بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نضال العاملين بقطاع السياحة في البحر الأحمر

وادي الجمال

تعاني قطاعات العاملين بالسياحة من جميع المشاكل التي تعاني منها العمالة عموما بمصر، من إهدار حقوقهم حتى القانوني منها، ومن ضعف أجهزة الدولة إزاء رجال الأعمال والتجاهل الكلي لتطبيق القانون، ولعل من أبرز تجليات تلك الظاهرة في المجال السياحي المصري عموما وفي محافظات البحر الأحمر خصوصا، هي ظاهرة تشغيل العمالة الأجنبية غير الشرعية وغير القانونية محل العمالة المصرية في عدة مجالات، من أبرزها مهن مثل مرافقي المجموعات السياحية والغطس.

ينص قانون العمل رقم 12 لعام 2003 على أن من حق صاحب العمل تشغيل أجانب بنسبة 10٪ من حجم العمالة الموجودة بالمنشأة، على أن تكون لهم خبرات غير متوافرة في العمالة المحلية، وينص نفس القانون على أنه إذا مر عام على وجود أي عامل بالمنشأة، يتم توقيع عقد رسمي معه ينال فيه كل حقوقه، من تأمين صحي ومعاش و خلافه، وهما الأمران اللذان يتم ضرب عرض الحائط بهما في المشكلة موضوع هذا المقال.

فالكثير من أصحاب العمل بشركات السياحة بالبحر الأحمر يقومون بتشغيل عمالة أجنبية غير شرعية بشكل غير قانوني، حيث يدخلون مصر بتأشيرة سياحة يتم تجديدها بطرق ملتوية، فيعملون دون أي تأمين أو أي وضع رسمي على الأوراق، فلا يظهر من الناحية المستندية أنهم يتجاوزون القانون، وخاصة مع انعدام الرقابة من الأجهزة الحكومية هناك وعلى رأسها مكتب العمل.

وفي معظم الحالات ينال العامل الأجنبي رواتب أكبر بكثير من العامل المصري (قد تصل إلى ثلاثة أضعاف)، رغم أنهم ليسوا بالضرورة مؤهلين بالأساس للقيام بالمهمة المكلفين بها، حيث أن المرافق السياحي لابد وأن يكون متعمقا تماما في معرفة كل تفاصيل البلد التي يرافق فيها السائحين الراغبين في التعرف على خصوصيات ذلك البلد، وهو ما لا يعرفه مثل هؤلاء الأجانب، بل يفعلون العكس تماما، فنظرا لعدم معرفتهم خصوصيات البلد فإنهم ينصحون السائحين بعدم التجول بالبلاد بذريعة انعدام الأمن، مما يتسبب في ضرر أيضا للنشاط الاقتصادي الصغير في البلاد، من مطاعم ومتاجر صغيرة، وأخيرا فإنه تبعا لذلك تم افتتاح عدة مولات أجنبية لتقوم تلك العمالة الأجنبية بالتسويق لها، مما يشكل شكلا واضحا من الاحتلال الاقتصادي والنهب الكامل.

دور الاحتكار في القضاء على حقوق العمالة
بدأ الأمر حينما توجهت الدولة بعد عام 2004 لجعل كافة أنشطة الاقتصاد المصرية مجرد تابع بالكامل للشركات الأجنبية الكبرى متعددة الجنسيات، كتنفيذ لأوامر صندوق النقد الدولي، وكعربون سياسي لتنفيذ مشروع التوريث، حيث تشكلت وقتها وزراة أحمد نظيف، وكان من المعروف أنها جميعا كانت باختيار جمال مبارك.

فقبل 2004 كانت الغردقة وشرم الشيخ تمتلئان بالشركات المصرية الصغيرة في كافة المجالات السياحية، من التسويق وجلب السائحين إلى شركات الغطس، ومرافقي المجموعات السياحية والبازارات الصغيرة، وكان هذا الوضع يعطي ميزة لمصلحة عموم العاملين بالسياحة من المصريين بالمقارنة بالوضع الحالي.

ولكن عندما تولت وزارة التوريث الحكومة عام 2004 اتجهت إلى جعل كل مقومات الاقتصاد المصري خاضعة للمنظمات الاحتكارية الكبرى في كل المجالات، ونال قطاع السياحة نصيبه من تلك السياسة، فتم ربط السوق السياحي المصري تماما بشركات عالمية محددة تحتكر هي توريد السائحين (ثم العمالة فيما بعد) كالشركة الروسية “ثل بيجاس”، أو الاسكندنافية “ترافكو” و”سبرنج تورز”، وغيرها من الشركات متعددة الجنسيات، ولكي يضمن وزير السياحة وقتها زهير جرانة تأييد كبار رجال السياحة، قام بالتوسع في نظام الـ (All inclusive) الاحتكاري، والذي يُمَكِّن أكبر عدد ممكن من كبار رجال السياحة (الممتلكين لـ8 قرى سياحية فأكثر) من الحصول على تخفيضات هائلة على تذاكر الطيران وكل ما يتم توريده إلى الفنادق، مقابل ألا يخرج السائح تقريبا من الفندق، فيجد في الفندق أو القرية السياحية بازاراته ومشترياته ومطاعمه، وكان هذا شريطة أن يتوافق صاحب العمل مع السياسة الجديدة بربط سوق السياحة المصري تماما بالسوق الخارجي، وأن تتحكم تلك الشركات العالمية في توريد السائحين للسوق المصري.

ونتيجة هذا الوضع تمكنت تلك الشركات العالمية من فرض شروطها على السوق المصري، شأنها شأن أي محتكر آخر في أي مجال، وكان من بين تلك الشروط أن يتم تشغيل العمالة الفائضة لديها في غير أوقات الذروة السياحية في مصر، حيث تتحول المرتبات لتصبح إلزاما على الشريك المصري سدادها، ويُزال عبئها من على الشركة الأجنبية الأصلية، كما أصبح السائح ينال تخفيضات خاصة على تذاكر السفر وكافة المصاريف الخارجية، ثم يلزم الفندق لا يغادره تقريبا، مقابل مبالغ صغيرة يدفعها في الخارج، مما ينفي عن العملية السياحية فائدتها المفترضة من السياحة نفسها كفكرة، وهي الترويج والإنعاش الاقتصادي للموقع السياحي نفسه، ولكل نشاطاته الاقتصادية ولكل السكان الذين يعيشون حوله.

بمعنى أوضح كانت الصفقة هي أن تحتكر تلك الشركات جميع المكاسب الخارجية للسوق السياحي المصري، مقابل احتكار وكلائهم بمصر للمكسب الداخلي، ولنا أن نتصور النتائج الكارثية لتلك السياسة الاحتكارية، فمن جانب توقفت معظم أعمال شركات السياحة المصرية الصغرى، بعدما عجرت عن الحصول على نفس التسهيلات التي تستطيع تلك الكيانات العملاقة الحصول عليها، كما أفلست تقريبا أغلب البازارات والمشاريع الصغيرة، ولم يعد بمقدور أي رجل أعمال صغير أن يبدأ حتى بقرية واحدة، لأنه ببساطة لن يدخل في نظام الـ(All inclusive) الذي يتطلب امتلاك 8 قرى على الأقل، ووقتها لن يستطيع المنافسة سعريا مع الحيتان الكبار.

ومن جانب آخر فرضت تلك الشركات عمالتها على السوق المصري مما أودى بالكثير من فرص عمل المتاحة للعمالة المصرية دون وجه حق.

نضال العاملين المصريين ضد العمالة الأجنبية غير الشرعية
بعد ثورة يناير، وكما حدث في كل أنحاء مصر، شرع العمال في قطاع السياحة في البحث عن حقوقهم المسلوبة، وكان من ضمنهم مجموعة المرافقين السياحيين الذين كافحوا ضد العمالة الأجنبية غير الشرعية، والذين سنتخذهم نموذجا في ذلك المضمار.

ينقسم نضال العاملين بمجموعات المرافقين السياحيين إلى 3 مراحل، وهي مطالبة أجهزة الدولة بتنفيذ القانون، ثم الضغط على أجهزة الدولة بالاحتجاج، وأخيرا محاولة تأسيس النقابات المهنية.

كانت البداية هي مطالبة أجهزة الدولة بالالتزام  بالقانون، وكان هذا في الفترة من يوليو 2011 وحتى ديسمبر من نفس العام، حيث تم الضغط على مكاتب العمل وديوان عام المحافظة بالبحر الأحمر ومجلس مدينة شرم الشيخ  لتنفيذ القانون، وتم استصدار قرار وزاري آخر أثناء تولي أحمد البرعي وزارة القوى العاملة ليدعم مطالب المناضلين ضد العمالة غير الشرعية، ويؤكد ضرورة تنفيذ القانون وإلغاء أي وضع يخالف ذلك فورا وبقوة الأمر الواقع، ولكن كان رد أجهزة الدولة في المحافظتين (البحر الأحمر وجنوب سيناء) هو المماطلة المستمرة دون تنفيذ أي قرار أو البدء في أية خطوات جدية.

ثم منذ ديسمبر 2011  تم البدء  بالتصعيد الاحتجاجي ضد المماطلة الحكومية، عن طريق الاعتصامات في الأماكن الحيوية أمام المحافظة وفي الميادين الكبرى، مما أدى إلى سياسة مزدوجة من الحكومة، بدأت بالاستيعاب عن طريق البدء في التفتيش الفعلي على المنشآت المخالفة، ولكن مع تسريب أخبار الحملات التفتيشية مما يُمَكن المخالفين من توفيق أوضاعهم بإخفاء الموظفين الأجانب لديهم، ثم بدء الشرطة بقمع المحتجين بطرق شتى، حتى وصل لفض اعتصاماتهم بالقوة وإلقائهم بالسجون ليلة أوليلتين لإرهابهم.

أما نقابيا فقد حاولوا منذ اللحظة الأولى أن يؤسسوا لأنفسهم نقابة مهنية (وكذلك الغواصين وعمال البازارات وغيرهم) ولكنهم وُوجهوا بمعضلة أن تأسيس النقابة المهنية يستلزم إصدار قانون خاص من البرلمان، وعلى الجانب الآخر رفض الكثير منهم تأسيس نقابة عمالية بزعم أن النقابة المهنية أقوى وقادرة على سن قوانين خاصة لنفسها بعكس النقابات العمالية.

هذا مع الأخذ في الاعتبار أنه حتى القليل من المصريين العاملين بتلك المجالات أغلبهم مؤقت، يتم فصله قبل نهاية أول عام من عمله، ثم إعادة تعيينه وهكذا دواليك كل عام، للهروب من الالتزامات المفروضة على الشركات تجاه موظفيها، ولكن للأسف لأن النضال الآن هو ضد إهدار فرص العمال من الأساس، فلا زالت الخطوة الثانية، وهي النضال لتقنين وضع العمالة لم يأتِ وقتها بعد للأسف، رغم أن تلك العمالة المؤقتة مهددة بالفعل دائما بالفصل لأي حجة أو سبب مهما كان تافها.

النتائج حتى الآن
لا جديد، ولا زال الوضع المزري كما هو بلا أي تغيير، كما أن هؤلاء العاملين لم يؤسسوا لأنفسهم وضعا قانونيا بعد لكي ينقلوا الصراع لمستوى أعلى، بل إن أصحاب الشركات استغلوا سوء أوضاع السياحة لتصفية المزيد من العمالة المصرية (المؤقتة)، مقابل تعيين المزيد من الأجانب ذوي الأجور الأعلى، مما ينفي أصلا فكرة تقليل النفقات (خصوصا شركة بيجاس الروسية).

موقف أجهزة الدولة
اللافت هو الانحياز المطلق من أجهزة الدولة إلى جانب كبار رجال الأعمال، وهذا الانحياز له أسباب متعددة، لكن أبرزها هو احتواء الأجهزة الرقابية، مثل مكتب العمل، عن طريق انتداب بعض موظفيه للعمل بأجور سخية لدى كبريات شركات السياحة، فضلا عن التقليل المتعمد لكوادره المختصة بالرقابة، بالنظر إلى عدد المنشآت والشركات التي ينبغي رقابتها، وهو الأمر الذي لم يتغير حتى الآن رغم وجود الوزير كمال أبو عيطة (صاحب السمعة النضالية السابقة)، فضلا عما هو معروف من انحياز الشرطة والمحافظين لأصحاب الأعمال على حساب العاملين.

نقد لأخطاء المناضلين ضد العمالة الأجنبية
الجانب الأول هو الجانب الإصلاحي العاجز في تكتيك الحركة: فلا يتم دفع الاحتجاج أبدا لتجذير الصراع مع الأجهزة الحكومية، ولا يوجد أي منحى للحشد الجماهيري خارج نطاق الحركة، رغم أن أغلبهم أعضاء في أحزاب سياسية (وإن كانت إصلاحية)، مثل الدستور والوسط، ورغم أن مطالبهم هي نفسها مطالب المجموع الأوسع من سكان المدن السياحية، مما كان سيشكل ضغطا هائلا لا يمكن أن تتحمله الأجهزة الحكومية، فهم منحصرين بين المطالبة والاحتجاج، وبالتالي تكون الأجهزة الحكومية أيضا مخيرة بين التجاهل الكامل أو القمع، وبين التظاهر بالحركة أوالمماطلة.

الجانب الآخر هو الجانب البرجوازي في الحركة: فأغرب ما في الأمر هو إصرار أغلب المناضلين ضد تلك الأوضاع على تكوين نقابة مهنية مع صعوبة الأمر حاليا، على حساب تقنين أوضاعهم الآن للصراع من أجل المشكلة الملحة الراهنة، وكأن حيازة وضع اجتماعي مميز أولى من تجذير وتوسيع صراع شرس قائم بالفعل، ولعلهم بسبب ذلك تحديدا غير متحمسين لتجذير المعركة جماهيريا.

على أي حال لا تزال المعركة مستمرة مع رجال أعمال ناهبين لحقوق المصريين، وهم مجرد وكلاء لقوى اقتصادية خارجية، ولا تزال المعركة مستمرة أيضا مع أجهزة دولة تحولت من السبعينيات لتصبح مجرد ذيل من ذيول رجال الأعمال وخادما لهم، بل ومشارك في السرقة والنهب في أوقات كثيرة.