلك إلى.. “الشائعة التي تم إطلاقها ببورسعيد حول احتمال وقوع خطر يهدد القناة، وبالتالي آثر الكثيرون تنظيم لجان لحماية القناة من الخطر المحدق بها”.

محاولات التصدي لاتساع الإضرابات العمالية لم تقتصر فقط على التدخل المباشر في مواقع العمل بالتهديدات وإثارة الشائعات، لكنها شملت أيضاً تشويه إعلامي مباشر ومنظم، كان هدفه تخويف الشرائح العليا من الطبقة الوسطى من أولئك “الجوعى” الذين سيقصمون ظهر الاقتصاد بإضراباتهم من ناحية، ومن ناحية أخرى من أجل إيهام العمال والفقراء بأسطورة أن الاقتصاد يتم تسييره في صالحهم وليس لمصالح اللصوص الرأسماليين والجنرالات الطغاة، وبالتالي فإن عليهم التخلي عن سلاح الإضراب إلى أجل غير مسمى.

دعاية مضادة

واستمراراً في تشويه الإضرابات العمالية، انتقلت الأبواق الإعلامية للعسكر من الدعاية المضادة للإضرابات بوصفها “فئوية” وبإلصاق تهم الأنانية والسعي وراء المصالح الشخصية الضيقة، إلى تشويه أكثر تكثيفاً لإرهاب الجماهير من الإضراب الذي سيضرب الاقتصاد في مقتل، علاوة على ما يصاحبه من أعمال حرق وتخريب للمباني الحكومية والمنشآت الحيوية للدولة، بحسب ما يروّج له الإعلام الرسمي.

نجح المجلس العسكري في رسم صورة مطابقة تقريباً لما كان يصوره إعلام الطبقات الحاكمة في أوروبا في العشرينات من القرن الماضي حين اجتاحت الثورات والإضرابات الجماهيرية ربوع القارة، وكأن تتار العمال المضربين سيهاجمون القرى المسالمة ليحرقوا أكواخها ويسلبوا ما فيها.

لكن التشويه المباشر لم يكن كافياً دون إضافة بعض من توابل الأكاذيب الإعلامية الملفقة. فلقد ضجت محطات الراديو وقنوات التلفزيون بكم هائل من التقارير يوم 11 فبراير عن المصانع والشركات التي قرر العاملون بها زيادة عدد ساعات العمل طوعياً من أجل زيادة الإنتاج والمساهمة في إنعاش الاقتصاد القومي. ناهيك عن الجرائد القومية التي طلت علينا بمانشيتات مراهقة تسخر من الدعوة للإضراب، مثلما جاء في الصفحة الأولى لجريدة الأهرام: “وفشل الإضراب”. ومع كل ذلك، كان الاحتكاك المباشر في الشارع ضرورياً أيضاً لحبك الأمور؛ هكذا رأينا مدرعات الجيش منتشرة في أغلب الشوارع الرئيسية بملصقات من نوع “الجيش والشعب إيد واحدة” وغيرها.

أما عن الإخوان المسلمين، فهم بالطبع لا يفوّتون سبيل سلكه المجلس العسكري إلا ويقتفون أثره؛ وكما صرح محمود حسين، الأمين العام للجماعة، لجريدة المصري اليوم، فإن الإضراب العام من شأنه أن.. “يفاقم الأوضاع السيئة في البلاد، وهي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، بما يؤدي إلى تفكيك الدولة وانهيارها”. إلا أن البيان الرسمي للجماعة، والمنشور بموقع “إخوان أونلاين” كان أكثر وضوحاً في تعليقه على دعوة 11 فبراير، وذلك حينما دعا إلى “تحكيم العقل والحكمة والمنطق وتغليب الصالح العام على المصالح الفئوية والشخصية والحزبية والانصراف عن هذه الدعوة الهدامة”. ذلك بجانب الإلحاح على “مضاعفة العمل والجهد من أجل بناء الدولة وليس هدمها”.

جماعة بحجم الإخوان المسلمين بالتأكيد لا يمكن أن تكتفي بمجرد بيان رسمي أو تصريحات صحفية أو حتى تعليقات نوابهم في البرلمان، فبالإضافة إلى ذلك استخدموا كميات هائلة من البوسترات والمنشورات لإثناء الجمهور عن المشاركة، بل وأطلقوا على 11 فبراير إسم “يوم العمل المدني” مثلما جاء في منشور وزعوه في شبرا يوم 10 فبراير. دعا المنشور أيضاً إلى “عدم التخلي عن الوطن في أزمته الراهنة والتصدي لمحاولات بث الفرقة وزعزعة الأمن”.

الدعوة “من فوق”

كل الأسباب السابقة والتي أدت إلى محدودية مشاركة الطبقة العاملة في دعوة 11 فبراير (من ضغوط مباشرة وتشويه إعلامي ودعاية مضادة)، كان يمكن التصدي إليها بحسم إذا كانت الإضرابات نفسها أتت بدعوة مباشرة من تنظيمات قاعدية مغروسة في قلب الطبقة العاملة في المصانع والشركات، إلخ. صحيح أن الدعوة جاءت بدوافع ثورية ومخلصة إلا أنها كانت محاطة بجو من الغموض والتناقض والاستعجال الذي يغض الطرف عن مستوى تطور المعارك العمالية والعوامل الضرورية لتكثيف طاقة الطبقة العاملة في إضراب عام يحسم الصراع مع السلطة الحاكمة.

أولاً، أتت الدعوة من أوساط الشبكات الاجتماعية في الفضاء الإلكتروني بمعزل عن الحقل العملي للصراع، في مواقع العمل -أو بتعبير مختصر: أتت الدعوة من فوق. ولعل هذا هو أحد الأسباب التي أدت إلى اتساع المشاركة الطلابية أكثر من مشاركة العمال؛ فالطلاب والشباب هم أكثر قدرة من العمال، من حيث الوقت والإمكانية، للولوج إلى الإنترنت والتعرف على المستجدات اليومية والدعوات والفعاليات المختلفة، بل والنقاش حول كل ذلك على صفحات فيس بوك أو على تويتر، إلخ. وهذا ما يجعلهم أكثر تقبلاً وفاعلية في مثل هذه الدعوات.

ثانياً، اقتصرت الدعوة للإضراب العام فقط على المطالب السياسية حيث إسقاط المجلس العسكري وتطهير الإعلام وغيرها، لكن دون ربط ذلك بالمطالب الاقتصادية الملوسة التي يناضل من أجلها العمال بشكل مباشر في مواقع العمل. وهكذا بدا الأمر وكأنه قفز على وعي العمال -الآخذ في التطور- وفرض لأجندة سياسية مباشرة على نضالات العمال، بل ومطالبتهم بالتخلي عن مطالبهم الاقتصادية مقابل تبني المطالب هذه السياسية وحدها.

هذا لا يعني على الإطلاق أن الطبقة العاملة تحتل مكانة متراجعة في الصراع ضد المجلس العسكري. بل على العكس، فالنضالات العمالية تشهد تطوراً هائلاً في الشهور السابقة، سواء على مستوى الوعي أو المطالب أو درجة التحضير المسبق والتنسيق بين المواقع المختلفة. وعلاوة على ذلك، أصبح لدينا اليوم بوادر ملموسة للربط بين المطالب الاقتصادية والسياسية في مواقع العمل. فهناك الآلاف من العمال الذين يخوضون نضالاً مباشراً ودؤوباً ضد تعيين عسكريين في مناصب قيادية في المواقع التي يعملون بها، ويرفع هؤلاء العمال شعار إسقاط حكم العسكر جنباً إلى جنب مع المطالبة بتطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور أو تثبيت العمالة المؤقتة، إلخ. وقد رأينا ذلك في نضال العاملين بالنقل الجوي وعمال ميناء الإسكندرية وميناء دمياط وعمال سكر أرمنت، إلخ.

وهذا التطور الملحوظ في نضال الطبقة العاملة يستوجب الانخراط بداخلها والتضامن مع نضالاتها والسعي لنقل تجاربها وتعميم خبراتها والمساهمة في بناء أشكالها التنظيمية القاعدية، كالنقابات المستقلة وغيرها، لا أن يتم إلقاء الدعوة على العمال من أعلى أو تكليفهم بالإضراب العام وكأنهم قطع عساكر على لوحة شطرنج.

ثالثاً، اقترنت الدعوة للإضراب العام في 11 فبراير بالمكوث في المنازل والامتناع عن الذهاب لمواقع العمل. هذا ما يمكن أن نطلق عليه “الإضراب العام السلبي”، وهو سلبي ليس لشيء إلا لأنه يُفقد المضربين الروح الحقيقية للنضال على الأرض. فالعمال المضربون، أثناء تواجدهم في مواقع العمل وليس في منازلهم، ينظمون صفوفهم ويتناقشون ويصوّتون على كافة القرارات بأنفسهم ويتفاوضون مع أصحاب العمل والمديرين، وفي كثير من الأحيان يختارون من يمثلهم لبناء نقاباتهم المستقلة وأشكالهم التنظيمية الأخرى، إلخ. وبالتالي يتوفر مناخ خصب يؤهل لتصعيد النضال في مواجهة السلطة. ذلك طبعاً بالإضافة إلى الدرجة الراقية من الديمقراطية المباشرة التي يمارسونها لتقرير مصير نضالهم، وربما أيضاً التنسيق مع زملائهم المضربين في مواقع مختلفة. بينما الإضراب عبر المكوث في المنازل فهو يحرم النضال العمالي من كل هذه الفرص، وبالتالي يُفرغ الإضراب من مضمونه النضالي الحقيقي.

المعركة طويلة

إذاً فمسألة قلب موازين الصراع من خلال إضراب عام ليست بسهولة إطلاق دعوة مجردة؛ فالإضراب العام -أو الإضرابات الجماهيرية عامةً- يحتاج إلى خبرة وتجربة ثورية ودرجة عالية من التنظيم والتنسيق، بجانب التضامن والوحدة بين القطاعات المختلفة من العمال، وبين الطلاب والعمال، إلخ.

وأحد أهم العوامل التي تساهم في نجاح الإضرابات الجماهيرية وتحقيق درجة أعلى من الترابط بين القطاعات العمالية المختلفة، هي التنظيمات القاعدية في مواقع العمل والتي تعبر عن حقوق العمال وتدافع عن مصالحهم. ومن هنا تحتل النقابات المستقلة مكانة هامة في هذا المسار.

واليوم أصبح لدينا أكثر من 200 نقابة مستقلة أنشأها العمال منذ بدء الثورة. وبالطبع لا تستطيع مئات قليلة من النقابات المستقلة تنظيم كل تلك الملايين من العاملين بأجر في مصر. ومن أجل الإضراب العام، فإن هذا النموذج بحاجة للتضاعف عدة مرات وأن يتشكل مثله في كافة مواقع العمل، سواء الصناعية أو الخدمية.

ولكن هذه النقابات المستقلة، برغم أهميتها القصوى في المعارك العمالية وصولاً إلى الإضراب العام، لا تكفي لإسقاط السلطة السياسية وتغيير المجتمع بشكل جذري؛ فالنقابات تهدف لتحسين شروط وظروف العمل وفق إطار السلطة السياسية والاقتصادية القائمة. وبالتالي فإن هناك أيضاً حاجة ماسة لتوحيد الطبقة العاملة سياسياً من أجل إسقاط السلطة العسكرية المتحالفة والمندمجة مع سلطة رأس المال في مصر. وهذا التوحيد السياسي هو ما يسعى إليه الثوريون، جنباً إلى جنب مع توسيع قاعدة المشاركة العمالية في النقابات ودفعها باستمرار لاتخاذ مواقف أكثر جذرية خلال النضال.

ومن زاوية أخرى، تفرض الموجة العاتية من النضال الطلابي الحالي مهمة أخرى لا تقل إلحاحاً من أجل خوض مرحلة الإضراب العام، وهي ضرورة بناء الجسور بين الكتل الثورية للعمال وبين عشرات الآلاف من الطلاب المنتفضين في الجامعات. ولن يتحقق ذلك عملياً إلا عندما يرفع الطالب الثائر ضد العسكر والمناضل من أجل مجانية التعليم، مطلب “استرداد الشركات المنهوبة”، والتي لا يمكن تمويل مجانية الجامعات الحكومية من دون تأميمها ومعها الاحتكارات الكبرى لرجال الأعمال. وفي المقابل، أن يرفع العامل، بجانب مطالب استرداد الشركات والحدين الأدنى والأقصى للأجور، مطالب الطلاب في التعليم المجاني، وغيرها من المطالب الجماهيرية في التأمين الصحي ومصادرة الملكيات الكبيرة للأراضي الزراعية، إلخ. نحتاج حزباً ثورياً جماهيرياً لبناء تلك الجسور بين العمال والطلاب، ولاجتذاب الفلاحين والمهمشين والعاطلين أيضاً.. حينها ستكون سلطة الجنرالات واللصوص الرأسماليين على شفا الهاوية.

اقرأ أيضاً:
الإضراب هو سلاحنا ضد السلطة اللي بتدبحنا

كيف ينجح الإضراب العام؟
سلسلة كراسات مبادئ وخبرات ثورية: الإضراب العام