بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قطار الخصخصة يدهس الصحفيين

لا تسحق الرأسمالية في سعيها التاريخي نحو التراكم ومزيد من التراكم العمال الصناعيين فقط، بل تمتد آثار سياساتها المدمرة على جمهرة العاملين بأجر سواء في أعمال ذهنية أو يدوية، ومن بين تلك الفئات الصحفيين والأطباء والمهندسين الذين تتدهور أوضاعهم بانتظام وتنفشي البطالة وسطهم بطريقة غير مسبوقة، مما اضطر أعداد كبيرة منهم إلى العمل في مهن أخرى فضلاً عن انتشار الفساد والإهمال. واليوم تلقي الصحفيين. الصحافة تعد واحدة من المهن المهمة في عالم رأسمال فهي القادرة على تزييف وعي الجماهير وخلق اهتمامات زائفة من ناحية وقادرة أيضًا عبر الصحافة الثورية على بث الوعي الثوري وإشاعة ثقافة اشتراكية.

لذا فقط كان اهتمام السلطات في مصر بالصحافة والصحفيين كبيرًا كما كان حربها عليهم طويلة وممتدة. ومنذ النظام الناصري ونقابة الصحفيين مؤممة فقد وضع علي رأسها ضابطًا ليكون نقيبًا للصحفيين وعطل إجراء الانتخابات الفترة طويلة واشترط أن يكون الصحفي عضوًا في الاتحاد الاشتراكي!!

وكانت الرقابة علنية آنذاك وبالمقابل كانت الامتيازات والسلطة غير المحدودة لصحفي النظام. باختصار تم إحكام الحصار لكي تخرج الصحافة على مقاس توجهات النظام وأهدافه.

وعندما جاء السادات واصل سياسة العصا والجزرة فسعى إلى إلغاء النقابة وتحويلها لنادي، غير إن محاولته باءت بالفشل بعد تصدي الصحفيين لها، ونقل الصحفيين المعارضين للعمال في هيئة الاستعلامات وفي محلات باتا وغيرها وفي نفس الوقت توثقت الصلة بين الصحفيين وأجهزة الدولة التي حرصت على مد النقابة بكل المميزات والرشاوى من شقق وخدمات بأسعار رمزية عن طريق النقيب الحكومي.

وشهد عصر مبارك انتهاكات لا حدود لها لحرية الصحافة رغم القشرة الديمقراطية فتم إغلاق صحف (صوت العرب ومصر الفتاة والشعب) كما انفرد عهده بحبس الصحفيين في قضايا النشر استنادًا إلى قوانين مهجورة منذ خمسين عامًا ونظرًا لاشتداد الأزمة الاقتصادية فقد سعى مبارك إلى تكميم أفواه الصحفيين عبر إصدار سلسلة من القوانين مثل قانون الواثائق وقانون الشرطة التي تتضمن موادًا تشدد العقوبات على كل من يدلي بتصريحات لصحفي دون إذن الوزارة وذلك بعد أن فشل جزئياً في معركة القانون 95 لسنة 93 في أجازة الجبس الاحتياطي في قضايا النشر.

وعلى صعيد أخر أدت الأزمة الاقتصادية الطاحنة وعدم تحرك الحد الأدنى لرواتب الصحفيين منذ ربع قرن إلى تفشى ظواهر سلبية في الوسط الصحفي من أبرزها ظاهرة الصحفي النشطة الذي يعمل في عدة أماكن متباينة المواقف والاتجاهات في ذات الوقت والأخطر من ذلك هو نخر الفساد في الجسد الصحفي بداية من الخلط بين التحرير والإعلان انتهاء بالعمل كمستشارين لرجال الأعمال ونشر مقالات مدفوعة الأجر وليس سرًا إن محمد أبو العينين على سبيل المثال كان لديه أثناء الانتخابات فريقًا من الصحفيين من جرائد مختلفة ينشرون بجرائدهم مقالات شبه يومية عن إنجازاته غير الطبيعية!!

وفي هذا السياق تشن إدارات الصحف هجومًا غير مسبوق على حقوق الصحفيين المنقسمين على شريحة لا تتخطى الآلف من الصحفيين السوبر (رؤساء التحرير وما يطلق عليهم كبار الصحفيين وبعض القيادات الوسيطة) والآخرون من أبناء البطة السوداء. غير أن أكثر شرائح الصحفيين تعرضًا للاضطهاد هم الصحفيون غير المعينين وبالتالي غير المنضوين تحت جناح النقابة. ويبلغ عدد الصحفيين (13 ألف صحفي) خمسة آلاف فقط مقيدين بالنقابة، و8 آلاف صحفي محرومين من دخول النقابة.

فمن العالم اليوم إلى العربي، ومن النبأ إلى الشعب تتزايد كل يوم متاعب الصحفيين والهجوم على مصالحهم الحياتية. إدارات الصحف تجاوزت كل المتوقع والمتخيل. فصحفيو العربي لم يتقاضوا مرتباتهم منذ شهر ديسمبر الماضي أما إدارة العالم اليوم فقد منعت ستة صحفيين من العمال وجري استدعاء قوات خاصة بالهراوات لمنع المجرمين – الصحفيين – من التواجد بالجريدة بعد تنظيمهم لإضراب عن العمل.. وعلاوة على ذلك يقف صحفيو جريدة الشعب المجمدة، بتعليمات مباشرة من النظام، شاهدًا بامتياز على عصر يدعي أنه لم يقصف فيه قلم.

الهجوم على حقوق الصحفيين يتواكب مع محاولات حكومية دءوبة لتمرير قانون حماية الفساد المسمى “حماية الوثائق”، وهو القانون الذي يتيح حبس الصحفيين لمدة خمسة سنوات إذا نشروا أي وثائق تهدد الأمن السياسي والاقتصادي للبلاد.. وهو معنى فضفاض تندرج تحته أخبار فصل العمال وتشريدهم ووقائع الفساد التي تركم الأنوف المصاحبة لعملية الخصخصة. الطريف إن عقوبة نشر وقائع دون وثائق تصل إلى الحبس عامين. باختصار: القانون يلغي مهنة الصحافة تمامًا.

ويتواكب هذا القانون أيضًا مع الهجوم الذي تشنه الحكومة ضد جموع العاملين بأجر (ومن بينهم الصحفيون) والذي يعد من أبرز أسلحته قانون فصل العمال والمنتظر تمريره خلال الدورة الحالية لمجلس الشعب. القانون الكارثة يطلق يد الإدارات في الفصل والتنكيل وخفض الراتب والإجازات للصحفيين وغيرهم.

الصحفيون قاوموا هذه الهجمة الشرسة بشكل منفرد، في غياب أي تنسيق جماعي رغم تشابه هذه القضايا.

ففي العربي نظم الصحفيون عدة اعتصامات سواء في النقابة أو في الجريدة احتجاجًا على الفساد المستشري داخل أروقة الجريدة والحزب، وكذا تعنت أجهزة الدولة، التأمينات والضرائب، وإصرارهما على الحجز على رقم الحساب الخاص بالجريدة في البنوك لصالحها مما يعني انعدام السيولة. وقد رفع الصحفيون ثلاث مطالب في حركتهم المستمرة: رفع الحصار الحكومي وإقالة الإدارة الفاسدة ورفع الظلم المهني عن كاهل عدد من الصحفيين وشكلوا لجنة لإدارة الاعتصام.

وفي العالم اليوم نظم الصحفيون الستة، الذين تم إيقافهم عن العمل لتضامنهم مع إضراب عمال الكومبيوتر الذين طالبوا بصرف مكافأة العيد بنفس قيمة العام المنصرم، اعتصاما بمقر النقابة ونجحوا بعد ثلاثة أيام من الاعتصام في إجبار نقيب الصحفيين على التدخل وإبرام تسوية تنص على العودة إلى العمل مع صرف المستحقات وما زال الصراع مفتوحًا.

أما قضية جريدة الشعب المغلقة فقد دخلت إلى حيز النسيان بعد أن وافق الجميع سواء داخل النقابة أو بين الأحزاب السياسية على إن عودتها ستتوقف على الرضا السامي لمبارك، أما مجدي حسين وعدد محدود من صحفي الشعب فيبذلون محاولات يائسة لمجرد أن تبقى القضية مطروحة على الرأي العام. ولكنهم في الوقت ذاته حريصون على أن تكون تحركاتهم الشكلية من أجل استجداء مبارك على طريقة شن حملة توقيعات تطالب الرئيس باعتباره الحكم بين السلطات على إعادة الصحفية تنفيذًا لأحكام القضاء!!

مجلس نقابة الصحفيين، أو نادي ملاك الصحف، الذي يضم بين صفوفه كل ألوان الطيف السياسي لم تحركه كل هذه المشاكل لكي يفتح الملفات الحقيقية للصحفيين.