قصة إضراب «فاركو».. بين صمود العمال وسطوة رجال الأعمال

اليوم الحادي والثلاثين من أكتوبر آخر أيام الشهر.. الساعة الآن الرابعة عصراً. ينهي أحد العمال عمله على إحدى ماكينات مصنع “فاركو للأدوية” ثم يبتسم.. لقد اقترب موعد تسلُم الراتب. يمني نفسه بأماني مطالب أسرته المتكررة.. يذهب للخزينة ليفاجئ أنه لن ينال راتبه الذي كان يتوقعه بل سوف يكون منقوصاً بأوامر من صاحب “دولة فاركو”. وعندما تجرأ على الاستفسار فوجئ بأن الشركة سوف تكون مغلقة لمدة شهر. أما عندما أبدى قلقه، وجد إعلانا بالجريدة الرسمية لإدارة الشركة تطلب عمالا جدد، وأنه في طريقه إلى طابور المشردين.
ففي مصانع فاركو الأربعة، فوجئ العمال الذين يتجاوز عددهم 5000 عامل أنهم أصبحوا في الشارع بلا عمل بعد أن أصدر شيرين عباس، نائب رئيس مجلس الإدارة ونجل صاحب الشركة، قرارا بتغيير نظام العلاوات متجاهلا الاتفاق الذي تم بينه وبين عمال المصانع في وجود “الحاكم العسكري” منذ عامين، والذي نص على صرف علاوة 17% كاملة للعمال.. لكن ماذا حدث ليحنث الرجل اتفاقه؟
يقول العمال أن وضع الدولة لم يتغير ولا تزال الدولة تدافع عن حقوق رجال الأعمال، وهو ما شجع “شيرين” على القيام بهذا العمل دون خوف من خرق اتفاقة مع العسكر آنذاك؛ فسياسات الدولة الاقتصادية الحالية لا تعني له سوى رسائل تطمين لفعل ما يريد في دولته وهو ما أكده كلام شيرين للعمال: “إن كنتم تريدون قانون العمل، لن تحصلوا على شيء. أما إن كنتم تريدون الفوز، فعليكم العمل بقوانين دولة فاركو”. هكذا يرى وهكذا يرى مثله رجال المال والأعمال مصر باعتبارها دولتهم هم.
ظل عمال فاركو المناضلون يواجهون تعسف الإدارة وتهديدها قبل 25 يناير وبعدها، وفي كل مرة يلجئون للطرق الودية وسلاح الإضراب الجزئي محاولين بشتى الطرق الانتظام في أعمالهم والحفاظ على قوت يومهم، وفي كل مرة يقوم “شيرين” بإجهاض أحلامهم حيث أن خطط الرجل الاقتصادية مرتبطة بالأرباح ولا شيء سوى الأرباح.
وكل ذلك في ظل ترويج الإعلام الدائم والمضلل حول أن العمال لا يعملون بجهدهم ولا طاقتهم الكاملة. وينكشف هذا الكذب عندما ننظر إلى الأرباح على سبيل المثال نجد أن مصانع فاركو حققت خطتها الإنتاجية السنوية في العاشر من شهر يوليو من عام 2013، أي قبل موعدها بـ 5 أشهر كاملة بناءا على تعليمات “شيرين عباس” الذي كدس مخازنه بالأدوية ليحاول تحقيق أكبر مكاسب ممكنة.
ولم يكن تكديس الدواء هو الطريق الوحيد لزيادة الربح، ولكن أيضا التخلص من العمال القدامى الذين يحصلون على رواتب تبدو في نظر الإدارة عالية، ثم استغلال عمال جدد لتحقيق مكاسب أكبر، ثم طردهم مرة أخرى كما فعل مع من قبلهم إضافة إلي “تعطيش السوق” من أدوية معينة ليقوم بزيادة أسعارها بحجه تحت ضغط الطلب.
إن نضال العمال بالطبع يقابله تعنت وشراسة من رجال الأعمال، فبعد الطرق الودية يتخذ العمال سلاح الإضراب لتنفيذ مطالبهم وحينها يلجأ رجل الأعمال للقوانين التي تحميه ليُتهم عمال “فاركو” بتعطيل العمل واتهام بعضهم بـ”التحريض على الإضراب”، وزيادة في الضغط علي العمال يتم التحقيق مع بعض منهم بتهمة “قيادة الإضراب” ورفض السياسة المالية للشركة.
إن بعض شباب العمال الذين يثق بهم زملائهم ساعدوا في قيادة احتجاج العمال الأخير وتحريك النقابة المستقلة أيضا، وهذا يعد مثلا رائعا على المراقبة القاعدية للقيادات فهم قادرون على سحب الثقة منها إذا تخلت عن طموحاتهم، وقاردون على مساندتها ومساعدتها إذا استطاعت الإتيان بحقوقهم المسلوبة.
إن المفارقة الأكثر غرابة في قصة إضراب “فاركو” هي أن “شيرين”، وهو من قام بطرد عمال المصنع، يلقي خطبة عن العمال وحقوقهم بعد 25 يناير و30 يونيو في أفخم فندق في الإسكندرية!
ورغم سطوة رجال الأعمال، إلا أن إصرار العمال كان دائما عنصرا حاسما في تحقيق مطالب العمال بداية من المطالب الصغيرة وحتي الإدارة الذاتية، فإذا كانت مطالب عمال فاركو الآن هي تنفيذ نظام العلاوة القديم، فقد سبقهم علي سبيل المثال لا الحصر عمال مصنع قوطة للصلب ومروا بأزمات مشابهة إلى أن وصلوا في خطوات انتصارهم وتحقيق مطالبهم إلى إدارة المصنع ذاتيا وحصولهم على حكم قضائي بتمليكهم المصنع وإدارته بواسطة العمال، بمعنى أدق بدون صاحب مصنع أو نجل صاحب مصنع.
ومع انتظار عمال فاركو في صباح كل يوم لفتح بوابات المصنع، تزداد قوة صمودهم وإصرارهم على مطالبهم ونقول لهم أن الحق لن يضيع طالما وراؤه من يصر عليه ويقاتل من أجله دون تعب ودون يأس.





