بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

حيتان الاستثمار قادمون

مشروع تطوير شمال الجيزة يعلن الحرب على السكان

في 27 مايو 2007، وفي اجتماع عقده مبارك وحضره عدد ضخم من رجاله من ضمنهم: أحمد المغربي وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية، وفتحي سعد محافظ الجيزة، وعبد السلام محجوب وزير التنمية المحلية، المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الخ. اجتمع هؤلاء وغيرهم من أجل مشروع تطوير شمال الجيزة، وانهالت علينا التصريحات «الوردية» بعد الاجتماع بأن المشروع يهدف إلى تطوير منطقة شمال الجيزة، والتي تضم الوراق وإمبابة والمنيرة، وانهالت الوعود على أهالي المنطقة بأن هذا المشروع سيحول حياتهم إلى نعيم.

المسكوت عنه في مشروع نهب شمال الجيزة
يملأ السادة المسؤولون الصحف تهليلاً وصياحاً حول هذا المشروع «العظيم» وآثاره الإيجابية على أهالي المنطقة. ولعل الرد الأمثل على هذه الادعاءات هو فحص الركائز الأساسية للمشروع وتأثيرها المنتظر على الآلاف من سكان هذه المنطقة.

أول ركيزة هي تحويل المنطقة المحاذية للكورنيش أمام جزيرة وراق العرب إلى موقع للجذب الاستثماري ليوفر الخدمات لسكان المنطقة التي تتسم حالياً بالعشوائية، رغم وصول جميع الخدمات إليها. وسوف يتم تعويض سكان المنطقة المتاخمة لكورنيش النيل، وتحويل العشش إلى عمارات، واستخدام المنطقة في مشروعات السياحة الترفيهية. هذا هو ما يعد به المشروع، ولكن هناك عدد من التساؤلات التي يتجاهل واضعو المشروع الإجابة عليها ولكننا هنا سنحاول طرحها وتقديم الإجابات المنطقية.

فعن أي جذب استثماري يتحدثون؟!! يبدو أنه جذب استثماري لمشروعات السياحة الترفيهية لمنطقة كورنيش النيل بعد طرد سكانها وتهجيرهم. وأي عشش سوف تتحول إلى عمارات؟!! وهل بعد تحول العشش إلى عمارات سوف يكون سكان العشش هم سكان العمارات؟!!

وأي خدمات سوف توفر للمنطقة ؟ منطقة العشش التي تحولت إلى عمارات؟!! أم منطقة جزيرة وراق العرب؟!!

التصريحات الوردية غامضة والأمور غير محددة، وكلام الحكومة المدهون بزبدة.. يطلع عليه النهار يسيح.

أما الركيزة الثانية فهي إنشاء شبكة طرق واسعة تسهم في ارتفاع أسعار الأراضي مما يوفر تعويضاً كبيراً لسكان هذه المناطق العشوائية!! فالمشروع يهدف إلى فتح محاور مرورية جديدة لربط روض الفرج ومدينة السادس من أكتوبر ومنطقة أحمد عرابي بالطريق الدائري مروراً بمطار إمبابة.

وبالطبع فإن هذه الشبكة من الطرق الواسعة سوف تزيح وتهجر عشرات الآلاف من سكان المنيرة وإمبابة والوراق. فهل سيستفيد من تم تهجيرهم من ارتفاع أسعار الأراضي؟!! أم أن المستفيد الحقيقي هم من سيصبحون سادة المنطقة بعد تطويرها؟ الإجابة بالطبع واضحة ولا تحتاج لإثبات.

ثالث ركائز المشروع المطروح هو التوقيت. ووفقا لتصريحات المسؤولين سوف يبدأ تنفيذه على الفور ويستمر العمل فيه لمدة 18 شهر. والسؤال المطروح هنا: أليس وراء هذه السرعة الغريبة (لمناطق طال زمان إهمالها) مصالح خاصة؟

خبرتنا بطبيعة حكامنا والمسئولين تجيب بوضوح: نعم هناك مصالح خاصة، إنها مصالح حيتان الاستثمار العقاري، ومحاسيبهم وأعوانهم من المسئولين.

أما رابع ركيزة فهي أنه ستتم إزالة ثلاثة مناطق مجاورة لأرض مطار إمبابة وهي: عزبة مطار إمبابة، مدينة الأمل، بشتيل. ووفقاً لتصريحات رئيس هيئة التخطيط العمراني في جريدة الدستور، فإن هذه المناطق الثلاث تضم 17523 أسرة، أي حوالي 68 ألف نسمة. ويتضح من هذه التصريحات وغيرها أن مناطق الإزالة والتهجير للسكان سوف تكون ضخمة ومتشعبة لأنها لن تقتصر على المناطق الثلاث السابق ذكرها، بل ستمتد إلى إزالة كافة المنازل التي تعترض شبكة الطرق الواسعة وتمتد أيضاً إلى المنطقة المحاذية لكورنيش النيل أمام جزيرة وراق العرب.

ويبدو أن هذا المشروع، من خلال حصر المناطق التي ستتم إزالتها، سوف يؤدي إلى تهجير حوالي ثلث سكان المنطقة المزمع تطويرها. أليس ذلك إعلان حرب وبشكل مفاجيء على البشر!!!

ينتهي التصور إلى أنه سيتم إقامة 4 حدائق عامة على مساحة 160 فدان، وإقامة 60 مدرسة وعدد غير محدد من المستشفيات، وأنه سيتم تعويض الأهالي الذين سوف تزال منازلهم، على أن ينتقلوا إلى مناطق أخرى أو تقوم الدولة بتوفير مساكن بديلة لمن يرغب في البقاء في المنطقة.

عن أي تطوير يتحدثون؟
«بالبلدي» المشروع هو مشروع بيع أرض وأهل إمبابة والمنيرة والوراق لصالح الكبار من الحيتان. والتطوير ليس من أجل مصلحة المواطنين من سكان شمال الجيزة، بل أن هؤلاء البسطاء هم الذين سيدفعون الثمن غالياً. فأهالي إمبابة والوراق والمنيرة لن يسكنوا الأبراج التي سوف تقام فوق أنقاض منازلهم، بل سيقذف بهؤلاء الفقراء إلى أطراف الصحراء في مدينة النهضة والسلام. هذا هو التعويض المجزي لهم وفقاً للتصريحات الحكومية، والذي غالباً ما سيكون حجرة وصالة لا تزيد مساحتها عن 60 متر مربع في أحسن الأحوال، أو تعويض كل صاحب شقة بمبلغ 6000 جنيه، وهو ما يشاع الآن في مناطق بشتيل ومدينة الأمل وعزبة المطار. ولا ينبغي لنا أن ننسى مأساة سكان البدرومات في أرض عزيز عزت وأرض المطار، والذين وعدتهم الحكومة من قبل بمساكن آدمية. ولكن ما حدث أنهم تُرٍكوا حتى الآن، ولأكثر من عشرين عاماً، في بدرومات حقيرة تمتليء بالحشرات وتطفح عليهم مياه المجاري بشكل يومي، ومازالوا يعيشون حتى اليوم في دورات مياه مشتركة لعدد يتجاوز المائة أسرة.

مشروع تطوير شمال الجيزة يهدف إلى تحويل المنطقة المراد تطويرها إلى زمالك ثان مثل حي الزمالك على الضفة الأخرى من النهر. وفي هذا الزمالك الثاني لن يكون هناك مكان للفقراء والمهمشين ومتوسطي الحال. الفقراء لن يعيشوا على ضفاف النيل، أو حتى بالقرب منه. تلك هي خطة دولة الظلم للتطوير.

إن مشروع تطوير شمال الجيزة يستهدف إعادة هيكلة الأوضاع. وواضح لكل ذي عينين لمصلحة من سيتم هذا التطوير. فتش في أحوال وأوضاع حيتان الاستثمار العقاري من الكبار ستجد السر. إرتفاع أسعار الأراضي في القاهرة الجديدة والتجمع الخامس فتح الشهية أمام الكبار، شهية المليارات و»تسقيع» الأراضي.

لقد كان الحديث طوال العام الماضي عن أرض مطار إمبابة والحديقة الدولية التي ستقام عليها، ما هو إلا ذر للرماد في العيون، وتغطية كلامية فارغة حتى يتم طهي طبخة تطوير شمال الجيزة. المطمع لدى الكبار، حالياً ومستقبلاً، هو أرض جزيرة وراق العرب والمناطق المجاورة لأرض المطار (بشتيل – مدينة الأمل – عزبة المطار). غول الاستثمار العقاري أصيب بالسعار، وهذا الغول لا يهمه تشريد أسرة من إمبابة إلى النهضة أو مدينة السلام. هذا التشريد الذي سيكلفها ما يفوق طاقتها في المواصلات للانتقال إلى مكان العمل، علاوة على «شقلبة» كيان الأسرة المشردة اجتماعيا ونفسيا أصلاً.

الغول له خطط متكاملة، الغول الآن في شمال الجيزة، وغدا في مشروع تطوير شرق القاهرة، وبعد غد في جزيرة الدهب ناحية المعادي، فماذا نحن فاعلون؟ هل نخاف أم نقاوم؟ لا سبيل أمام البشر سوى المقاومة، ورفض هذا التطوير الذي لن يخدم سوى مصلحة الحيتان. لا سبيل سوى تجميع الضحايا «المنتظرين» لأنفسهم، وبمساهمة كل القوى السياسية التي ترغب في الوقوف أمام توحش هذا النظام. ففقط من خلال حملة قوية يشارك فيها أصحاب المصلحة يمكن لنا إيقاف الغول عند حده ومنعه من القضاء على الأخضر واليابس.