بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

قصة أول مايو:

حكاية ولدت بنضال العمال

“سوف يأتي اليوم الذي سيكون فيه صمتنا اقوي من ضجيج كل الأصوات التي تقمعنا اليوم.” هذه كانت أخر الكلمات التي نطق بها أوجست سبايس يوم 11 نوفمبر 1887، بينما كنت رقبته تدلى من حبل المشنقة يوم إعدامه، اليوم الذي قتل فيه مع ثلاثة من رفاقه العمال بواسطة الطبقة الحاكمة الأمريكية. كل الجرم الذي ارتكبه هؤلاء العمال هو دورهم في قيادة وتنظيم الطبقة العاملة في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة من أجل يوم عمل لا تزيد ساعاته عن 8 ساعات.

قصة أول مايو
والقصة بدأت عندما قرر الاتحاد المركزي لعمال شيكاغو تنظيم إضراب عام بتاريخ 1 مايو عام 1886 من أجل المطالبة بحد أقصى لساعات العمل هو 8 ساعات. عندما جاء اليوم المحدد التزم كل العمال في المدينة بقرار الإضراب. “لم يتصاعد دخان أية مدخنة لأية مصنع في كل أنحاء المدينة.” هكذا علقت إحدى الصحف على الإضراب. وقالت أخرى:” التزم عشرات الآلاف بالإضراب، وتركوا أدوات عملهم وخرجوا جميعا في مسيرات للشوارع.”

ولد يوم أول مايو نتيجة هذا النضال، وبعدما بدأ النضال عمال الولايات المتحدة، تحول النضال من أجل 8 ساعات عمل إلى كل عمال العالم، ليعبر عن تضامن الطبقة العاملة في العالم. ففي يوليو 1889 وفى الاجتماع العام للأممية الثانية (وهى المنظمة الدولية العمالية التي تأسست لخلق روح أممية وتنسيق نضالي اشتراكي بين عمال العالم، بعد تلك الأولى التي تأسست أيام كارل ماركس) قررت الأممية تبنى مطلب 8 ساعات عمل، بعد أن شارك المندوبون العماليون الأمريكيون في الأممية بالخبرة التي بدأوها. وقررت الأممية أن تنظم مظاهرة دولية للعمال في كل مدن وبلاد العالم وفى يوم واحد. وأكدت أن هدف كل العمال المناضلين في العالم يجب أن يكون شيء واحد هو المطالبة بتخفيض الحد الأقصى لساعات العمل في اليوم لثمان ساعات. وبسبب أن النقابة الفيدرالية الموحدة الأمريكية قد بدأت الدعوة لمثل هذه المظاهرة في تاريخ أول مايو، قررت الأممية تبنى ذات التاريخ للمظاهرة العالمية سنوياً، على أن يبدأ ذلك من أول مايو 1890.

وفى عشية أول مظاهرة عالمية في أول مايو، كتب انجلز: “إن بروليتاريا الولايات المتحدة وبروليتاريا أوربا لأول مرة قد تمت تعبئتها لتكون جيش واحد، وتحت راية موحدة، ولديها مطلب واحد، وهو يوم عمل من ثمان ساعات. مثل هذا المشهد سوف يجعل من كل رأسماليو العالم وأصحاب الأراضي، يدركون حقاً إن عمال كل العالم، حقا، متحدين.”

الوصول لتحقيق هذا المطلب تستدعى وقفة نفهم من خلالها كيف نشأت قصة النضال من أجل 8 ساعات عمل وكيف أستطاع العمال تحقيق مطلبهم في الولايات المتحدة، حتى انتقاله للعالم؟

خلفية:
بدأت الولايات المتحدة وخاصة يعد انتهاء الحرب الأهلية في منتصف القرن التاسع عشر في التحول لرأسمالية صناعية. وقد كان النضال من أجل تحديد وتقليل ساعات العمل هو وليد نضال العمال ضد هذه الرأسمالية. ففي بدايات ذلك القرن، كان عمال الولايات المتحدة ـ وكل عمال العالم ـ لا يعرفون سوى العمل بدءاً من شروق الشمس حتى غروبها. ووصلت ساعات العمل إلى 14 و16، وحتى 18 ساعة يومياً. وفى أحد المحاكمات الهزلية التي تم بموجبها محاكمة عمال مضربين عام 1806، قرر بعض المؤرخين أن العمال في ذلك الوقت كانوا يعملون 19 و 20 ساعة في اليوم. هذه الظروف غير الإنسانية دعت العمال لعمل إضرابات مستمرة، استطاعوا من خلالها تقليل ساعات العمل في العشرينات والثلاثينات من القرن 19 إلى 10 ساعة. وكانت أحد النقابات الهامة التي ولدت في خلال تلك الفترة هي اتحاد العمال الميكانيكيين لفيلاديلفيا.. دعي هذا الاتحاد إلى إضراب عام سنة 1827 لجعل يوم العمل 10 ساعات. وما لبثت أن انتقلت عدوى النضال إلى العديد من عمال الصناعات الأخرى.

ويمكن أن نفهم أهمية هذه الإضرابات إذا عرفنا إن الرأسمالية البازغة الأمريكية، كانت تريد التصنيع وبأي طريقة لمنافسة نظيرتها الأوربية، وخاصة في مرحلة ما بعد استقلال الولايات المتحدة من الاستعمار الانجليزي (عام 1776). وقد جاء توقيت هذه الإضرابات تالياً مباشرة لمرحلة العبودية التي استخدم فيها السود بوحشية في الزراعة. ولم يكن أمام الرأسمالية في الصناعات الجديدة سوى استغلال العمال عن طريق قوانين العمل وساعات العمل، بعد أن انتهى حق الرأسمالية الزراعية في التحكم في حياة العمال الزراعيين تحكماًُ مطلقا بعد أن كانت تملكهم كعبيد. لكن أحد العوامل الأخرى التي ساعدت سلسلة الإضرابات هذه، كانت هي حالة التقلب الحادة التي شهدت وجود واختفاء النقابات العمالية على المستوى القومي الامريكى أثناء الحرب الأهلية (وخاصة من 1861: 1862). لكن انتهاء الحرب ساعد في توحيد العديد من النقابات على مستوى الولايات المتحدة. ففي أغسطس 1866، اجتمع ممثلين ثلاثة نقابات أمريكية وقرروا تأسيس الاتحاد النقابي الفيدرالي. وفى اجتماع هذا الاتحاد مثلاً قرروا في عام 1866: “أن الضرورة الأساسية والوحيدة للعمال في هذا البلد، ولكي يتحرروا من عبودية الرأسمالية، هو أن يتقرر بقانون تحديد ساعات العمل ب8 ساعات عمل.”

وهكذا يمكن أن نفهم الظروف النضالية التي جعلت عمال ذلك الوقت ـ إذا قارننا ذلك بظروف تدهور النقابات ووحشية الامبريالية الأمريكية وانحسار دور اليسار في أمريكا الآن ـ يتحدثون بلهجة ثورية ضد الرأسمالية ويصفونها بالعبودية. فلم يكن نضال عمال شيكاغو سوى حلقة في سلسة ونتيجة للتحريض والصوت القوى للاتحاد النقابي الفيدرالي الأمريكية، وفى وقت عرف فيه العمال أن يثوروا ضد ظروف استغلالهم، وهم في لحظة انتصار القضاء على العبودية. وقد اضطرت العديد من الولايات عام 1868 إلى القبول بشروط العمال وجعلت ساعات العمل 8 ساعات في الأعمال الحكومية. كما كانت هذه الإضرابات تالية لأخرى كثيرة منها الإضراب العام لعمال السكك الحديدية والصلب عام 1877. كما أن ضغط العمال كان قوياً بسبب ظروف الكساد الذي حدث في الولايات المتحدة من عام 1883 وحتى 1885.

وكانت ظروف الطبقة العاملة في العالم مواتية لتبنى نضال العمال الأمريكيين. و ذلك بسبب نضال الأممية. فبدءاً من الأممية الأولى، كان كارل ماركس ورفاقه يعون جيداً أهمية ساعات العمل كطريقة تستغل بها الرأسمالية العمال. وفى كتاب رأس المال يلفت نظرنا لأثر نهاية العبودية في أمريكا على انتشار التضامن بين العمال وعلى بلورة شعار 8 ساعات عمل، وأيضاً على سرعة انتقال الشعار إلى أوربا. وما كان يقوله ماركس لم يكن سوى تأكيداً لواقع انه في ذات وقت اجتماع للعمال الأمريكيين في بالتيمور بالولايات المتحدة، كان هناك اجتماع أخر للأممية في جنيف بسويسرا رافعين ذات الشعار: 8 ساعات عمل.

وبالرغم من تقلبات التاريخ وتقلبات قيادات الطبقة العاملة في العالم وظروف نضالها، والظروف التي مر بها اليسار في جميع أنحاء العالم، كان أول مايو دائماً رمز المطالب الموحدة والتضامن الدولي ووحدة الطبقة العاملة في كل أنحاء العالم تحت راية أممية واحدة، وضد النعرات القومية التي كثيرا ما استخدمت لاستغلالهم، وضد العنصرية والطائفية التي استخدمت لتفتيت وحدتهم. شاهدنا وبدأً من التاريخ القريب، وبدأً من أربعينات وخمسينات القرن الماضي، كيف خانت العديد من القيادات “الشيوعية” في العالم مبدأ الأممية، وخاصة تحت وطأة الستالينية، وكيف خانت القيادات النقابية أيضاً ليس فقط أممية نضال الطبقة العاملة في العالم، بل وأيضاً قضايا عمالها أنفسهم. حتى جاء اليوم الذي أصبحنا نرى فيه عجلة الرأسمالية والامبريالية تطحن العمال والفقراء، وفى ذات الوقت نرى نقابات تدافع وتتواطىء مع أصحاب الأعمال والحكومات، بل أصبحت حتى تتبرأ من يوم أول مايو، أو تحارب أي معنى نضالي أو ثوري وتضامني فيه. اليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى أن نفهم أهمية نضال العمال الأممى ووحدتهم من أجل القضاء على الظلم في العالم.