انتصار كبير لعمال المناجم في رومانيا
في ملحمة نضالية رائعة وجه عمال المناجم الرومانيون ضربة موجعة لحكومتهم ولقنوها درساً قاسياً أعاد إلى الأذهان إضرابهم العنيف ومظاهراتهم الحاشدة التي أدت إلى سقوط أول حكومة منتخبة في بداية التسعينيات بعد انهيار نظام الدكتاتور الستاليني نقولاي شاوشيسكو.
بدأت المعركة بمحاولة الحكومة الرومانية غلق أكثر من 140 منجم بمنطقة (جوي فالي) مما كان سيؤدي إلي فقدان أكثر من 2000 عامل لوظائفهم في إطار خطة تقشف تقوم بها الحكومة تحت إشراف صندوق النقد الدولي من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد الروماني ودفع 2.5 مليار دولار من الديون الخارجية. فأضرب أكثر من عشرة آلاف عامل يوم 4 يناير مطالبين بعدم غلق المناجم وإعادة فتح منجمين تم غلقها العام الماضي وزيادة أجورهم بنسبة 35% ودفع تعويض قدره عشرة آلاف دولار في حالة فصل أي عامل من وظيفته. وحذر رئيس نقابة عمال المناجم الشهير ميرون كوزما في يوم 5 يناير بأن العمال سيتظاهرون في شوارع العاصمة بوخارست نفسها إذا لم تجاب مطالبهم.
صمت الحكومة الرومانية أذنيها تماماً عن مطالب العمال ونداءاتهم فتوالي عقد المؤتمرات الجماهيرية والمظاهرات الحاشدة في مدينة (بترساني) كبري مدن (جوي فالي)، هاجم العمال الحكومة بشدة وارتفعت الشعارات التي تنادي بالدفاع عن (جوي فالي) ضد حكومة اللصوص والكذابين ووافقت أغلبيتهم علي السفر إلى (بوخارست) للقيام بمظاهرة أمام مقر الحكومة. فما كان من الحكومة إلا أن رفضت تأجير قطارات للعمال لنقلهم إلي العاصمة وأرسلت يوم 12 يناير إمدادات من 3000 جندي من قوات مكافحة الشغب مزودين بشاحنات بالرمال لسد الطرق الرئيسية في (بتروساني) لمنع العمال من القيام بتظاهرات أو مسيرات. وأصدرت إحدى محاكم (جوي فالي) حكماً بعدم قانونية الإضراب وأمرت المحكمة العمال بالعودة إلى العمل فوراً.
أمام هذا التعنت والصلف من جانب السلطات صوت أكثر من 11000 عامل في اجتماع جماهيري على الزحف على العاصمة سيراً علي الأقدام أو محملين علي عربات النقل. ومن الجدير بالذكر أن العاصمة (بوخارست) تبعد 350 كيلو متراً عن (بترساني). تزود الجميع بالملابس الثقيلة والمعاول والفئوس وبدءوا المسيرة يوم 18 يناير في طابور طويل قوامه ما يزيد عن 7000 عامل مرددين الهتاف “إلى بوخارست! إلى بوخارست!”
حاولت قوات مكافحة الشغب وقف مسيرة العمال يوم 19 يناير بإقامة حواجز رملية وسلاسل بشرية من الجنود المزودين بالدروع وقامت بإطلاق القذائف المسيلة للدموع علي جموع العمال. فرد العمال بإلقاء الأحجار علي الجنود واجتاحوا الحواجز الرملية واشتبكوا مع الصفوف الأمامية منهم، فهرول الجنود متراجعين إلي عرباتهم وفروا من أمام العمال الذين استمروا في مسيرتهم وهم أكثر ثقة في قدرتهم علي انتزاع النصر وارتفعت الهتافات المطالبة بإسقاط الحكومة.
تقدم العمال صوب مدينة (ريمنيسيو فيليسيا) والتي تقع 175 كيلو متراً شمال (بوخارست)، فأرسلت الحكومة مرة أخري مئات من جنود مكافحة الشغب وعشرات العربات المدرعة لملاقاتهم في منتصف الطريق، ووصف رئيس رومانيا (إميل كونستاتتيسو) الموقف بأنه خطير ودعا البرلمان للانعقاد. وأثناء ذلك توقف العمال لالتقاط أنفاسهم وللتشاور حول ما إذا كان سيواجهون القوات الجديدة أم سيتراجعون. ولم يحتاج العمال لوقت طويل لاتخاذ القرار، إذ قرروا مهاجمة الحواجز الأمنية وتكملة المسيرة. وبالفعل بدأ العمال هجومهم بإلقاء الأحجار وقنابل كوكتيل المولوتوف علي قوات الأمن واجتاحوا الحواجز الأمنية المدعمة بالخرسانة ليشتبكوا مع الجنود في قتال عنيف بالأيادي والمعاول والفئوس. وانضم إليهم المواطنون سكان المنطقة وأعملوا الضرب والركل والسحل في الجنود والضباط الذين ولوا الأدبار هاربين وسط الغابات فيطاردهم العمال والمواطنون ليكملوا العلقة الساخنة ويحتجزوا مؤقتاً أكثر من خمسين ضابط كرهائن.
ومنذ بداية المسيرة تمتع عمال المناجم بتأييد قوي من الجماهير الرومانية، وقد كان المواطنون يصطفون على جانبي الطريق لتحية العمال ورددوا معهم هتافاتهم المعادية للحكومة وزودوهم بالطعام والشراب، بل وبدأت تقوم مظاهرات تضامن قوية في مدينة (رينسيو فيليسيا) التي كان العمال متجهين إليها. وهنا جن جنون الرئيس الروماني فقام بعزل وزير الداخلية ومدير الأمن العام وقائد المحاولتين الفاشلتين لوقف زحف العمال، ثم قام بتعيين وزير الدفاع السابق في منصب وزير الداخلية وهدد بفرض الأحكام العرفية وإعلان حالة الطوارئ “لإنقاذ البلاد من خطر عمال المناجم”.
وفي الوقت نفسه هرولت الحكومة لكوزما وباقي زعماء نقابة عمال المناجم لبدأ التفاوض حول وقف المسيرة وإنهاء الإضراب. وأسفرت المفاوضات عن التوصل إلى اتفاق يوم 22 يناير يمثل انتصاراً ساحقاً للعمال، إذ وافقت الحكومة على رفع أجور العمال بنسبة 30% والتعهد بعدم غلق المائة وأربعين منجم المقرر غلقهم وفتح المنجمين الذين تم غلقهما العام الماضي. وعند ذلك قرر العمال وقف مسيرتهم والرجوع إلى (جوي فالي) مستقلين القطارات والعربات وهم يلوحون بالأعلام ويغنون احتفالاً بالنصر.
وفي اليوم التالي خرجت المانشيتات الرئيسية للصحف البرجوازية العالمية تنتقد الحكومة الرومانية “لاستسلامها أمام هؤلاء العمال الغجر الذين لا يفهمون مصلحتهم ولا يفهمون أهمية إصلاحات السوق!!”
فخرجت المانشيت الرئيسي لجريدة رجال الأعمال الشهيرة (فاينانشيال تايمز) يقول “انتصار عمال المناجم يعرقل مسيرة الإصلاح”، وفي نفس المقال انتقد “الخبراء الاقتصاديون” تساهل الحكومة وضعفها ونبهوا لضرورة وجود حكومة قوية تستطيع تنفيذ إصلاحات السوق وعدم الوقوف أمام العقبات (ومن المرجح أنهم كانوا يعنون حكومة مثل حكومة بينوشيه جزار شيلي!) وحذر المقال في نهايته بأن انتصار عمال المناجم سيؤدي لتشجيع العمال في باقي القطاعات لإتباع نفس الأساليب!
إن الملحمة البطولية التي قام بها العمال الرومانيون تحت لواء نقابتهم لا تعني إمكانية الاستغناء عن الحزب الثوري والاستعاضة بالنقابات عنه كما ينادي بعض الفوضويين والنقابويين، فالنقابات مهما بلغت راديكاليتها لا تهدف إلي الإطاحة بالنظام الرأسمالي بل تحسين ظروف وشروط الاستغلال في إطاره، وفي وقت الأزمات الثورية قلما وجدنا النقابات في طليعة القوي الثورية بل نجد البيروقراطية النقابية تحاول جاهدة تحجيم نشاط العمال للحفاظ على امتيازاتها في ظل النظام الرأسمالي. إن أرقى مستوي تنظيمي للطبقة العاملة هو الحزب العمالي الثوري الذي يضم في صفوفه الطليعة العمالية التي تهدف إلى الإطاحة بالرأسمالية وليس إصلاحها.
ولكننا يجب أن نكون واعيين تماماً بأهمية المكاسب الاقتصادية للعمال عن طريق النضال النقابي، فانتصارات جزئية مثل رفع الأجور وتحسين ظروف العمل تعطي ثقة كبيرة للعمال في قدرتهم علي التغيير. ولذا يجب على الحزب الثوري الانخراط في الصراعات اليومية النقابية واستخدام النقابات كمنابر للدعاية للأفكار الثورية مع الحرص البالغ علي عدم الانخراط عن طريق الثوري والفرق في النضال الإصلاحي النقابي، ويتطلب ذلك حرصاً بالغاً وتماسكاً قوياً حول المشروع الثوري الذي يتبناه الحزب.





