بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

انتفاضة عمال كفر الدوار: سبتمبر 1994

على مدى أكثر من أربعين عامًا، واصل عمال شركة للغزل والنسيج في كفر الدوار نضالهم ضد مستغليهم في سلسلة متقطعة من الإضرابات والاعتصامات: 1952، 1984، 1994. وعلى مدى أكثر من أربعين عامًا أيضًا، واصلت الدولة، في عهديها “الاشتراكي” المزعوم والرأسمالي السافر – فمعها الوحشي لنضال هؤلاء العمال. وقد قدمت كفر الدوار، المدينة العمالية المناضلة، عددًا وافرًا من الشهداء الذين دفعوا، في صورة حياتهم ذاتها، ممن كفاحهم ضد الرأسمالي، وضد الرأسمالي، وضد الدولة التي كانت تحمي ثم أصبحت تقوم بدوره. وقد يقي هؤلاء الشهداء، ما بين معلقين على أعواد المشانق وملقين على الأرض مضرجين في دمائهم في شوارع المدينة، دليلاً ورمزًا على تعطش رأسمالية الدولة المصرية، في كل عهودها، لدماء العمال، وعلى عزم العمال على مواصلة الكفاح، رغم حلكة ليل القمع والاستغلال.

وفي أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 1994 اكتملت آخر حلقة من حلقات سلسلة الكفاح العمالي في كفر الدوار حينما اعتصم وأضرب عمال شركة مصر للغزل احتجاجًا على محاولات الإدارة لإخراج الشركة من أزمتها على حساب أجورهم وشروط عملهم.

ويعد إضراب كفر الدوار 1994 أهم وأكبر الكفاحات العمالية في التسعينات. ولذلك فهو يستحق منا الدراسة والتحليل من أجل فهم واستخلاص خبراته.

إن نضال الطبقة العاملة المصرية، المتقطع والذي يأخذ شكل ومضات سرعان ما تخبو، يدخل الآن مرحلة من أخطر مراحله. فبعد أن أعلنت الدولة؛ بسياسة الإصلاح الاقتصادي، عن عزمها على تجويع العمال وعامة الفقراء وتشريدهم من أجل تحسين شروط الرأسمالية المصرية في النافسة العالمية، لم يعد أمام جموع المستغلين والمضطهدين في مصر من أمل إلا أن تشق الطبقة العاملة لنفسها مجرى نضالي جديد يبلور ويستقطر نجاحات الماضي ويتجاوز أخطائه وخيباته.

وفي كفر الدوار 1994، امتزجت الذروة العليا للكفاح، المتبدية في الروح النضالية الباهرة وفي عدد ونوع المطالب وفي الإبداع الكفاحي، مع العثرات والهزائم، المتمثلين في الخمود السريع للاشتعال وفي عدم أتساع قاعدته وفي عدم خلق أدوات مستمرة للنضال، وفي النهاية المأساوية للانتفاضة.

ومن خبرة كفر الدوار يمكن أن نتعلم كيف ومتى وفي ظل أي شروط يمكن تشق الطبقة العاملة مجراها النضالي الجديد. من خبرة كفر الدوار، في 1994 وقبلها في 1984، يمكن أن نفهم، ولو قليلاً، سر الركود الذي يعقب كل ومضة نضال عمالي، وسر الخمود النسبي للحركة والنجاح المشهود للدولة احتوائها وقمعها.

الخلفيات المقدمات:
في شركة مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار يعمل 22 ألف عامل، لا يملكون إلا قوة عملهم.. إلا قدرتهم وطاقتهم على العمل، لدى صاحب عمل مستغل أسمه الدولة. وحتى نفهم لماذا قرر صاحب العمل – الدولة – أن يعتصر العمال حتى آخر قطرة وحتى نقطة الانفجار علينا أن نعود إلى الوراء قليلاً.

تعاني رأسمالية الدولة المصرية، ممثلة في القطاع العام، منذ سنوات طويلة من خسائر كبيرة وإهدار هائل. فبسبب التقادم في التكنولوجيا، مع الفساد الذي أزكمت رائحته الأنوف وفشل التسويق والتصدير، وصلت تكلفة وجودة الإنتاج في القطاع العام إلى مستوى متدني لا تمكن معه مواصلة الإنتاج بالطريقة القديمة. لقد أصبح الوضع يحتاج إلى “إصلاح” كبير يمكن الرأسمالي الكبير، الذي هو الدولة، من استعادة وضعه في السوق العالمي. كان المطلوب هو تخفيض تكلفة الإنتاج ورفع جودته إلى أقصى حد، حتى يتمكن هذا الرأسمالي سلعة بسعر منافس. ولتحقيق المطلوب بدأ برنامج “الإصلاح الاقتصادي” (لاحظ أن كلمة إصلاح هنا تعني فقط إصلاح أحوال المستغل… وتعني أيضًا تجويع وتشريد المستغل، أي العمال). والبرنامج، كما هو معروف، يسعى إلى تحقيق أهدافه عن طريق زيادة معدلات استغلال العمال… عن طريق تحويل حياتهم إلى جحيم لا يطاق، سواء بيد الدولة أم بيد مشترى، محلي أو أجنبي للقطاع العام.

“جحيم لا يطاق”… هذا هو بالفعل مضمون حياة عمال مصر، في القطاعين العام والخاص، خاصة في قطاع الغزل والنسيج الذي يضم نسبة من عمال هذا المجتمع. ففي هذا الفرع الصناعي وصل الإنتاج إلى درجة تقترب من الانهيار دعت العقول الجبارة، والقذرة، في البرجوازية المصرية – من الساسة إلى الاقتصاديين – بالتعاون مع مؤسسات الإمبريالية العالمية، إلى وضع خطة عاجلة “لإنقاذ” الشركات… وتجويع العمال وكل الفقراء. الهدف كان تحويل الخسائر إلى أرباح، والتخلص من المخزون الراكد الذي لا يجد سوقًا تقبل أن تشتريه.

وفي شركة الغزل بكفر الدوار، وهي واحدة من كبريات شركات الغزل والنسيج المملوكة للدولة، كان رجل المهمة الصعبة هو فتحي أحمد علي. كان فتحي أحمد علي الاختيار، الدال على نفاذ البصيرة، الذي اختاره عاطف صدقي عملية “الإصلاح” في الشركة.

وقد بدأ فتحي علي عهده، كعادة المصلحين الكبار، بتفقد أحوال رعاياه العمال “المساكين” وبالاستماع إلى وجهات النظر التي تبديها الأطراف المختلفة داخل الشركة، من عمال وإداريين، حول الأوضاع وكيفية إصلاحها. بل أن فتحي على الذي وعد العمال، حال تعيينه رئيسًا لمجلس إدارة الشركة، بالرفاهية في لفتة تذكرنا بوعود حكامنا الرأسماليين الزائفة على مدى عقود متواصلة – قد أجرى بعض الإصلاحات الحقيقية التي لم يفهم أحد دوافعها إلا فيما بعد، مثل البدء في صرف ما أطلق عليه “حافز الحافز”، وهو حافز إضافي جديد، ومثل بناء دورات مياه إضافية… كانت هذه هي مرحلة الهدوء الذي يسبق العاصفة.

ولكن، كما نعلم جميعًا وكما أكدت الأحداث، فإن مهمة البلدوزر – وهذا أسم شهرة فتحي علي – لم تكن أبدًا في بناء دورات مياه لفك أزمة العمال. مهمة فتحي علي كانت تتلخص في أن يكون منفذًا كفوأ للسياسات الجديدة للرأسمالية المصرية فيما يتعلق بالقطاع العام على وجه العموم، وفيما يتعلق الغزل على وجه الخصوص.

عين فتحي أحمد علي رئيسًا لمجلس إدارة شركة مصر للغزل بكفر الدوار في 28 مايو 1993. وكانت خسائر الشركة قد وصلت في هذا العام، الذي رأس فتحي علي مجلس الإدارة في حوالي منتصفه، إلى 65 مليون جنيه – منهم حوالي 38 مليونًا في الفترة من 1 يونيو 1993 إلى 31 ديسمبر 1993 (أي بعد تولي فتحي علي المسؤولية).

وكانت سياسة الرئيس الجديد لتخفيض الخسارة، ثم البدء في تحقيق الأرباح، تتخلص في زيادة الإنتاج والإنتاجية ولهذا السبب قرر في البداية “حافز الحافز”؛ وفي ترشيد الاستهلاك، أي ضغط النفقات بأي طريقة ممكنة، وهذا ما دفعه مثلاً إلى تخفيض الإضاءة في مصانع الشركة بنسبة 50% وإلى توقيع جزاءات متعسفة على العمال أدت إلى حرمان متعسفة على العمال أدت إلى حرمان آلاف من الحوافز لمدة 3 شهور أو مدى الحياة!

بعبارة أخرى أراد فتحي علي أن يقلل تكلفة إنتاج السلعة الواحدة من منتجات الشركة. ولتحقيق ذلك اتجه في أكثر من اتجاه كلهم يتضمنون اعتصارًا أكبر للعمال. أولاً أراد فتحي على أن يقلل النفقات الإنتاجية العامة (النفقات الإدارية، الكهرباء… الخ) التي تحمل على السلع المنتجة، وهذا هو مغزى “تعتيم” الإضاءة على العمال. وثانيًا أراد فتحي على أن يخفض تكلفة الخدمات المقدمة للعمال. فعلى سبيل المثال ألغيت الشركة سيارة كانت مخصصة لنقل العمال المرضى والمعاقين وعددهم 31 عاملاً، ثم عادت، تحت الضغط العمالي، فسمحت لـ12 فقط منهم باستخدام السيارة. أيضًا سعت الشركة لطرد عدد من العمال القدامى من مساكنهم المملوكة لها، حيث أرسلت إنذارات بالطرد في أبريل 1994 إلى أكثر من 200 أسرة عامل متوفى من القاطنين بمنطقة عبد الرحمن بحدائق كفر الدوار لإخلاء مساكنهم المملوكة للشركة بحكم طبيعة عملهم، والتي تعتقد الشركة أنها تستحق استعادتها، وتشريد أهالي العمال، بعد وفاة العامل – يعني موت وخراب ديار. ثالثًا قرر فتحي علي التخلص من العمالة الزائدة مع زيادة الإنتاجية أي التخلص من نسبة من العمال لتقليل فاتورة الأجور، وفي نفس الوقت اتخاذ كل الإجراءات التي تضمن أن باقي العمال الذين لم يصبهم الدور في التشريد سينتجون إنتاجًا مضاعفًا بأجور أقل. أراد فتحي علي بهذا الإجراء الأخير، وهو في ذلك يماثل، بل ويبز، أي رأسمالي نصاب آخر، أن يشتري بنفس القيمة من رأس المال قوة عمل أكثر.. أراد أن يجعل 5 عمال يقومون بعمل 8 وكمان بأجور أقل للعامل الواحد.. منتهى القذارة. وهذا السبب الحقيقي لفصل2000 عامل مؤقتة، والسبب الحقيقي لنقل عدد من العمال لفرعي الشركة في كوم حمادة والمحمودية وهو أيضًا السبب الحقيقي لأن تصل قيمة الجزاءات التي استقطعت من أجور العمال إلى 13 مليون جنيه كما أخبرت لجنة تقصى الحقائق 13 مليون جنيه استطاع فتحي علي أن يسرقهم، كأي حرامي متودك، من جيوب العمل ليضعهم في جيوب الرأسمالية المصرية. والأسلوب الحقير الذي اتبعه فتحي علي الذي لا ينبغي أن ننسي للحظة أنه مجرد منفذ شاطر لسياسات الدولة والطبقة لحاكمة، في سرقة أكل عيش العمال تمثل في تحويل المصنع إلى ثكنة عسكرية: ممنوع المرض، يحرم العامل المريض (المقرر له عمل خفيف) من حافز المواظبة… ممنوع العلاج، يوجد سقف لتكلفة العلاج لا يجوز تجاوزه جأويكافأ الأطباء الذين يخفضون التكاليف العلاجية… ممنوع الأجازة، يجبر العامل الحاصل على أجازة بدون مرتب على قطعها والعودة وإلا تم فصله (وهو بالطبع المطلوب) ويحرم العمل الذي يقوم بأجازة مرضية أو اعتيادية ولو ليوم واحد من حافز الانضباط عن الشهر كله. وفي نهاية المطاف جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير. صدر منشور في 19 سبتمبر 1994 مذيل بقرار بخط يد رئيس مجلس الإدارة مؤرخ بتاريخ 20 سبتمبر. يقول القرار المكتوب بخط اليد “أي فرد يضبط نائمًا أو هاربًا عن طريق الأمن أو التفتيش أو مذكرة من إدارته يحرم من الحوافز لمدة 3 شهور”. لقد قرر مدير سجن كفر الدوار أن يوقع أقصى العقوبة على الهاربين من أحكم العمل المؤبد، والمودعين بالسجن.. أي الشركة!!

لقد سعت رأسمالية الدولة المصرية، بيد فتحي علي وأعوانه ومنهم رئيس القطاع الإداري، إلى اعتصار اللحم الحي للعمال، عبيد القرن العشرين، وإلى الخروج من مأزقها على حساب حياتهم وحياة أولادهم. ولكن لأنها رأسمالية خيبة وساقطة في امتحان السوق العالمي بالثلث، فقد ظلت السلع تتكدس بالمخازن رغم كل الإجراءات المجنونة المتبعة. فقد وصل البيع المحلي إلى 35% من الحجم الطبيعي، بل فتحي علي قام بحل ماكينات (نسيج 4 – مصنع 2) وحولها إلى خردة ثم حول القسم إلى مخزن حتى يستوعب الإنتاج الراكد، وقام بتعطيل المصنع يومين في الشهر.. الخ.

أيوجد جنون أكثر من هذا؟ أن تظل آلات الشركة تقذف بالمنتجات بلا توقف وبلا هدف لتتكدس هذه المنتجات في مخازن لتأكلها العته والفئران… بينما يموت منتجو هذه السلع من الجوع والتشريد؟ من يستطيع أن يدعى بعد ذلك أن الرأسمالية حتى رأسمالية الدولة، عاقلة ورشيدة؟ إن الرأسمالية، بالذات في لحظة أزمتها، تصبح مجنونة وشرسة… تصبح نهمة للربح، كالذئب الجائع، على جثث المنتجين الحقيقيين.

مسار الأحداث:
أدرك عمال كفر الدوار، تحت ضغط الاستغلال والتنكيل، أنهم سيظلون يدفعون ثمن أخطاء عدوهم الطبقي ما لم يقفوا في وجهه، فتحولت طاقة الغضب المكبوتة، والمتراكمة على مدى الشهور والسنين إلى شعله نار حارقة.. إلى ومضة نضال وبروفة انتفاضة.

في مساء الثلاثاء 27 سبتمبر 1994، وبعد شهور من الفصل والجزاءات، اعتصم عمال وردية بعد الظهر (من 2 إلى 10 مساء) لمدة ساعة بين الورديتين، ورددوا هتافات ضد إدارة الشركة مطالبين برفع الجزاءات الموقعة، وكالعادة، كان الحل الأول الذي اتبعته الإدارة هو أن ترسل مبعوثيها من أعضاء النقابة المتواطئين الذين اشتهر عدد وافر منهم بالفساد والذين أعلن بعضهم الموافقة على القرارات المتعسفة نفسها والذين همشوا كل عضو شريف منهم رفع صوته لصالح العمال – للتفاوض مع العمال… أي لاحتواء غضبهم بأكاذيب ملفقة وبالفعل انتهى الاعتصام بعد وعود من أعضاء النقابة بإلغاء القرارات المتعسفة.

وفي اليوم التالي 28 سبتمبر أصدر فتحي أحمد علي منشورًا إداريًا جديدًا يؤكد أن هناك “بعض أصحاب النفوس الضعيفة الذين لا ينتمون بالولاء لشركتهم يريدون إثارة العاملين يشككون في الإدارة الجديدة للشركة”. هكذا، بدون أي حياء كذب فتحي علي على العمال وتراجع، كأي فأر جبان قذر، عن منشور مذيل بقرار إضافي بخط يده هو. ولكن تراجع فتحي علي عن المنشور السابق لم يكن يعني على الإطلاق تراجعه عن معظم القرارات الواردة فيه كان ممعناه فقط تجميل القرارات السابقة ومحاولة إقناع العمال أنها ليست قرارات جديدة وإنما هي هي القرارات القديمة السارية شهر مارس 1992 (هكذا ادعي).

ولذلك، فلم يهدأ العمال بعد قراءتهم للمنشور الجديد، خاصة وأن النقابة ومجلس الإدارة تهربًا من التفاوض المباشر حول مطالبهم، وفي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأربعاء 28 سبتمبر (أثناء خروج الوردية الأولي)، تجمهر العمال أمام مبنى الإدارة مطالبين بإقالتها. وعندما حاول بعض النقابيين في الشركة المعروفين بتواطئهم مع الإدارة فض التجمهر، أثار هذا استفزاز العمال، وطردوهم من بين صفوفهم. وبمرور الوقت اتسع حجم التجمهر حينما انضم لعمال الوردية الأولى عمال الوردية الثانية عند دخولهم إلى المصنع في الساعة الثانية بعد الظهر، وعمال الوردية النهارية الخارجين من المصنع بعد انتهاء ورديتهم في الساعة الرابعة.

ونظرًا لاتساع نطاق التجمهر حتى بدت نذر الخطر، اضطر عدد من المسئولين الكبار من ضمنهم مدير الأمن إلى الخروج من مكاتبهم المكيفة في حر ظهيرة سبتمبر للتفاوض مع هذه “الكائنات البشرية” المثيرة للقلق، والمهددة “للنظام” العام!! كانت الخلاصة هي وعد من إياهم، وعده مدير الأمن للعمال، ومضمونة هو الاستجابة لجميع مطالبهم.

ورغم انفضاض تجمهر الأربعاء بناء على وعود مدير الأمن ظل الموقف متوترًا في المصنع يومي الخميس والجمعة. وظل العمال الذين أوسعتهم الدولة وكل القيادات وعودًا براقة متحفزين ومتأهبين للفعل. وظلت أجهزة الدولة متبعة لسياسة التهدئة بالوعود خوفًا من تفجر الموقف.

وفي مساء يوم الجمعة 30 سبتمبر، وعقب انتهاء وردية بعد الظهر (في الساعة العاشرة مساء)، قرر عمال الوردية، بعد أن قاض بهم الكيل وبعد أن تأكدوا أن شيئًا لن يتغير بالمفاوضات، أن يعتصموا. وبالفعل اعتصم نحو ثلث عمال الوردية (من ألفين إلى ثلاثة آلاف عمل) بالمصنع، خاصة العمال من مناطق كفر الدوار، السناهرة، سيدي شحاته، نظير، الميزان، الحدائق.

وفي الثانية عشر مساء، بعد ساعتين من بدء الاعتصام، حضر مدير الأمن الذي أصبح من هذه اللحظة المدير الفعلي للمصنع وأمر الإدارة أن توفر أكبر كم من الأتوبيسات للعمال الراغبين في العودة إلى منازلهم. لكن العمال المعتصمين أصروا على استمرار اعتصامهم، مع استمرار العمل في المصنع (أي اعتصام بدون إضراب).

وفي الساعة السادسة من صباح السبت 1 أكتوبر بعد انتهاء العمل في الوردية الليلية، انضم جزء كبير من العمال إلى الاعتصام حتى وصل عدد المعتصمين إلى حوالي 5000 عامل، بالإضافة إلى 7500 عامل يعملون في الوردية الأولى من (من 6 إلى 2). في هذا الوقت انضم عمال الصيانة إلى الاعتصام، بينما قررت الشركة عدم إرسال أتوبيسات لجلب عمال وردية من 2 إلى 10 خوفًا من زيادة عدد المعتصمين.

في هذا الوقت أصبح هناك نحو 15000 عامل بالمصنع تجمهروا أمام مبنى الإدارة، رمز القهر والاستغلال، وخارج البوابة الرئيسية. ظل المعتصمون يهتفون ضد الإدارة (“مش عايزين فتحي أمن”)، والنقابة (“دلاعونا دلاعونا.. والنقابة دول باعونا”) والأمن (“لا لدفاع الأمن عن الفساد”)، والقانون 203 (“يا حرية فينك فينك.. 203 بيننا وبينك”). وكتبوا مطالبهم على أسفلت الشوارع وعلى أوراق: عزل رئيس الشركة، ورئيس القطاع الإداري، ومدير الأفراد، والمسئولين عن العلاج الطبي، والتفتيش الإداري. وإسقاط النقابة. إلغاء الجزاءات بالحرمان من الحوافز ومن العمل الإضافي. تحسين الخدمة الطبية والاعتراف بالتقارير الطبية بالعمل الخفيف إلغاء كل جزاءات الغياب. عودة المنقولين إلى كوم حمادة والمحمودية. عودة المفصولين من العمل، وتثبيت العمالة المؤقتة. إيقاف العمل بالقانون 203 والعودة للعمل بالقانون 48/ 78.

في هذه اللحظة، وبعد أن كان العمل يلاقون، على مدى الشهور والسنوات، الإهمال والاحتقار من الإدارة والأمن والدولة، أصبح العمال في بؤرة الاهتمام، وأصبحت مطالبهم – أو على الأقل معظمها – معقولة وعادلة! عقدت اللجنة النقابية اجتماعية طارئًا حضره فتحي علي، وأصدرت الإدارة منشورات تعلن فيها التراجع الصريح عن قراراتها السابقة.

عاد العمال إلى بؤرة الاهتمام، ولكن ليس فقط كأصحاب حقوق استجيب لمعظمها وإنما أيضًا كمصدر للقلق والتوتر…. والثورة. لقد استبد القلق بالطبقة الحاكمة من تحرك العمال في كفر الدوار، وبدأت في إعطاء الأوامر لآلتها القمعية المتوحشة بتجييش الجيوش لمحاصرة حصن العدو الطبقي – العمل – في كفر الدوار وإسقاطه. رابط كبار قيادات الداخلية وعلى رأسهم أحمد بكر مساعد الوزير لمنطقة غرب الدلتا، وعز الدين الأحمدي مدير أمن البحيرة، ويسرى أمين نائب أمن البحيرة في سياراتهم أمام أبواب الشركة لقيادة جيش الأمن المركزي الذي تم استدعاء تعزيزات إضافية منه من البحيرة والإسكندرية حتى يصل عدده حوالي 30 ألف من الجنود.

ورغم ذلك، رفض العمال فض الاعتصام حتى يستجاب لكل مطالبهم، وعلى رأسها إقالة فتحي أحمد الذي رأوا فيه عدوًا لا ينبغي التنازل بشأنه. وتعالت هتافاتهم داخل المصنع: (“متحدين متحدين… جوه المصنع معتصمين”) كإعلان للحرب والصمود حتى النهاية.

وفي الساعة الواحدة والنصف (من بعد ظهر السبت) قامت إدارة الشركة، بتعليمات من الأمن، بفصل التيار الكهربائي، وعندها توقف العمل بالشركة.. وبدأ العمال يشعرون باستفزاز شديد، ورفضوا كل محاولات التوسط التي تتضمن فض الاعتصام وخروجهم من المصنع (ومن ضمنها محاولات محمود إبراهيم رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج وغيره).

وبحلول مساء السبت 1 أكتوبر كانت المدينة والأحياء المجاورة لها قد تحولوا لجبهة قتال. حيث انتشر من ناحية جنود المركزي في كافة الأنحاء وحاصروا الأحياء العمالية (نظير والسناهرة)، وقطعوا حبل المعدية على ترعة المحمودية، لإحكام الحصار حول المصنع ومنع الإمدادات (!)، وقطعوا المياه عن المصنع. وتجمع من ناحية ثانية الألوف من الأهالي، الذين أستبد بهم القلق، في مناطق حول المصنع في محاولة لمد أهاليهم من العمال بالطعام.

وطوال ليلة السبت ظلت كفر الدوار قلقة ساهرة، إذ امتد النضال إلى خارج المصنع، حيث يوجد الأهالي: آباء وأمهات وأخوة وأخوات وأبناء العمال، وظلت المناوشات بين الأهالي وقوات الأمن مستمرة حتى أن الأمن طارد بعض الأهالي في شوارع نظير وألقى عليهم قنابل مسيلة للدموع، فقام الأهالي بالتظاهر في مواجهته.

كان السؤال الذي أقلق العمال والأهالي طوال يوم السبت وليلته هو: “هل ستقتحم قوات المصنع بعد أن جيشت الجيوش، وأحكمت الحصار، وقطعت الكهرباء والمياه؟ وهل ستستخدم الدولة هذه الآلة القمعية الرهيبة، كما استخدمتها عشر سنوات بالضبط في سبتمبر 1984، في مواجهتهم؟”

جاءت الإجابة في صباح يوم “الأحد الدامي” 2 أكتوبر 1994. في صباح هذا اليوم أقتحم جموع من الأهالي بوابة الشركة بالطعام لأبنائهم العمال، ووقفوا في الاستراحة لمحاولة إدخال الأطعمة للعمال. فقام أحد الضباط بنزع أكياس الأطعمة من أيدي الأهالي وألقاها في الترعة. فأنفجر غضب الأهالي ووجهوا له السباب، فأمر جنوده بتفريقهم، فبدءوا في ضرب الأهالي الذين ردوا عليهم بالحجارة… ثم بدأ ضرب النار وإلقاء القنابل المسيلة للدموع والقنابل الحارقة على الأهالي، الذين تفرقوا مذعورين في كل الاتجاهات.

وهنا كانت أركان المذبحة قد اكتملت، خاصة وأن المدارس الموجودة بالمدينة أخرجت تلاميذها، فغصت الشوارع بالأطفال والأهالي الذين جرى بعضهم، وقاوم بعضهم بالحجارة. وقام العمال بتسليط خراطيم مياه المطافئ على الجنود الذين ردوا عليهم بالنيران.. وبالطلقات التي تطايرت في كل اتجاه.

واندلعت المظاهرات في كل أنحاء المدينة الغاضبة، بينما قام بعض الأهالي بحرق الإطارات لمنع تقدم قوات الأمن، وتوجه البعض الآخر إلى شريط القطار ووضعوا كتلا خراسانية عليه… وقد أسفرت المعركة عن 4 قتلى، 60 مصابًا و75 معتقلاً.

أثناء ذلك، وبينما كانت خيوط الدماء تجرى في شوارع المدينة، حضر رجال السلطة من العاصمة – وزير القوى العاملة، محافظ البحيرة، رئيس إتحاد العمال، رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج.. محملين بالوعود القادمة من مكتب رئيس الوزراء، للعمال: إعادة المفصولين والمنقولين، رفع الجزاءات، عزل فتحي أحمد على… وإعطاء أجازة للعمال حتى يوم السبت التالي (8 أكتوبر). ولم ينس أحمد العماوي، وزير القوى العاملة الذي أتى إلى موقع المصنع في سيارة مصفحة والذي أبلغ العمال برضوخ الدولة لمطالبهم من خلال مكبر صوت، أن يشكر العمال على انضباطهم وعلى التزامهم “بالنظام”.

وفي اليوم التالي، الاثنين 3 أكتوبر، نشرت جريدة الأهرام – صوت الدولة القمعية – موضوعًا صغيرًا في صفحة الحوادث والقضايا (بجانب موضوعات وأخبار أخرى عن السرقة والنشل!) عن أحداث كفر الدوار، جاء فيه أن أحمد العماوي صرح أنه “قد تم تصفية جميع المشاكل الخاصة بشركة الغزل الرفيع بكفر الدوار تمهيدًا لانتظام العمل بعد المفاوضات الودية التي قامت بها أجهزة الوزارة… والسيد راشد، مؤكدًا رفض حصول العاملين على حقوقهم بغير الطرق المشروعة عن طريق المفاوضات بين إدارة الشركة والتنظيم النقابي”.

أي أن أراجوزات الطبقة الحاكمة لم يروا في المذبحة إلا “مفاوضات ودية” انتهت، فقط، بمصرع 4 وإصابة 60!!! فإذا كان هذا هو معنى المفاوضات الودية بالنسبة للعماوي، وللطبقة الحاكمة، فما هو معنى المجزرة؟ أكيد أن المجزرة سيكون معناها نسف المصنع وإزالة عمالة من الوجود!

ما بعد الأحداث:
جرت وقائع الصراع في كفر الدوار بين طبقتين تتناقض مصالحهما الإستراتيجية بشكل جذري. وبينما كانت الطبقة الأولى – البرجوازية منظمة وفاعلة إلى أقصى الحدود بواسطة، أجهزتها المختلفة (الأمن، الوزارات، الاتحاد النقابي الأصفر)، لم تجد الطبقة الثانية – الطبقة العاملة المضطهدة – أي قوة تنظمها وتوحدها وتدفع حركتها إلى الأمام.

حتى الأحزاب السياسية المعارضة، بدءًا من الوفد مرورًا بالعمل والأحرار والناصري، وانتهاء بالتجمع، التي زايدت في الحدث إلى أعلي درجة، والتي أفردت لها مانشيتاتها الرئيسية والتي شهرت بقمعية الدولة، حتى هذه الأحزاب لم تظهر في الأحداث على الإطلاق، ولم تطرح نفسها كقيادة، أو كفاعل في حركة العمال.

والسبب في ذلك واضح تمامًا. فالمعارضة المصرية، بيسارها ويمينها، هي مجرد خيال ظل للحكومة المصرية… مجرد تنويع – هش وخائب – على اللحن البرجوازي المعادي للجماهير. فها هو رئيس حز التجمع خالد محيي الدين – الذي يقف في أقصى اليسار الشرعي – يصرح في جريدة الأهالي بعد الأحداث بيومين “أننا نبهنا أكثر من مرة… إلى ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي… وحذرنا من الممارسات التعسفية لبعض الإدارات”. يتحدث محيي الدين من موقع الناصح الأمين، والدبلوماسي، للبرجوازية المصرية، محاولاً إقناعها “بمراعاة البعد الاجتماعي” لمواجهة “الآثار السلبية للخصخصة”.

أما حزب الوفد يقدم نصيحته في افتتاحية يوم 4 أكتوبر، على الوجه التالي “لابد أن يرفع الحصار الأمني فورًا… إذا كنا نريد فعلاً تطويق الحادث”. إذن فهدف الوفد هو “تطويق الحادث” وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي!

وعلى هذا المنوال تسير بهذا القدر أو ذاك من العنترية، دعاية الأحزاب المعارضة الأخرى. كل هذه الأحزاب تنطلق من مواقع البرجوازية، وهي أن كانت تدافع عن الديمقراطية، فهي تدافع عنها من منظور الذي ينصح الدولة أن تعود إلى رشدها.. أي إلى الديمقراطية، وليس من منظور تسليح الجماهير بأدوات للنضال ضد الدولة بالذات.

هذه الأحزاب تخشى من حركة الجماهير أكثر مما تخشى من قمع الدولة. كل ما فعلته من أجل العمال هو تكوين “لجنة تضامن مع عمال كفر الدوار” – وهي لجنة ورقية -، وجمع التبرعات لأجل المعتقلين، وإصدار بيانات الشجب والتنديد.

الطبقة العاملة إذن لم تجد في الأحزاب تصيرًا حقيقيًا لها. ولم تجد أيضًا في النقابات إلا العداء لحركتها ولمصالحها. باختصار، وجدت الطبقة العاملة في كفر الدوار نفسها في أتون المعركة بلا إعداد وبلا أسلحة عدا روحها الصحية، وبلا أنصار. ورغم ذلك فإنها لم تخسر المعركة. فقد انتزعت عدة مطالب أساسية عبر نضالها البطولي. إلا أن البرجوازية، التي استنكرت أن يجدد لها العمال من يمثلها في استغلالهم وقمعهم، رفضت بعناد أن تلبي المطلب الأساسي للعمال وهو عزل فتحي أحمد على رئيس مجلس إدارة الشركة.

إن العمل كشف حساب لوقائع ما بعد الأحداث كفر الدوار يوضح أن عمال كفر الدوار، رغم الانطفاء السريع لحركتهم، قد نجحوا في أبطاء دوران عجلة الإصلاح الاقتصادي، وهو مكسب نسبي تقاسمت ثمرته كل الطبقة العاملة المصرية… أما ألآن وبعد أقل من عامين على الأحداث فقد عادت العجلة للدوران بأقصى سرعة كي تدهس في طريقها العمال وكل الفقراء وبات السؤال ملحًا: متى نستطيع الطبقة العاملة أن تقلب الموازين، وتبدأ بالهجوم، لتفسد على البرجوازية خططها لحل أزمتها على حساب جموع المستغلين؟

دروس الأحداث:
التاريخ، كما يقول ماركس، لا يكرر نفسه. وأن كرر نفسه فهو يكون في المرة الأولى مأساة، وفي الثانية مهزلة.

قبل عشر سنوات بالضبط من انتفاضة سبتمبر – أكثر 1994 في كفر الدوار، حدثت انتفاضية مشابهة لدرجة عجيبة في نفس المدينة في سبتمبر – أكتوبر 1984. فلماذا كرر التاريخ نفسه مرتين في كفر الدوار؟ ولماذا كانت المرة الثانية، كالأولى، بالضبط، عبارة عن مأساة فاجعة وأصيب فيها العشرات من العمال والأهالي؟ هذا هو السؤال المركزي الذي على كل ثوري يعتقد بأن النضال الطبقة العاملة هو البديل الوحيد لهمجية الرأسمالية المصرية في نهاية القرن العشرين، أن يجيب عليه.

لماذا إذن لم تتقدم حركة الطبقة العاملة من 1984 إلى 1994 (وبينما 1986 السكة الحديد، و1989 الحديد والصلب) كثيرًا؟
الإجابة تبدأ من رصد السمات الرئيسية لنضال كفر الدوار 1994، وللنضالات العمالية في الربع قرن الأخير على وجه العموم. في هذه الفترة الممتدة أخذت النضالات العمالية في مصر، في فترات المد، شكل الومضات المشتعلة والباهرة، ولكن القصيرة والغير قادرة على التوسع. وغالبًا ما كانت هذه الومضات تنطفئ على يد جهاز القمع الغاشم الذي يفتح النار على العمال في نفس الوقت الذي ترضخ فيه الدولة لمعظم المطالب العمالية التي كانت في الأغلب الأعم مطالب اقتصادية تخص أكل العيش في مصنع واحد. وفي الغالبية العظمى من الحالات، لم تخلف هذه النضالات العفوية والمفاجئة للجميع، أي أشكال نضالية للحياة والاستمرار فترة طويلة.. لم تخلف مثلاً نقابات قاعدية مستقلة تطرح نفسها كبديل نضالي للنقابات الصفراء، لم تخلف صناديق تضامن، ولا لجان مندوبين، لم تصمد طويلاً لامتحان الزمن، في بعض المواقع المحدودة.

المأساة الأكبر كانت أن القيادات العمالية في معظم النضالات العمالية العفوية تلك، والتي كانت تدور أحداثها دائمًا في القطاع العام، ظلت مبتزة بالوهم الوطني الناصري، وهم الدفاع عن القطاع العام. لقد كانت اللغة السياسية التي تطرحها القيادات، تلك القيادات العفوية التي كفرت بالتنظيم النقابي الرسمي، ممزوجة بروح وطنية غالبة لغة تعتبر من أولوياتها إخراج الشركة من عثرتها وتحويل الخسارة إلى ربح. وعلى ذلك، فبدلاً من أن تسعى هذه القيادات إلى إعادة ترتيب أولويات النضال لصبح مصالح العمال في المقدمة، طرحت هذه القيادات إلى إعادة ترتيب أولويات النضال لتصبح مصالح لا تتناقض مع مصالح رأسمالية الدولة، لذلك فالمطلوب أن تعود الدولة إلى جادة الصواب لتحمي القلاع الوطنية من الخسارة. وتحمى أيضًا العمال من الإفقار والتشريد”. لم تدرك هذه القيادات أن الدولة، الرأسمالية، أدرى بمصالحها، وأن عهد رأسمالية الدولة قد ولى إلى غير رجعة، وأنه من الأجدر بالقيادات العمالية أن تجذر في وعي العمال شعار “مصالحنا تتناقض مع مصالح رأس المال، وعلينا الدفاع عن مصالحنا ضد مصالح رأس المال، في القطاعين العام والخاص على حد سواء”.

إن تفسير هذه السمات التي تميز الحركة العمالية المصرية في الربع قرن الأخير يكون أمرًا أسهل نسبيًا إذ ما وضعنا في اعتبارنا مسألة في غاية الأهمية ألا هي خصوصية الطبقة الحاكمة المصرية. الطبقة الحاكمة المصرية – مثلها في ذلك مثل معظم الطبقات الحاكمة التي اتبعت بهذا القدر أو ذلك على مدى سنوات الخمسينات والستينات إستراتيجية التنمية المستقلة ورأسمالية الدولة – أصبحت مضطرة في الربع القرن الأخير، وخاصة في الخمس سنوات الماضية، للتخلي عن سياساتها القديمة للهجوم على العمل، والفقراء عامة، وتقليص مكتسباتهم. ولكنها، على خلاف معظم برجوازيات رأسمالية الدولة في العالم، كانت قادرة على تحقيق هذا التحول الضخم بشكل تدريجي، وفقًا لسياسة الجرعات المحدودة. وهنا بالضبط يكمن كل من قوة وضعف الطبقة الحاكمة المصرية. من ناحية أولى يمكننا اعتبار أن هذه السياسية بمثابة ضعف في قدرة البرجوازية على تمرير سياساتها دفعة واحدة كما حدث في دول أخرى وعلى فرض إرادتها على الجماهير التي ستدفع لمن هذه السياسات ولكن النظر إلى هذه الحقيقة من زاوية أخرى يمكننا القول أنه أيضًا مكمن قوة الدولة. فإذا كانت الطبقة الحاكمة المصرية قادرة على أن تظل حية ومتماسكة دون التمرير السريع لسياساتها فإن هذا معناه أنها تمتلك من القوة ما لا تمتلكه طبقات حاكمة أخرى كثيرة لم تستطع أن تحتفظ بتوازنها في عملية كهذه.

إن مزيج القوة والضعف هذا قد يكون هو التفسير لخمود الحركة العمالية. فطوال الربع قرن الأخير، كلما هجمت الطبقة الحاكمة على العمال هجمة كبرى وجدت ردًا عماليًا قويًا بردها عن التقدم للأمام، فيتم تجميد مشروع الهجوم إلى وقت لاحق. وهكذا بينما تقوم الدولة بسحق الحركة العمال سحقًا دمويًا، تقوم في الوقت ذاته بالرجوع عن هجمتها وتلبية مطالب العمال ويخرج العمال من الحركة بخبرة أليمة مفادها أن ثمن النضال هو الدماء، وبانتصار محدود لكن مهم مضمونة هو إيقاف الهجمة أو إبطاء حركتها. وكلا الأمرين يضعف من الحركة العمالية ويقلل من إمكانية امتدادها واتساعها.

ولإكمال الصورة علينا أن نضيف إلى هذا العنصر الأساسي، عنصر خصوصية البرجوازية المصرية، جملة من العوامل الذاتية والموضوعية المتشابكة منها: ضعف وعزلة وحلقية اليسار الثوري في مصر، عدم دخول عمال القطاع الخاص بشكل جدي في النضال ضد الرأسمالية، غالبًا بسبب عدم تمركزهم، وبسبب غلبة الأصول الفلاحية على عدد وافر منهم، الدور الانتهازي لكثير من القيادات العمالية…. وغيره.

والنتيجة هي مراوحة الطبقة العاملة المصرية في مكانها لمدة ما يقرب من ربع قرن: نضالات عفوية باهرة وقصيرة سرعان ما تنطفئ قبل أن تتجذر أو تتوسع. ولكن الآن جد جديد في الوضع. لم تعد الطبقة الحاكمة قادرة على تمرير سياساتها ببطء كالسابق.. والدليل على ذلك هو جنون الإصلاح والخصخصة الذي ينتاب البرجوازية المصرية بعد سنوات من التباطؤ الذي دفعت ثمنه غالبًا من خسارة مواقع المنافسة العالمية.

الآن يمكننا أن نترقب بقدر معقول من الثقة، مد جديد في الحركة العمالية المصرية. مد يكنس في طريقة كل الأوهام القديمة، والأشكال القديمة التي انتعشت وترعرعت في ظلها الانتهازية والإحباط والتراجع. وعلينا، وعلى كل الثوريين، الاستعداد لهذا المد القادم حتى تتمكن من دفعه للأمام، ومن الاستفادة من كل إمكانية (حول كيفية الاستعداد لهذا ألد انظر الخطوط العريضة المطروحة في مقال “الحركة العمالية المصرية في مفترق الطرق – الجزء الثالث”). إن تحرك الطبقة العاملة ولو خطوة واحدة للأمام، يعني تهاوي عروش عديدة طال بقاؤها أكثر من اللازم. ولسوف نتعلم نحن الكثير من حركة العمال. هذا إذا كنا مستعدين أن نتعلم.