بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رحلة معاناة الأطباء حديثي التخرج

“ما يولع العيّان بجاز وسخ”… قالها لي كبير مفتشي الإدارة الصحية قبل أن يحولني للتحقيق، لم تكن تلك العبارة هي صدمتي الأولى كطبيب تكليف في وزارة الصحة، فبعد نقلي قصرا وفجأة من إحدى الوحدات الصحية الريفية إلى وحدة أخرى، حدث خطأ من أحد الموظفين في إنهاء إجراءات النقل، ففضلت أن أقوم بعملي وفحص المرضى في الوحدة الجديدة بدون وجود اسمي وبدون توقيعي في دفتر الحضور والانصراف لحين تصحيح الخطأ، إلا أن كبير مفتشين الإدارة الصحية التي أتبع لها كان له رأي آخر، ورأى أن وجود اسمي بالدفتر أهم من قيامي بعملي كطبيب وأهم من المريض الذي في كثير من الأحوال لا يملك المال للكشف في أحد العيادات الخاصة.

ست سنوات يقضيها أطباء المستقبل في الحفظ والحشو في كلية يعتبرها البعض كلية القمة ليبدأ بعدها رحلة المعاناه العملية الحقيقة في سنة الامتياز، وتعد هذة السنة من أهم السنوات للطبيب الشاب فهي السنة التي يتدرب فيها الطبيب بالمسنشفى ويحتك فيها بالمرضى ويطبق عمليا كل ما درسه في سنوات الكلية الستة، ويلزم الطبيب بالتواجد لمدد تتراوح ما بين 6 إلى 12 ساعة يومياً في المستشفى، ولكن ما يحدث في أغلب الأحوال هو استعباد طبيب الإمتياز ومعاملته كعامل التوصيل؛ فيؤمر بإحضار أكياس الدم ونتائج التحاليل أو نقل بعض الأغراض من قسم إلى آخر، حتى يرضى عنه أحد الأطباء المقيمون (القليلو الخبرة أصلا) فيقوم بتعليمه بعض المبادئ في الطب أو يحالفه الحظ فيجد أحد الأطباء المحترمين الأكبر سنا فيقوم بتعليمه وتدريبه.

بعد أسابيع أو شهور من السخرة في المستشفى يبلغ الطبيب الشاب في هذة المرحلة 25 عاما ويحصل علي مكافأة إمتياز شهريا تختلف من جامعة إلى أخرى (من 250 إلى 350 جنيه)، كسور مما يحصل عليه زملائه في نفس العمر من ضباط الجيش مثلا.

عمل الكثير من أطباء الإمتياز في الصيدليات أو المستشفيات الخاصة أقرب إلى الممرض وبأجور هزيلة، وتنتهي سنة الامتياز بعد أن يكون الطبيب الشاب تشبع بالذل والمهانة في سبيل القليل من العلم والتدريب، ليدخل في دوامة العمل كطبيب تكليف في وزارة الصحة، وهي اسوأ مرحلة يعيشها الطبيب، فيصطدم بداية بعشوائية التوزيع جغرافي والغير منطقي، فيوزع البعض في المناطق النائية الحدودية بدون حوافز إضافية أو بدلات سكن أو انتقال حقيقية، ويوزع البعض الآخر في مناطق لا تصلها وسيلة مواصلات آدمية، لنجد أن الطبيب في سبيل الوصول لمحل عمله يلجأ إلى أن يركب على ظهر حمار مع أحد الفلاحين العابرين أو في الصندوق الخلفي لإحدى عربات النقل التي عطفت عليه بالتوقف.

يصل الطبيب الفقير علميا وتدريبيا إلى الوحدة الصحية الفقيرة في الإمكانيات والأدوية، ويكون مسئولا عن فحص المرضى وتحويل الحالات اللازمة إلى المستشفيات المركزية أو أن يصرف للمريض الدواء (إن وجد) الضعيف المفعول مقارنة بالأدوية الأعلى سعرا والأقوى تاثيرا المتاحة فقط في الصيدليات الخاصة، وعلي الرغم من قلة تأثير الدواء المتوفر إلا إنه ينتهي في أيام قليلة لقلة الكمية المنصرفة من الإدارة الصحية التابع لها الوحدة لتظل الوحدة الصحية خالية من أي إمكانيات طبية حقيقية.

ويحدث في بعض الأيام مرور تفتيش من أي جهة بداية من أعضاء المجالس المحلية إلى مفتش من وزارة الصحة، ويتعامل الكثير من موظفي التفتيش بتعالي وأحيانا بمهانة مع الطبيب الموجود، ويبتلع الأطباء كثيرا هذه المهانة حتي لا يتأثروا ماديا بالفتات الملقى اليهم، فالاجر الأساسي لطبيب التكليف هو 250 جنيه، ومع الحوافز والبدلات يصل الأجر إلى 1100 جنيه يحصل عليهم الطبيب علي دفعات، وأحيانا يحصل على راتبه منقوصا لعدة أشهر بسبب عدم توافر الأموال أو لأسباب لايعلمها أحد!

وبمجرد مرور عدة أشهر وما أن يعتاد الطبيب علي سوء الأوضاع ويتكيف معاها فيتم استدعاءه للتجنيد الإجباري،، وعلى عكس جميع الكليات والمعاهد يتم ترشيح كل الدفعة كضباط احتياط (لايوجد إرجاء) ويتم لاحقا غربلة المرشحين ليتم تجنيدهم إجباريا كجنود لمدة عام أو ضباط احتياط لمدة عامان ونصف تقريبا.

يخدم الغالبية العظمى من الأطباء كضباط احتياط أو جنود بالوحدات المقاتلة أو في المعسكرات التابعة للجيش الثاني أو الثالث الميداني، مما يؤدي إلى  نسيان الطبيب لمعظم ما درسه وللتدريب القليل الذي حصل عليه ليعود بعد أداء الخدمة العسكرية وهو الذي لم يمارس الطب طيلة عام كحد أدني ليكون مسئولا عن أرواح المرضى.

أما الضباط العاملين في القوات المسلحة فبعد دخولهم الأكاديمية العسكرية طوعا، يتم توزيعهم مركزيا في مستشفيات عسكرية مجهزة بأعلى الإمكانيات مثل مستشفى كوبري القبة ومستشفى المعادي العسكريين، ويعملون لفترات ليست كبيرة بالوحدات القتالية، ويحصلوا على أعلى تدريب وراتب يفوق أقرانهم في وزارة الصحة بكثير، فهم ضباط بالجيش قبل أن يكونوا أطباء.

وعند الانتهاء من التجنيد الإجباري تبدأ رحلة التخصص، فالطبيب ذو الـ27 عاما إذا خدم كمجند أو ذو الـ29 عاما إذا خدم كضابط احتياط فهذا الطبيب مازال على أعتاب طريق التخصص.. فيتم توزيعه علي حسب مجموع درجاته بكلية الطب على المستشفيات ليحصل علي مقعد الاختصاص، ويبدأ تدريبه للاختصاص في أحد فروع الطب، فيسعى للتسجيل بإحدى الجامعات للحصول على الماجستير إلا أنه يجد الجامعات تطلب منه شروطا قاسية للقبول بها، وأن يدفع مبلغ قد يصل إلى 5000 جنيه سنويا للتسجيل بالجامعة، وهو الذي يحصل على راتب لا يتعدي الـ1200 شهريا على أقصى تقدير، ومع ذلك يتلقى الطبيب الحد الأدنى من التدريب وذلك بسبب فقرالمستشفيات التعليمية في الامكانيات والأجهزة وانشغال الاستشاريين وكبار الأطباء في عياداتهم الخاصة.. ليحاول الطبيب تدبير المبلغ فيعمل في أكثر من عمل بجانب عمله بالمستشفي التعليمي، ويشكل هذا عبء مادياً ونفسياً كبيراً على الطبيب الشاب.. فمع رؤيته لزملائه من خريجي الكليات الأخرى الذين نجحوا إلى حد ما في تأسيس أسرة أو في رسم طريق لمستقبلهم العملي.. يتخبط الطبيب مادياً واجتماعياً في سبيل الاستمرار والنجاة من مستنقع وزارة الصحة. ويسعى للحصول على الدرجة العلمية (31 عام تقريبا)، ثم الهروب من هذا الجحيم إلى إحدى دول الخليج ليحصل علي عقد عمل يوفر له بعض الريالات أو الدراهم ظناً منه أن في هذا تعويض لما فاته من حياته، أو يفتتح عيادة خاصة ليبدأ مرحلة مص دماء المرضى (إلا من رحم ربي) ومحاولته لتعويض نفسه ماديا علي حساب المريض والمجتمع.

مزيج من الاغتراب والإحباط والندم، هو شعور أي طبيب شاب في بداية حياته، فكل ما كان يحلم به سواء ماديا أو أدبيا أو حتي قدرته علي خدمة المجتمع أصبح أوهام من الخيال، فيدور في ترس (أكل العيش) ويصبح هدفه الأول هو كيفية الحصول على القدر الكافي من المال الذي يعينه على الحياة بطريقة آدمية.

إن الصحة لا تلقى أي اهتمام من الدولة، فسياسات الدولة التي تشجع خصخصة الصحة وانسحاب دورها من توفير العلاج المجاني لعموم الجماهير  لتتحول الصحة إلى سلعة لا يحصل عليها إلا أصحاب القوة الشرائية القوية، أما أصحاب المرض والفقر فلا عزاء لهم إلا خرابات وزارة الصحة،  وعلي الرغم من توقيع مصر علي غتفاقية أبوجا الإريقية التي تقر رفع ميزانية الصحة إلى 15% من الموازنة العامة للدولة، إلا أن ميزانية الصحة أقل من 5% (25 مليار جنيه) من الموازنة العامة الأخيرة ،و يتم إنفاق أكثر من 8 مليارات جنيه كرواتب وبدلات للعاملين بداخل مبني ديوان وزارة الصحة فقط، فيحصل مبني واحد على ثلث ميزانية الصحة ويتم توزيع الثلثين علي باقي المستشفيات والعاملين في كل الجمهورية.

ويظل أصحاب المصحلة الأكبر في مهانة الأطباء وفقرهم المادي والتدريبي هم كبار المستثمرين بالمستشفيات الخاصة، فبسبب نقص الراتب الحكومي يتصارع الأطباء على العمل بتلك المستشفيات لتزيد المنافسة ويقل المقابل الذي يحصل عليه
الطبيب الشاب مقابل عمله.

ليس من العجيب أن نجد أن وزيرة الصحة هي الدكتورة مها الرباط التي تعمل كمستشارة للبنك الدولي الداعم دائما وبقوة لرفع الدعم لفترة تقارب الـ15عاما، وأن نجد الوزير الأسبق حاتم الجبلي من المساهمين في مستشفى دار الفؤاد ليظل المتحكم في سياسات الدولة هي المصالح الاقتصادية الكبرى والمستشفيات وشركات الدواء التي يتعارض مع مصالحها الربحية الاستغلالية ارتفاع ميزانية الصحة أو تطوير مستوى الطبيب ماديا أو تدريبيا مما يؤدي إلى حدوث تنافس بين المستشفيات الخاصة من جانب والمستشفيات والوحدات العلاجية الحكومية من جانب آخر، فيؤدي لتقليل الربح الذي يمتصه رجال الأعمال والمستثمرين من مرض الفقراء ومن عرق الأطباء.

وعلى جانب آخر تقع اعتداءات شبه يومية من أهالي المرضى أو البلطجية على المستشفيات وعلى الأطباء والطاقم الطبي، ونجد تراخي الأمن وأحيانا اعتداء الداخلية بنفسها على الأطباء في المستشفيات.

ويصبح الطبيب هو المتلقى الأول للإهانة — بسبب غياب قانون يغلظ عقوبة الاعتداء علي المستشفيات، وبسبب غياب الأمن المتعمد، وبسبب قلة الامكانيات في المستشفيات، مما يستفز المرضى ويحفزهم للاعتداء علي الطاقم الطبي — بدون أن  يكون له أدنى ذنب إلا وجوده في هذه المنظومة الفاسدة قصرا وليس طوعا.

ومن المفترض أن تكون الجهة الداعمة والمدافعة عن حقوق الأطباء هي النقابة العامة للأطباء، إلا أن سيطرة فصيل الإخوان المسلمين عليها منذ أعوام طويلة جعلها فرعاً لمقر الجماعة السابق بالمقطم، فلا ترى إلا مصالح مكتب الإرشاد وتوازناته السياسية، ولا تهتم بمصالح عموم الأطباء، قدر ما تهتم بالمصالح الاقتصادية لكبار المستثمرين المسيطرين على كبرى المستشفيات والمنشآت الخاصة التي تعمل في مجال الصحة من عرق الكادحين من أطباء.

وحتى مع تغير الظروف المحيطة وخروج الجماهير لعزل الرئيس السابق محمد مرسي وما تبع ذلك من مجازر ومذابح مثلما حدث في أحداث الحرس الجمهوري وفض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة، واتخاذ الإخوان خطوات ضد حكم العسكر تتميز أحيانا بالسلمية وأحيانا بالعنف والخطاب الطائفي الكريه، ظل الإخوان داخل النقابة على عدائهم ضد مصالح الأطباء، عندما دعوا لعقد جمعية عمومية غير قانونية للأطباء، تم الاعتداء فيها علي الأطباء المستقلين واتخاذ قرار بتأجيل الانتخابات واستمرار المجلس الإخواني الحالي، والذي كان مهددا بتحقيق نتائج هزيلة إذا ما أُجريت انتخابات التجديد النصفي في موعدها القانوني، وتم رفض فكرة الإضراب من مجلس النقابة الحالي في رشوة واضحة للنظام الحالي ليطمئن على مصالحه داخل هذا القطاع، ويدع لهم نقابة الأطباء (قلعة الإخوان النقابية العتيدة) كما تركها لهم من قبل نظام مبارك، وعند اللجوء إلى القضاء قام بالمماطلة كالعادة بتأجيل القضية في البداية بسبب عدم الاستدلال علي مكان نقابة الأطباء، ثم أجل القضية مرة أخرى للاطلاع، وأخيرا قررت المحكمة عدم الاختصاص وتحويل القضية لمحكمة النقض.

إلا أن وسط هذه الصورة القاتمة شديدة السواد يعبر إلينا طيف من الضوء والأمل. نضالات الأطباء أفرزت العديد من الكوادر والأفكار والنقاشات.. ومستمرة من وقفات واعتصامات وإضرابات قوية مثل في مايو 2011، وإضراب أكتوبر 2012 الذي استمر 82 يوم. الإضرابات كانت جزئية، فلم يتوقف العمل بالطوارئ والاستقبال والحضانات والعناية المركزة والعمليات الجراحية الحرجة، ولم يُضر أي مريض ولكن كانت المواجهة بين الأطباء من جانب والدولة من جانب آخر والتي يمثلها وزارة الصحة ومجلس النقابة الإخواني الخائن الذي حارب الإضراب وكسره في النهاية.

ولذلك يقع علي كاهل الطليعة الواعية من الأطباء الدور الأكبر في هذه المرحلة، فلا بد من العمل علي رفع الوعي المتفاوت لجميع العاملين بالقطاع الطبي وليس الأطباء فقط، والعمل علي تضفير وتنسيق جهودهم لتوجيه ضربات موجعة لهذا الاستغلال، وللحصول علي مكاسب جديدة مستمرة، وذلك من خلال المشاركة في جميع المعارك التي يخوضها هؤلاء العاملون بداية من وقفات واعتصامات وإضرابات وانتخابات نقابية ووصولا إلى أقوي الحلول وتكوين نقابة حقيقية مستقلة يبنيها الأطباء بعرقهم وجهدهم وأحلامهم في أجر عادل وفي ميزانة صحة تليق بأهالينا من المرضى وفي تأمين حقيقي للمستشفيات وحماية للعاملين بها، نقابة مستقلة في كل مستشفي وكل إدارة طبية تكون ممثلة قاعديا بالشكل الحقيقي للديموقراطية، والتنسيق والربط  بين هذة النقابات المستقلة لانتزاع حقوق جميع أعضاءها، وعلينا أن نؤمن أنه رغم طول وصعوبة هذا الطريق إلا أن عند الوصول إلى نهايته لن يُقال مرة أخرى “ما يولع العيّان بجاز وسخ”..