بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قصة قديمة/حديثة عن أهالي “الدويقة” و”صخرة” الوطن والـ 24 مترا بتوع ساويرس!

المكان: مساكن الدويقة، تابعة منشية “منشأة للمتقعرين” ناصر، خلف مساكن الحرفيين
الزمان: 21/3/2010
الحدث: عيد الأم، أو منزلك؟ كنتَ تراه، الآن لا تراه

لديك ما يكفيك من أرض وبيت
وليس ما يكفي جميع الناس
والأرض ملأى بالتراب
انهض وناضل

عدة جرّافات، عشرة سيارات أمن مركزي – بجنودها -، (مصطفى عبادة)، نائب رئيس الحي، يأمر بهدم البيوت التي غادرها سكانها في سفرية قصيرة للسلام على الأمهات في البلدات، بدعوى أنها في منطقة “خِطرة”، أما تلك التي لم يتركها قاطنوها فأمرهم بإخلائها، أعطى الجميع “خطابات” بتسليم شقق لهم في منطقة أخرى، لا يعرفونها، ثم يشخط في وجوههم ويرحل.
تحكي إحدى النساء المتشحات بالسواد أنه كان “يرضخ” لمن يعطيه من ألفي إلى خمسة آلاف جنيه، ويرضى على مضض بأن يبقى في بيته بالدويقة..

تصرخ النسوة ويبكي الأطفال، وتأتي عربات النقل من اللا مكان لتحميل ما بقي من متاعهم ومتاع العائدين الملتاعين، ويرحلون إلى “اللامكان”، أو التي سنصطلح على تسميتها بمساكن 6 أكتوبر، هرم سيتي، مساكن أراسكوم، والتي سنتفق بيننا وبين بعضنا أيضًا أنها مملوكة لنجيب ساويرس، وأخيه سميح ساويرس.
بعد فترة من الوقت، وبعد السكنى في 6 أكتوبر تلك، وهي تختلف واقعًا ورائحة عن 6 أكتوبر الأثرياء، كان (عمر الهياتمي) سكرتير نجيب يلّح على أهالي الدويقة المرّحلين لتسيلم خطاباتهم، بحجة أنهم أخذوا “خلاص” الشقق المؤقتة، وبعدها سيستلمون شققًا جديدة وأكثر آدمية. كانت (أم إسلام)، أم لخمس أطفال ميسورة الحال مقارنة بالباقيات، ترفض تسليمهم الخطاب، وكان (عمر) بيه يغريها بالشقة الفسيحة التي سينتقلون جميعًا إليها – 162 عائلة.. ركّز: 162 عائلة، وليس 162 فردًا- كأن كل هؤلاء ينتظرون على خطاب أم إسلام.
تحكي سحر: أخذ (مصطفى عبادة) رئيس حي منشية ناصر الخطاب منها، لأنه الجواب الرسمي الوحيد الذي يذله به أهالي الدويقة ، ومزقه أمامها، انقضت عليه تنتزع بقاياه من يده فضربها هو وحوالي عشرة رجال أمن كانوا يلتفون حوله. أصلاً سحر لها قسم خاص من الحكاية، لا تستعجلوني.

المتهمون بهدم المنازل، وسرقة خطابات التسكين بعد ذلك:
آمال حسين
ناصر نصحي
إبراهيم عطية
مصطفى عبادة
محمد مختار الحملاوي

تقول الأسطورة غير المروية إلا بابتسامات المرارة: قالوا لنا سنأخذ شققًا 38 مترًا، جاء أحد المهندسين المتعاونين معنا وقاس الأرض بدقة، لتخرج في النهاية 24 مترًا. أكل ذلك “ابن الجزمة” مصطفى عبادة خصيمنا ليوم الدين 18 مترًا في جيبه، واقتطعها من لحمنا الحي. قل لي يا سيدي الفاضل، سأعطيك أحجية ولنر كيف بتعليمك العالي ستحلّها: في شقة 24 مترًا، يقطنها سبعة أفراد من أسرة واحدة، أين سنضع السرير-160سم-؟ وأين بحق الله، وبحق ما تعلمته في المدارس، سيكون المطبخ والحمام؟

الحمام يا سيدي الفاضل عبارة عن “عرض ماسورة الدُش”، بحيث لو أردت إغلاق الباب “لتستخدم التواليت، لا مؤاخذة، ويحفظ مقام والدتك” سيكون عليك أن تِلوح الماسورة للداخل، كي تأخذ راحتك. لا تأخذها على الآخر بعد، فلن تغسل يديك إلا في الصالة، في الحوض الذي هو للمصادفة حوض المطبخ أيضًا.

لا تعتقد أنك بكل هذا قد حللت مشاكلك بعد، فلو تغاضيت عن الأطفال الخمسة الذين سينامون على الأرض في الغرفة الوحيدة الداخلية، وأنك ستنام بجوار ابنك الكبير – إذ لا يصح أن ينام بجوار إخوته البنات – على الأرض في الصالة، ولو تغاضيت عن الحفرة التي سمّوها لك حمامًا، وأنك بعت أغلب عفشك من حطام الدنيا – كان محطمًا فعلاً أو في طريقه إلى ذلك – لأنه ببساطة لا مكان له، ولأنك تحتاج للنقود، فهناك مخاطر أخرى. لا، ليس سكرتير نجيب وسميح س. الذي ينظر لك بازدراء كلما حاولت مكالمته، ولا نجيب وسميح أنفسهما الذان لا يتركان مناسبة أو بدونها إلا ليعلنوا لكم أنكم غير مرغوب فيكم، وأنهم استضافوكم شفقة ليس إلا – تحكي نفس الأسطورة عن مساهمة أحد أبناء المخلوع في تلك المساكن، وأن آل ساويرس أخذوا متر الأرض بنصف جنيه فقط، والثلثين لهما والثلث للدولة، وأن هناك شيئًا عفنًا يدور تحت السطح – ولو نجوت أيضًا من التشققات المختلفة بطول وعرض المباني التي سكنوا فيها، لدرجة أنهم يرسمون عليها خريطة الغزو الصليبي أو خريطة أحزانهم الخاصة، ولو تغاضيت أيضًا عن م. عبادة الذي يهددهم في الرايحة والجاية، بسبب وبدون، وعن البغيض مصطفى الحملاوي الذي نظر لهم ببرود وقال ليس لديّ مساكن لكم، وأنه أصلاً لا يعرف معنى عدم النوم بين أربعة حيطان مذهبة ليلاً.. فلن تنجو من العرب.. نعم سيدي الفاضل الذي سرق منه الزمن أفضليته لييصبح محكومًا في عهد نظيف ومن بعده شرف. العرب الذين يطلقهم رئيس الحي، ثم الساويرسيين، بغية إخراجهم منها لأنهم ملّوا منهم خلاص.


أسطورة الشبيحة

عرب، وأفراد أمن المجمع السكني 6 أكتوبر الهرم سيتي – لماذا الاسم المفرنج؟- يقبضون شهريًا مرتبات مغرية، يشترون بها ما حلا لهم من الرشاشات – رصاص حي، جُرح به كثيرون – يطلقونه في الهواء كل عدة ليال، كنوع من التبول إلى أعلى لتوكيد سيادتهم على المنطقة، فكما كان أجدادهم كلاب الغابات يبولون على الأشجار لإعلانها منطقتهم، يهجمون هم على البنات العائدات ليلاً لمنازلهن، ويطلقون دفقات سخية من الرصاص مصيبين الليل في مقتل، ومقطعين أوصاله.
ولم يكتفوا بكل النقود التي يحصلون عليها، بعد أن انفقوها على السلاح – لماذا لم يستطع المجلس السمكري، بروح أمه، حتى الآن السيطرة على تجارة السلاح في مصر؟ أم هو من يبيعها لهم؟- فيقتحمون الشقق، مكتشفين حاجتهم الماسة المفاجئة لسرير أو اثنين، أو قاعدة حمام، مثلا، أو حتى حنفية المطبخ.. يتركون البيت ركامًا، مع المزيد من الهاهاهاهع – بالتأكيد طبعًا، وإلا كيف يضحك الأشرار؟ – ودفقات رصاص أخرى.

يموت راوي الأسطورة إما برصاصة طائشة أو كمدًا، فلا نعرف نهايتها إن كان لها نهاية.

المتهمون بإطلاق العرب وأمن القرية على الآمنين: عمر الهياتمي، كما قلنا، والأخوين ساويرس.

بعد هذا وكله، لا يطلب أهالي الدويقة الذين يسكنون قسرًا الآن في 6أكتوبـ إلخ إلا عقودًا تثبت امتلاكهم 24 مترًا في أرض مصر – تذكر، مليون كم مربع، هاه؟ – حتى لا يخرجوهم من شققهم ويرموهم إلى الشارع، ثانية. ليس معهم عقد ولا وصل إثبات ملكية ولا حتى وصل الكهرباء، كل بطاقاتهم الشخصية مكتوب بها الدويقة، كل الشهادات على عناوين الدويقة، يرفضون إخراج بطاقات أخرى لهم حيث لا يوجد إثبات ملكية، لا يوجد مدارس، ولو وجدت على سوئها الشديد، لا تقبل بالأولاد لأن محل إقامتهم، كما هو مفترض، بعيد جدا..

اعتصموا عند “رصيف” مجلس الوزراء – هل يرضى شرف لحفيدته جيداء أن تقيم في الشارع لتصرخ من أجل حقها؟ – منذ سنتين، ولا سميع ولا مبصر. اعتصموا قبل رمضان الماضي، ثم مجددًا أول أكتوبر، فأتوا لهم بالجيش – أشاوس والنعمة – وضربوهم.. ضربوا النساء منهم خاصة، وفضوا الاعتصام بالقوة. كانت تهمتهم أنهم “قطعوا الشارع” ليسمعوا الناس شكواهم، فقط..
وعدوهم بتسليمهم عقود ملكية للأربعة والعشرين مترًا يوم الثلاثاء، اقصد أن يستلموها منهم يوم الثلاثاء، 18-10-2011، والذي وعدهم اسمه “عادل التونسي”.. كالعادة لا تتعامل الحكومة إلا من علّ: ترسل لهم أفنديًا يرتدي بذلة ونظارة شمس ويتحدث من أنفه ويديه في جيوبه. لم يأخذوا شيئًا طبعًا يوم الثلاثاء، فاعتصموا ثانية على رصيف المجلس أملاً أن يسمعهم أحد.
أرسلت لهم اليوم “الحكومة” الأمن المركزي ليحيط بهم في كردون مهيب، من حوالي 50 عسكري، والأهالي كانوا حوالي13 أو 15 فردًا. وأربعة جنود جيش، وستة رُتب شرطة، وبهوات آخرين بملابس مدنية وعيون زائغة..

قلت لكم في السنة البعيدة
عن خطر الجندي، عن قلبه الأعمى

وعن همته القعيدة
يحرس من يمنحه راتبه الشهري
وزيه الرسمي
ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء
والقعقعة الشديدة
-دنقل-

وعد الفيوم:
باختصار: أخرجوا بعضًا من سكان الدويقة من بيوتهم، رموهم في الفيوم، استولوا على بيوتهم، ولا عودة.
وعدوهم ب10 آلاف جنيه إن تركوا شققهم في الدويقة، ودكّانة يعمل فيها ويأكل منها ويطعم أولاده، وألفي جنيه مصاريف نثرية، وشقة 63 مترًا تمليك.
ذهبوا فلم يأخذوا نِكلة، ولا دكانة، والمطرح صغير وإيجار أيضًا.. يعني موت وخراب ديار.. يعني لا عمل، ولا رجعة للدويقة، وعليهم أن يدفعوا إيجارًا أيضًا..

“هل فعلاً احنا يا أحمد
أبطال خرافية..؟
والاّ الكون
هوه اللي عاملني أسطورة..
لجلن يتدارى بعجزه وبخصيه فيا؟
فأنا مش شايف إن إحنا
بنعمل أكتر م المفروض ومن المطلوب
..الحدّاية
..بتيجي تخطف لقمة ابني
باقوم اجري وراها واهججها بالطوب
أي بطولة ف دي..؟
-الأبنودي-

حكاية سحر كمال، تحكيها سحر كمال:
غلبت من 5 سنين، يعني لا مؤاخذة لو الناس دي تعبت قيراط أنا تعبت عشرة، قولي مية فوقيهم. طردوني من بيتي من 5 سنين، لله في الله كده، وقعدت متمرمطة ما بين الشارع والقعدة عند قرايبي. إدوني شقة واتهدت فوق دماغي تاني، قعدت أروح عند رئيس الحي (مصطفى عبادة، خصيمي ليوم الدين) وأقول له ليا حق آخد شقة، بدل اللي انطردت منها. عايزة أربع حيطان تلمني أنا والعيال تحتها. يا يضربني، يا يبعت الحكومة [الشرطة] تضربني وتضرب عيالي.. آخر ما زهق مني أخد العيل ده – تشير على ما دون السنتين – وكان لسه مولود، ورموه على مزلقان الدويقة.
تكمل أم إسلام: كنت طالعة الشغل الساعة 7 الصبح ولا اعرفها ولا اعرف اللي حصل ولقيت الواد مرمي وقعدت أصوّت، وسحر تصوّت وتقول مش عايزة شقق هاتولي ابني، وهما حايشينها، أنا أصوّت وأقول هاتوا الواد وهما مانعين حد يروح ياخده…

تقول سحر: سمع صوتنا مجدي حسين [رئيس حزب العمل] وجه يساعدنا. الحكومة تضيق عليه وتقبض عليه وهو يساعدنا، بقا يجيب لنا خيام وأكل ويحاول يوصل صوتنا للي مبيسمعوش. في الآخر وعدونا – رئيس الحي – بإنهم يبنوا لنا ثكنات واللي ليه حق ح ياخد فيها. جبنا الورق والشهادات والإثباتات وبرضه قالوا لنا لأ. رمونا في الآخر على 6 أكتوبر.. لو كانت الناس بتستعرّ من الدويقة ومش طايقاها، فأكتوبر “بشعة” – بتعبيرها – أكتر منها بكتير.. ده أنا اقعد في التُرب ولا اقعدش في أكتوبر..
خمس سنين بين مجلس الوزرا ومجلس الشعب، ولا حد سامعنا.. ملناش غير ربنا..ملناش غير ربنا..