بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

ورقة سياسية

قراءة أولية في الاحتجاجات العمالية الراهنة

بات ظاهرا للعيان في الآونة الأخيرة ارتفاع وتيرة الاحتجاجات العمالية في كافة المواقع الصناعية. ولم يعد يمر شهر إلا وتقع العديد من الاعتصامات والاحتجاجات في كافة المواقع الصناعية .فقد شملت التحركات العمالية الأخيرة المراكز الصناعية التقليدية مثل حلوان وشبرا والاسكندرية والمحلة جنبا إلى جنب مع تحركات عمال المدن الجديدة مثل العاشر من رمضان و6 أكتوبر .فضلا عن التحركات التي نظمها سائقو السرفيس في المحافظات على آثر ارتفاع سعر السولار.

وظهر واضحا كذلك التعامل الجدى لأجهزة الدولة مع هذه الاحتجاجات والسعى السريع إلى اجهاضها وفضها خشية تحولها إلى هبة جماهيرية على خلفية الأزمة الاقتصادية .وقد عكس هذا ذاته أيضا في عودة صحف المعارضة إلى فرد مساحات أوسع لاحتجاجات العمال بعد تراجع لآفت للنظر . ويمكن القول إن هذه الاحتجاجات لها مدلولات مهمة ليس فقط من زاوية إنها تضع نقطة الختام لما يروج له عن انتهاء عصر الطبقة العاملة ودورها في عملية التغيير الاجتماعي ولكنها كذلك إلى تقاطعها مع منعطف خطير يسعى فيه الحكم المفلس إلى تمديد فترة رئاسته تمهيدا لتوريث الحكم إلى نجله جمال.

وكذلك إلى تحديها المباشر وغير المباشر لما يتم الترويج له من سياسات اقتصادية تستهدف وفقا للمسئولين مصلحة محدودى الدخل .هذا بالإضافة إلى  الغضب المكتوم داخل الأوساط الشعبية نتيجة لاستمرار الاحتلال الأمريكي للعراق وتواصل القمع الصهيونى الوحشى في فلسطين المحتلة.وبالأرقام نستطيع أن نرصد 712 تحركًا عماليا من بداية 1998 حتى منتصف 2004 حيث  شهدت سنة 1998، 115 احتجاجا منها 40 إضرابًا و18 اعتصامًا و14 مظاهرة و43 تحركًا آخر، ثم قفز حجم الاحتجاجات لتكون 164 في عام 1999 ثم 135 في عام 2000 ثم 138 في عام 2001 و96 احتجاج في عام 2002 و86 في عام 2003 و74 احتجاجًا من يناير حتي يونيو 2004. ومن المتوقع أن ترتفع وتيرة الاحتجاجات هذا العام  لتتخطى اعدادها ال 120 احتجاجا.

أسباب الاحتجاجات العمالية الراهنة:
كان تشكيل حكومة د.أحمد نظيف  الجديدة علامة على تسريع الهجوم على حقوق العمال واستكمال برنامج الخصخصة باعتباره من وجهة نظرها طوق النجاة من الأزمة الراهنة التي تكاد تخنق الرأسمالية المصرية.

وفي هذا السياق تم تسريع التحرك نحو تصفية واعادة هيكلة المتبقى من شركات قطاع الأعمال وهو ما خلق صدامات بين الادارة وبين العاملين في بعض هذ الشركات كالاسماك والكراكات واسكو على سبيل المثال ،وكذلك في الشركات التي  تم خصخصتها بالفعل مثل النشا والجلوكوز.

كما أصدر الدكتور نظيف قرارا بوقف التعيينات نهائيا في الحكومة في وقت يتخرج فيه سنويا من الجامعات والمعاهد العليا حوإلى 2مليون شاب .في الوقت الذي لم يتم فيه تعيين خريجى دفعات 2002 و2003 و2004 ومعظمهم من أبناء العمال والطبقة الوسطى. كما قرر الغاء الدعم عبر مشروع مغنطة بطاقات التموين فضلا عن حديثه الجاد عن رفع سعر الرغيف.

كما تم رفع الأسعار على أثر الزيادة التي لحقت بسعر السولار وما استتبعه من موجه جديدة لارتفاع الأسعار.

ومن المتوقع ان يؤدى قانون الضرائب الجديدة المقرر تمريره من مجلس الشعب خلال الشهر القادم  إلى زيادة جديدة في الأسعار.

كما إن استمرار الحكومة في رفع شعار جذب الاستثمارات وهى السياسة الفاشلة فيها تماما والتي تحتل فيه المرتبة 134 على مستوى العالم وكذا الاعتماد على التصدير الذي لا يشكل نسبة محسوسة في الاقتصاد المصري فضلا عن استمرار الركود ساعد كل هذا في إطلاق يد رجال الأعمال في المدن الجديدة للتنكيل بالعمال والهجوم على أجورهم في محاولة لتخفيض النفقات  بحجة رفع درجة التنافسية. وتشير دراسة لمجلة ميدل ايست تايمز أن هناك نحو 40ألف عامل قد تم تشريدهم نتيجة إغلاق 150 مصنع في مدينة 6اكتوبر في فبراير الماضي. وفي مدينة العاشر تم إغلاق 15بالمئة من مصانعها خلال ديسمبر الماضي، بينما تم إغلاق 179 شركة و400 خط إنتاج في مدينة برج العرب.فضل عن 50 بالمئة من مصانع مدينة السادات.

هذه التطورات تواكبت مع مناسبات مهمة تضع أعباء إضافية على كاهل الأسرة المصرية وفي مقدمتها مصاريف المدارس ، وحلول شهر رمضان.

الأسباب المباشرة:
إذا كان الفصل التعسفي قد أحتل مقدمة أسباب احتجاجات العام الماضي وبالتالي كان القطاع الخاص هو صاحب السبق في عدد الاحتجاجات فإن التطورات التي جرت هذا العام خاصة مع الضغوط الدولية لاستكمال برنامج الخصخصة مع التغير إلى تشهده العلاقات الأمريكية مع النظام المصري في ظل إدارة بوش قد جعل قطاع الأعمال يحتل المقدمة خلال هذا العام ووفقا لدراسة لمركز الأرض فإن من بين 74تحركا عماليا في الشهور الستة الأولى من هذا العام شكل قطاع الأعمال حوالي 29احتجاجا عماليا وفي الهيئات الحكومة وصلت إلى 21احتجاجا، في حين بلغت احتجاجات القطاع الخاص 21 احتجاجا.

وهو ما نستطيع أن نؤكد استمرار تبوء عمال قطاع الأعمال مقدمة الاحتجاجات في الشهور التي تلت إعداد تقرير مركز الأرض وحتى الآن.

أما عن أسباب الاحتجاجات فكانت أعلى الاحتجاجات في القطاعات الثلاثة خلال الشهور الستة الماضية بسبب عدم صرف المستحقات المالية للعاملين من بدلات وحوافز 21احتجاجا .يليه 16احتجاج بسبب الفصل التعسفي، ثم كان هناك 13احتجاج بسبب عدم صرف أجور ومرتبات العاملين، كما كان هناك 5احتجاجات بسبب عدم تثبيت العمالة.وكان هناك ثلاثة احتجاجات  بسبب طرد العمال من السكن وبسبب تصفية الشركة أو تدهور بيئة العمل أو الخروج على المعاش المبكر.كما رصد التقرير حالتي احتجاج بسبب بيع الشركة وإصابة العمل وحالة واحدة لأسباب النقل التعسفي.

سمات الاحتجاجات:  

تلاحظ من الاحتجاجات التي شهدتها  المواقع العمالية في الفترة الأخيرة ما يلي:

  1. استمرارية عدد واسع من الاحتجاجات لفترات طويلة سواء كان هذا عبر تنظيم اعتصام مفتوح الفوسفات – الأسبستوس – أسكو أو موجات من الاحتجاجات المتتالية في ذات الشركة مثل  العربية للطوب – الأسماك – السامولى.
  2. عدم التفات عدد من قادة هذه الاحتجاجات إلى حاجز قانونية الاضراب ،وإن كان  النص القانونى المكبل للإضراب في قانون العمل الجديد ما زال يشكل عقبة أمام تنظيم اضرابات في عدد مهم من هذه الاحتجاجات والاكتفاء بسلاح الاعتصام.
  3. شهدت عدد قليل من الاحتجاجات تحركات لأكثر من فرع في ذات الوقت وهى تعبر بالطبع عن تنظيم ارقى كالكراكات وفوسفات أبو طرطور، كما شهد فرعى شركة النشا والجلوكوز بمسطرد وحلوان اعتصامين في ذات الوقت، وخرج العمال من أبواب الشركة في حلوان ورفعوا الافتات للمطالبة بحقوقهم.
  4. معظم قادة الاحتجاجات شابة خاصة في القطاع الخاص ، ولكنها تفتقد للوعى النقابى والسياسى مثلها في ذلك مثل معظم قادة الاحتجاجات  في قطاع الأعمال.
  5. أسباب الاحتجاجات اقتصادية ومصنعية بشكل رئيسي، وهى عفوية بالأساس،وهى تدور كرد فعل للأعتداء على حقوق كان يغلب عليها صفة الاستقرار.
  6. عدد من الاحتجاجات كان بمثابة المعركة الاخيرة لعمال عدد من الشركات التي يتم تصفيتها.
  7. يلعب ضباط أمن الدولة الدور المحورى في المفاوضات مع العمال ويسعى إلى امتصاص غضبة لعمال، واحتوائهم ويظهرون لهم دائما إن هناك خط أحمر لا يجب تجاوزه وهو خروج الاحتجاجات إلى الشارع او امتدادها إلى شركات أخرى.
  8. غابت الاعتصامات التضامنية تماما،وفي عدد كبير من الاحتجاجات يتم فض الاحتجاج بناء على وعود شفوية من قبل المسئولين.
  9. لم يلعب اليسار بكل اتجاهاته سوى دورا محدودا جدا في هذه التحركات سواء كان ذلك عبر وجود عناصر عمالية له داخل الشركات أو عبر التضامن مع هذه التحركات.
  10. عدد مهم من هذه الاحتجاجات خاصة في قطاع الأعمال كانت اللجنة النقابية والنقابة العامة تقف ضده في حين كانت معظم اللجان النقابية، القليلة اصلا، في القطاع الخاص في الغالب على رأس تحركات العمال.

ومن الممكن رصد عدد من أوجه القصور التي تضعف حركة العمال ومن أبرزها :

  1. غياب القيادات النقابية ذات الوعي.
  2. غياب لجان عمالية بالمواقع.
  3. غياب النقابات المستقلة أو الجمعيات أو الروابط .
  4. ضعف الأحزاب العمالية اليسارية  وتفككها وهشاشة وزنها.
  5. ضعف الإعلام الإعلامي.
  6. عدم وجود مطالب عمالية متبلورة يلتف حولها جموع العمال مثل عقود العمل الدائمة،إعانات البطالة،حق الإضراب الخ.

تأثير التحركات الأخيرة:

اعطت التحركات الأخيرة زخما للعديد من العناصر اليسارية من أجل تفعيل جهودها نحو توحيد القيادات العمالية واليسارية والمهتمة بالحركة العمالية في  إطار اللجنة التنسيقية،باعتبار إن هذه اللجنة تستطيع أن تكون، بقدر من العمل والجهد والاتفاق المبدئى بين كل أطرافها، بيتا يحتضن العمال المناضلين ، ويصوغ معهم مطالبهم ،وينظم معهم أوسع حملات تضامن ، ويعمل بجد لإنشاء فروع موقعية له في كل المواقع العمالية.

كما تتزايد المناقشات بين أوساط المهتمين بالحركة العمالية من أجل توحيد الجهود لتأسيس لجان عمالية في المواقع الصناعية.

كما عادت أخبار الاحتجاجات والاضرابات لتحتل مساحات مهمة من الصحف الحزبية، كالأهالي والعربي، والمستقلة كصوت الأمة وأيضا بعض المجلات الحكومية مثل روز اليوسف  بل إن قناة الجزيرة أذاعت خبرا عن احتجاجات عمال الشحن والتفريغ بالإسكندرية.

كما ظهر أول موقع عمإلى على الانترنيت وهو منبر العمال، وبالتالي نستطيع القول إن هناك عملية إعادة إحياء لليسار المناضل بدأت بشكل جنيني وسط صفوف الطبقة العاملة وهى مهمة غاية في الصعوبة ولكنها مركزية بالنسبة لدور اليسار في الفترة المقبلة.

التوقعات:

ما زلنا نتوقع استمرار وتيرة الاحتجاجات العمالية في التصاعد في الفترة القريبة المقبلة للعديد من الأسباب أهمها:

أولا: الجماهير العمالية لم يعد لديها ما تخسره.. فالأوضاع من سيئ إلى أسوأ.. والأسعار تنطلق بسرعة الصاروخ.. قوانين جديدة للتأمينات الصحية والاجتماعية في الطريق.. كلام يعلو ويتردد عن رغبة أصحاب الأعمال في تعديل قانون العمل الجديد .ومن زاوية أخرى بدأ أصحاب الأعمال بالفعل في تغيير العقود التي ابرموها مع العمال وإبرام عقود محددة المدة وفقا للقانون.

ثانيا: العام المقبل هو عام  مهم جدا بالنسبة للرأسمالية المصرية،فهي تستعد من الآن لإعادة ترتيب أوضاعها محليا (التمديد –التوريث)، وإقليميا للعب دور في خدمة أمريكا وإسرائيل في الوقت الذي لا يبدو هناك ضوء في نهاية الممر ،بل وتشير كافة الدلائل على إن استراتيجية الحكومة الراهنة لا تخرج عن تكثيف الاستغلال والنهب المنظم كما إن فوز بوش في الانتخابات الأمريكية سيؤدى إلى  تقليص أكبر لحجم المعونات الأمريكية وضغوطا اكبر من اجل الخصخصة  وإلغاء الدعم نهائيا.

ثالثا: الاهتمام البادي للقوى اليسارية لحشد جهودها من اجل دعم الحركة العمالية المناضلة.

رابعا: حالة التسييس التي تتسارع وسط العمال وغيرهم من فئات المجتمع بما تعنيه من  إمكانيات حقيقية لتطور سريع في الوعي العمالي خاصة في ظل ظروف العام المقبل التي أشرنا إليها خاصة إن المعارضة وفي القلب منها القوى اليسارية أعلنت عن عملها وسط الجماهير لتنظيم حملة مناهضة للتمديد لمبارك. وهو ما يتطلب من الحركات المطالبة بالتغيير،خاصة اليسارية التي ترى التغيير في بعده الاجتماعي، الالتفات إلى العمل في المواقع العمالية والربط بين مطالب العمال وبين شعارات الحملة المعلنة لا للتمديد.. لا للتجويع.. لا للتوريث.

ما العمل؟

وأخيرا ..نرى إن هناك أهمية في ضوء هذه المعطيات  أن نتحرك بدأب وفي ضوء إمكانياتنا، من أجل إنجاز المهام الملحة التالية:

  1. توحيد الجهود من أجل بناء اللجنة التنسيقية داخل المواقع العمالية لتكون صوتا للعمال.
  2. إصدار النشرات المصنعية والموقعية والسعى نحو إصدار جريدة عمالية،باشتراكات العمال وطلائعهم السياسية، تنظم المواقع العمالية وتنقل الخبرة وتوحد مطالب العمال.
  3. تأسيس لجان موقعية بالمناطق الصناعية مع التركيز على وضع القدم في المدن الجديدة.
  4. بلورة عدد من المطالب العمالية وعمل أوسع دعاية لها.
  5. بذل الجهد من أجل خلق جيل جديد من القيادات العمالية الشابة الواعية نقابيا وسياسيا بقضايا طبقتهم.