بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قطار الخصخصة يصل لمحطة تشريد العمال.. قانون العمل الموحد على الأبواب

بعد ستة أعوام كاملة تخلت الدولة عن حذرها وترددها في إصدار قانون العمل الموحد وأعلنت أنها ستقدمه إلى مجلس الشعب ليحصل على موافقة نوابها في الدورة البرلمانية الجديدة فقد قدمت الدولة كل ما في جعبتها من اجل جذب الاستثمارات وإعفاءات ضريبية وجمركية وقوانين ضد التأميم والمصادرة والتوسع في مشروعات البنية الأساسية وتخفيض أسعار الأراضي بالإضافة إلى محاصرة الاحتجاجات العمالية بجهازها الأمني القائم على الإرهاب المنظم وسلسلة كاملة من القوانين الاستبدادية كان آخرها التعديلات رقم 12لسنة 1995 في قانون النقابات العمالية ولم يعد أمامها الآن سوى اتخاذ هذه الخطوة الأخيرة في مسلسل هجومها المباشر على الطبقة العاملة.

وفي السطور التالية نستعرض أهم حلقات تطبيق قانون العمل الموحد من اجل إعادة هيكلة سوق العمل المصري وأشكال المقاومة العمالية وذلك قبل أن نعرج إلى مناقشة انعكاسات قانون العمل الموحد على حركة الطبقة العاملة وموقف الثوريين منها.

التكيف الهيكلي وقانون العمل الموحد
ترجع جذور سياسات التكيف الهيكلي التي اعتبرتها الأنظمة الرأسمالية في كافة بقاع الأرض ملجأ أخير لها للخروج من الأزمة المتفاقمة إلى الطبيعة التي تميز الاقتصاد العالمي في زمن العولمة . فالاقتصاد العالمي يتكون من كمية هائلة من رؤوس الأموال العالمية والسلع في تنافس حاد على مناطق للاستثمار وأسواق للتصدير ومن جهة أخرى على عدد من مراكز تراكم راس المال التي تتنافس على جذب اكبر كمية من رؤوس الأموال الساعية للاستثمار وعلى اقتطاع اكبر كمية من الأسواق العالمية وذلك بهدف تعظيم الفائض الذي تتنافس البرجوازيات المختلفة على تحقيقه والاستحواذ علية.

وفى هذا السياق فان الحكومة المصرية تسعى إلى جذب اكبر كمية من الاستثمارات العالمية للعمل داخلها عن طريق تكثيف استغلال الطبقة العاملة للاستحواذ على اكبر قدر من الأرباح وكذا زيادة قدرة شركاتها على المنافسة في الأسواق العالمية من اجل زيادة التصدير.

وعلى صعيد آخر تسعى الحكومة إلى تصفية الشركات التي لا تستطيع المنافسة بهدف تحويل راس مالها إلى قطاعات أخرى اكثر جدوى من الناحية الاقتصادية والتخلص من عبء أجور العمال والمخزون المتراكم الذي لا تستطيع تسويقه. ولذلك فهي تعمل علي تصفية بعض الشركات وزيادة الكفاءة الاقتصادية في البعض الآخر.

ومن أجل تمرير هذه السياسات اتخذت الدولة سلسلة من الخطوات التي زادت سرعتها منذ أوائل التسعينات وبالتحديد عام 1991 عندما أصدرت القانون 203 لتنظيم قطاع الأعمال العام. لقد بدأ القانون بتحويل الشركات المملوكة للدولة إلى شركات قابضة وشركات تابعة، وادخل نظام اللوائح النوعية في كل شركة على حدة وذلك بهدف احتواء الطبقة العاملة فكانت الشركات التي تتميز عمالها بالقدرة على مواجهة الإدارة والخبرة في التحرك الجماعي تفرض لوائح نوعية مناسبة أما في الشركات التي تتميز بضعف الحركة العمالية استطاعت الإدارات أن تعصف بحقوق العمال بفرض لوائح نوعية بشروط متعسفة.

ثم بدأت هوجة الخصخصة، والتي تميزت أيضاً بالتردد والتدرج حتى لا تستفز العمال القلقين علي مستقبلهم، وتضاربت تصريحات زعماء البرجوازية وتردد بينهم أن الخصخصة لن تمس القطاعات الرئيسية في الاقتصاد، ولن يسمح بسيطرة القطاع الخاص علي الاقتصاد، وأن حقوق العمال لن تمس، ولكن العمال في القطاع العام كانوا ولا زالوا يمثلون أهم مشكلة تواجه عمليات الخصخصة، فبدأت الدولة تبتكر أساليب جديدة للتخلص من العمالة،خاصة أن سياسة وقف التعيينات لم تفلح في تحقيق ذلك بالقدر المطلوب، فاضطرت الدولة بعد ذلك إلي اللجوء إلي برنامج المعاش المبكر، وشرعت في اتخاذ العديد من الإجراءات التعسفية لدفع العمال للقبول بالمعاش المبكر. ومن ناحية أخري بدأت الدولة في إعداد مجموعة من القوانين تهدف إلي إعادة صياغة العلاقة بين العمل وراس المال في قطاعي الزراعة والصناعة، واختارت أن تبدأ بقطاع الزراعة علي أن تمهد التربة في المصانع لقانون العمل الجديد، وفي هذا السياق أصدرت الحكومة في عام 1992 قانون الإيجارات الزراعية لتركيز الحيازات وجذب الاستثمارات، وعندما رفض المستأجرون تسليم الأرض حتى عام 1997 موعد تنفيذ القانون، قامت الدولة بشن حملة أمنية متوحشة، رداً علي المقاومة الفلاحية التي تصاعدت وأسفرت عن سقوط 37 قتيلاً واعتقال وتعذيب آلاف الفلاحين، مما أدي إلي تسليم العديدين للأرض، في حين وقعت الأغلبية عقود إيجار جديدة محددة المدة ومرتفعة القيمة الايجارية، وما زالت المعارك مستمرة ولكن بوتيرة أقل إلي حد كبير.

وعلي صعيد القطاع الصناعي أعدت الحكومة في عام 1993 أول مشروع لقانون العمل الموحد، ولكنها تمهلت في تطبيقه حتى لا تفتح عليها جبهتان في وقت واحد، بالإضافة إلي الرغبة في كسب رضا رجال الأعمال علي القانون، ولكنها في نفس الوقت كانت قد بدأت سياسة الهجوم علي مكتسبات العمال (أجور – حوافز – فصل) لتمهيد الطريق أمام قانونها اللعين، وقد واجه العمال هذه السياسات بسلسلة من التحركات زادت وتيرتها في العامين الأخيرين.

ومن أبرز هذه التحركات إضراب عمال شركة مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار عام 1994، احتجاجاً علي سياسة التطفيش التي انتهجها رئيس الشركة لتيسير عملية الخصخصة: “وعلي مدي يومين اجتاحت المظاهرات الشركة مطالبة بعودة 1200 عامل تم نقلهم إلي فرعي الشركة بالمحمودية وإدكو، ورفع الجزاءات الجزافية التي وقعت علي العمال”. وشهدت هذه الأحدث اعتصاماً من العمال، وتضامن الأهالي الذين قدموا الأطعمة والبطاطين للعمال المعتصمين. وقد تدخلت قوات الأمن، وأطلقت النار والقنابل المسيلة للدموع علي أهالي العمال مما أدي إلي مقتل أربعة أفراد بينهم طفل في التاسعة من عمره. وقد استجابت الحكومة لمطالب العمال بعد حملة القمع الوحشي، وألغيت لائحة الجزاءات، وعزلت رئيس مجلي الإدارة مؤقتاً حتى هدأ العمال.

ميزت هذه الإجراءات تحولاً في سياسة الحكومة ضد العمال، فقد بدأت في سياسة التطفيش، عن طريق عدد من الإجراءات التعسفية، التي تهدف إلي الهجوم علي مكتسبات العمال، مثل الحوافز التي تتشكل الجانب الأكبر من أجور العمال، بالإضافة إلي عدم صرف مكافآت الميزانية أو تخفيضها، إلي جانب زيادة الجزاءات والنقل إلي مواقع بعيدة عن سكن العمال.. الخ.

هذا الأسلوب وحده كان كفيلاً لتصاعد الأحداث في كفر الدوار، وإلي إدراك الدولة لخطورة الموقف عليها وعلي مصالح المستثمرين الذين ترغب في تشجيعهم علي شراء الشركات والعمل في مصر مما دفع الدولة إلى تبني خيار التحرك نحو الإصلاحات ولكن بسرعة أقل.

المعاش المبكر: الحلقة الثانية في تطبيق القانون المشئوم
ابتكرت الحكومة برنامج المعاش المبكر عام 1996، نتيجة لرغبتها في تسريع وتيرة الخصخصة ولترددها وخوفها من تصاعد الحركة العمالية في مواجهة هجماتها المستمرة للتخلص من العمالة. وأقبل الكثير من العمال علي هذا المشروع، هرباً من التعسف المستمر، خاصة أن تحركاتهم دفاعاً عن حقوقهم، كانت دائماً تقابل بالوحشية التي عممتها الشرطة علي المجتمع ككل، وبشكل خاص في مواجهة الحركة العمالية، خاصة في ظل الضعف التنظيمي في صفوف العمال، وقد استخدمت الإدارات كل الوسائل الممكنة لترويج مشروع المعاش المبكر، فأقدمت أعداد كبيرة علي الخروج إلي المعاش المبكر، حتى وصل عدد المتقدمين إلي حوالي 80 ألف عامل وعاملة. وبرغم ذلك لم تتوقف حركات العمال في مواجهة تلك السياسات، وعلي سبيل المثال لا الحصر، أضرب في مارس 1997، عمال شركة النصر لصناعة المحولات والمنتجات الكهربية (الماكو) احتجاجاً علي سياسات رئيس مجلس الإدارة التي أضرت بالامتيازات والحوافز التي كان يتمتع بها العاملون، فضلاً عن تسريح 150 عاملاً من العمالة المؤقتة، وإلغاء التعاقدات مع المستشفيات التي كانت مبرمة لعلاج العمال، وتخفيض اللوائح الخاصة بالحوافز، وتعديل مواعيد العمل، وكانت مخالفة المواعيد الجديدة تواجه بإجراءات صارمة تصل إلي الفصل إذا تكررت المخالفة ثلاث مرات شهرياً، وقد استمر هذا الإضراب لمدة ثلاثة أيام متصلة في مصنعي الشركة بشبرا والمطرية، ولكن الإدارة والأمن استطاعوا إرهاب العمال في مصنع شبرا الذي يضم 700 عامل من أصل 2000 عامل بالشركة مما أدى لفض الإضراب، كما تم منع دخول أي مواد غذائية للعمال المعتصمين في المطرية، ومن ناحية أخرى تم محاصرة الشركة بقوات كثيفة لمنع أهالي المعتصمين من تقديم أي مواد غذائية للعمال.

وفي إبريل من نفس العام، اضرب عمال شركة ستيا بالإسكندرية احتجاجاً علي تخفيض الحوافز، وقد هاجمت قوات الأمن العمال بالقنابل المسيلة للدموع، وقبضت علي 30 عاملاً، في تلك الأثناء كان رئيس مجلس الإدارة قد أعلن أنه سيتم صرف المنح والحوافز للعمال بالاتفاق مع اللجنة النقابية..!

غير أن الحكومة لم تكن مستعدة لتلبية مطلب كل العمال المتقدمين للخروج علي المعاش، مما أدي إلى وقوع معارك واسعة، كان أخرها وأشهرها، رغم التعتيم الإعلامي وحظر النشر، هو إضراب عمال جناكليس بالبحيرة، الذين احتلوا المصنع واحتجزوا صاحب الشركة الجديد كرهينة في سبتمبر الماضي، وقد قوبل هذا الإضراب بوحشية بالغة، حيث قبضت الشرطة علي 135 عاملاً، واحتجزت أهالي العمال الذين استطاعوا الهرب، وقامت بتعذيبهم وهو نفس السيناريو تقريباً الذي تم في مواجهة اعتصام عمال شركة النقل والهندسة بالإسكندرية.

وفي شركة مصر حلوان للغزل والنسيج التي تضم 10000 عامل، طرحت الدولة مشروع المعاش المبكر في ديسمبر 1997، وانتهى المشروع إلي خروج حوالي 2500 عامل وعاملة، “وقد اعتاد العمال علي التظاهر مرتين كل شهر، مرة في منتصف الشهر عند صرف الحافز، ومرة أخري عند صرف الراتب”، وفي يوليو 1998، تسربت شائعة تؤكد إلغاء الحافز تماماً، فتزايدت حدة المظاهرات وقررت الإدارة إغلاق الشركة لمدة 15 يوم، امتدت إلي شهر كامل، وفي 15 أغسطس أعيد تشغيل الشركة، بعد أن تحولت حلوان إلي ثكنة عسكرية، وحوصرت بالعربات المدرعة، وقد أعيد تشغيل الشركة بأقل من ثلث العمالة، بينما ظل 5000 آلاف عامل خارج أسوار الشركة، يعتصرهم القلق علي مستقبلهم، وقد عاد العمال إلي التظاهر مرة أخري في سبتمبر الماضي للمطالبة بحوافز شهر التوقف التي حرموا منها تنفيذاً لسياسة العقاب الجماعي.

قانون العمل الموحد وانعكاساته علي الحركة العمالية
إن كل هذه الأحداث تؤكد علي حقيقة هامة، هي أن سياسات الهجوم علي الطبقة العاملة، والتي بدأت منذ صدور القانون 203 لعام 1991، تمثل حلقات متصلة لتنفيذ برنامج التكيف الهيكلي، وتمهيد التربة من أجل صدور قانون العمل الموحد، الذي يمثل الحلقة الأخيرة في إخضاع الطبقة العاملة لسياسات السوق.

وتشير أيضاً إلي أن سياسات الخصخصة لم ولن تمر دون مقاومة، رغم الاحتياطات المختلفة التي اتخذتها الطبقة الحاكمة، من محاصرة الطبقة العاملة بتنظيم نقابي عميل وموال للدولة، وتوحش الشرطة والأجهزة الأمنية في مواجهة التحركات العمالية وصولاً إلي برنامج المعاش المبكر، وتجزئة الطبقة العاملة، فضلاً عن ضعف قوى اليسار عموماً.

فقد شهد عام 1998 وحده ما يقرب من 90 احتجاج عمالي، ما بين إضراب واعتصام وتظاهر، شملت كل القطاعات الصناعية المهمة، واتسم عدد كبير منها بارتفاع درجة الكفاحية والوعي وعلي سبيل المثال استمر عمال مصنع الدخان بطنطا مضربين لمدة أربعة أسابيع متصلة، كما شهد إضراب شركة الأهرام للمشروبات التي تم خصخصتها تضامن عمال ثلاث مصانع في وقت واحد، كما نظم عمال مصنع الأسمدة في كل من السويس وطلخا إضراباً في نفس الوقت، كما ظهرت حالات انضم فيها عمال كانوا قد خرجوا علي المعاش المبكر إلى اعتصام زملائهم كما حدث في مصنع الورق ببهتيم.

إن تزايد عدد الاحتجاجات العمالية وحدتها خلال عامي 1997 و1998، يرجع في جانب منه إلي محاولة الدولة لتسريع عمليات الخصخصة، فالدولة تخطط لخصخصة 314 شركة من شركات قطاع الأعمال العام بحلول عام 2000 بينما لم تستطع حتى الآن سوي خصخصة 100 شركة فقط، والعائق الأساسي هو حجم عمالة القطاع العام، فحسب توجيهات البنك الدولي لا بد أن تقوم الحكومة بتشريد 650 ألف عامل بحلول عام 2000 حتى تتمكن من إعادة هيكلة الشركات بعد أن تم التخلص بالفعل من 400 ألف عامل خلال السنوات العشر السابقة. في الوقت الذي يبلغ حجم البطالة حوالي ثلاثة ملايين، ينضم إليهم سنوياً حوالي 500 ألف، أضف إليهم أبناء الفلاحين الذين سيتم تشريدهم بسبب قانون الإيجارات الزراعية، وعجز الاقتصاد المصري عن فتح أسواق للتصدير في ظل ظروف الأزمة العالمية الراهنة.

كل هذه العوامل تفاقم من أزمة النظام المصري ولكنها مع ذلك لا تعني أن مجرد صدور القانون يكفي لحدوث انفجارات في الحركة العمالية، وذلك للأسباب الآتية:
1. أن عملية تطبيق القانون فعلياً بدأت منذ عام 1991 بصدور القانون 203 لتنظيم قطاع الأعمال والذي يمهد الطريق لصدور قانون العمل الموحد.

2. كان نظام المعاش المبكر والإقبال الوسع الذي لقيه لدي بعض العمال، دليلاً علي عدم ثقة العمال في حركتهم – وإن لم يمنع حدوث مثل هذه الحركات – وأدي إلي خروج عدد من العمال من ذوى الخبرة في قيادة وتنظيم الحركة العمالية أو ممن مروا بتجربة إضراب.

3. أن الضعف التنظيمي للعمال، وسيطرة النقابات الموالية للدولة يضعف من قوة الحركة العمالية وقدرتها علي الانتشار والتأثير، حتى وإن لم يكن قادراً على وقف هذه الحركة.

4. وهذا يعني أن القانون لن يمثل صدمة لعمال القطاع العام – عكس قانون الإيجارات الزراعية – بعد التمهيدات الطويلة التي قامت بها الدولة والتي استمرت لسنوات وأسفرت عن احتجاجات عمالي، دفعت الدولة إلي الكشف عن وجهها الأبشع في مواجهة هذه الاحتجاجات.

5. إن الدولة لا تهتم كثيراً بالأثر الاقتصادي لإضرابات عمال القطاع العام، وإن كانت تخشى من تطوراتها السياسية، خاصة في القطاعات التي يمثل استمرار الإنتاج فيها استمراراً لخسائر هذه الشركات بسبب المخزون الضخم الذي لا تستطيع تسويقهن وبالتالي يمكنها أن تتحمل الإضرابات لفترة طويلة نسبياً ولكنها تقوم بقمعها بشدة أو احتوائها خوفاً من امتدادها، مما قد يهدد استقرارها السياسي أو مشروعاتها في جذب الاستثمارات وبيع الشركات.

كل هذه العوامل قد تضعف الحركة علي المدى القريب، ولكنها لن تمنعها، ولن تمنع التطورات طويلة المدى التي ستنجم عن تطبيق القانون، ولكن ماذا عن القطاع الخاص ؟.

إن صدور القانون لن يمثل بالنسبة لعمال القطاع الخاص تغييراً جوهرياً، لأن هؤلاء العمال يعملون في ظل شروط أسوأ من تلك التي يفرضها القانون الجديد، فعمال القطاع الخاص في الغالبية العظمى من الشركات يجبرون علي توقيع استمارة نهاية الخدمة (استمارة 6)، ويعملون بعقود مؤقتة. كما ينعدم وجود أي نقابات في 95 % من شركات المدن الصناعية الجديدة والتي تضم 200 ألف عامل، أما الشركات التي توجد بها نقابات فتكون شكلية، ومع ذلك يقبل العمال هذه الشروط لعدم وجود بديل سوى البطالة المزمنة. ورغم أن الغالبية العظمي لهؤلاء العمال تتكون من الشباب، الذين لم يسبق لهم الاشتراك في الصراعات العمالية، وتنعدم لديهم الخبرة في تنظيم هذه الإضرابات إلا أنه في الآونة الأخيرة، شهدت بعض هذه الشركات عدداً من الإضرابات الصغيرة والتي أشارت إلي القوة الكامنة لهذا القطاع من الطبقة العاملة، مثل إضراب عمال شركة دولسي بفرعيها في 6 أكتوبر والبراجيل، الذي اجبر الإدارة علي التراجع عن قرار فصل عدد من العمال. وبالتأكيد هناك عدد من الإضرابات والاحتجاجات التي ينظمها هؤلاء العمال ولا يسمع عنها أحد.هذا بالإضافة إلى أن الشركات التي تمت خصخصتها بالفعل لم تتوقف بها الحركة العمالية، فالملاك الجدد لا يتوقفون عن الهجوم علي مكتسبات العمال كما حدث في اعتصام عمال شركة إيديال في مارس 1998، والذي شمل عمال أربعة مصانع تملكها الشركة في وقت واحد.

وأخيراً: رغم أن صدور قانون العمل الموحد لن يكون بمثابة صدمة بالنسبة لعمال قطاع الأعمال، ولن يحدث تغييراً جوهرياً في أحوال عمال القطاع الخاص، وبالتالي لن تحدث انفجارات عمالية كبيرة كنتيجة مباشرة لصدور القانون، ولكن هذا لا يمنع أن التحركات العمالية التي تزايدت مؤخراً لن تتوقف، بل وربما يتزايد إيقاعها وحدتها في الفترة القادمة في صفوف عمال قطاع الأعمال، وصدور القانون بما يتضمنه من تسهيلات واسعة لصحاب العمل للتخلص من العمالة، حتى أننا يمكن أن نطلق عليه قانون فصل العمال، سوف يشجع إدارات الشركات علي اتخاذ خطوات أسرع واعنف في اتجاه تصفية العمال والهجوم علي مكتسباتهم، وهو الأمر الذي سيؤدي إلي تصاعد الحركة العمالية رغم ضعفها التنظيمي وسوف يؤدي إلى فرز طلائع جديدة لقيادة هذه الحركات، وربما يؤدي كذلك إلي إحداث شرخ في بنيان البيروقراطية النقابية.

وعلى ذلك ينبغي علي الثوريين أن يستعدوا للارتباط بهذه المعارك ومحاولة تنظيمها، عن طريق كسب القيادات التي تفرزها الحركة والقيام بحملة واسعة في حدود القدرات المتاحة من أجل فضح القانون ومقاومة تطبيقه، ودعم ثقة العمال في حركتهم المستقلة، عن طريق نشر الخبرات النضالية للطبقة العاملة في صفوف العمال، والمساعدة في تنظيم الحركة وزيادة تأثيرها.

قد لا نستطيع لمحدودية قوانا أن نؤثر في صراعات الطبقة العاملة نحو إسقاط القانون، ولكن مجرد الارتباط بالحركة العمالية وعمل صلات راسخة معها، يعد خطوة كبيرة علي طريق ملء الفراغ في الحركة، وقطع الطريق علي القوى الانتهازية المتاجرة بقضايا الطبقة العاملة.