بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عريان نصيف.. شمس لا تغيب

عندما كان صغيرًا، علمه والداه، أن عليه، قبل النوم، وبعد أن يتلو الصلاتين: “يا أبانا الذي في السموات”، و”السلام لك يا مريم” – أن يدعو بالصحة والسعادة لأبويه ولإخوته وأخواته. وقد أدرك قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، أن هناك من يحتاج – بالإضافة إلى أسرته – إلى الدعاء: مبروكة القصيرة، كما كانوا يطلقون عليها وكما كانت هي بحق، التي كانت تشارك مع أخريات في عملية الخبيز الكبيرة التي تعدها أمه كل شهر. وفاطمة، خادمتهم الطيبة، التي كانت تقوم مع فتاة أخرى أصغر منها، بالعمل الرئيسي في منزلهم المتسع. وعم قطب، أحد مستأجري الأرض الزراعية التي يملكها والده، والذي كان على الرغم من كبر سنه، يفد إليهم لتسليم جنيهات كثيرة لأبيه، وهو سائر على قدميه، دون استخدام “الركوبة” كما كان هو وأسرته يفعلون. وجنات، تلك الشابة السمراء الجميلة، التي كثرت زياراتها لأمه، لتشكو لها من أخلاق زوجها التي ساءت بعد أن أصبح بلا عمل.

شعر في إحدى الليالي، أنه على الرغم من دعواته لكل هؤلاء، فهو مازال مقصرًا. فهناك كثيرون يعرفهم – وإن كان لا يعرف أسماءهم – يجب أن يشملهم الدعاء: ألرجل ذو الساق الخشبية، الذي يجوب الشوارع مساء، حاملاً سلة الفول السوداني. والسيدة العجوز بيضاء الشعر، التي تحضر إلى منزلهم كل فترة، فتتناول الغداء، ثم تملأ لها أمه عند رحيلها، كيسها القماشي الأسود، بالعديد من الأشياء. والولد ذو الجلباب المقطوع، الذي يعمل في محل التجارة في أول الشارع، والذي لا يضربه صاحب المحل، سوى بخشبة أطول منه. وقريبهم الذي يتم الحديث عنه، بين والديه، بالهمهمات، دون ذكر اسمه، ولكنه كان يشعر أنه في خطر من بضع كلمات، كانت أذناه تلتقطها، من بين هذه الهمهمات والهمسات، مثل “الملك.. الحكومة.. السجن.. الإنجليز.. يا حسرة أمه على شبابه”. اتسعت قائمة الذين يدعو لهم كثيرًا. كان النوم يقهره في أغلب الليالي، دون أن يكملها، فيتمها فور استيقاظه صباحًا.

الولد الذي ينعم بحياة شبه مترفة، حاصرته الأسئلة، بل والهموم: لماذا نعيش نحن هكذا، ولماذا يعيش الآخرون في هذا البؤس؟.. لماذا يرضى عم رمضان، وفاطمة، وصبي النجار، ومبروكة القصيرة، بأن يعيشوا في ظل هذا الفقر والاحتياج؟.. لماذا كل هذا الظلم والمسيح أحب الفقراء، وشكل جماعته الأولى منهم؟

حاولت الأم إقناعه: نحن لا نظلم أحدًا، بل نعطف على المحتاجين. وأيقن الأب، في قرارة نفسه، أن “الولد اتجنن”. أما راعي الكنيسة، بعد أن صلى له، أكد له: هذا حرام منك، فهو اعتراض على حكمة الرب. بل إن أحد المستأجرين لأرضهم، ضحك بطيبة وهو يطمئنه: إحنا عايشين من خيركم.

لم تقنعه كل هذه الإجابات، فقرر أن يرد هو على أسئلته بطريقته الخاصة. الفقراء لا يذهبون إلى المدرسة.. إذن هو أيضًا لن يذهب إلى المدرسة. الفقراء لا يأكلون اللحم والطيور.. إذن هو أيضًا لن يأكل منها. الفقراء لا يلبسون جديدًا في العيد.. لذا رفض ارتداء ملابسه الجديدة. وبعد محاولات ومحايلات، اقتنع بالذهاب إلى المدرسة، لكنه ظل مقاطعًا لبعض الأطعمة وبعض الملابس.

الطفل أصبح فتى. أرقته ذات ليلة فكرة مفاجئة: كم سيكون سعيدًا إذا تجمع كل هؤلاء الذين يحبهم ويدعو لهم، في مكان واحد معه ومع أسرته. يصعب تحقيق ذلك في منزلهم، رغم اتساعه. ففكر: لم لا يكون هناك بيت كبير، ذو حديقة أكبر، وحوله حقول أكثر اتساعًا، يحيون فيه جميعًا؟

طالت لياليه. حلم كثيرًا، وهم يقظ، بتلك الحياة: كيف سيذهب الأطفال إلى المدرسة، بملابس جديدة ونظيفة، ثم يعودون ليستذكروا فترة، ويلعبوا معًا “بالأرجوحة” الكبيرة التي ستقام في الحديقة؟ كيف سيعمل الجميع في الحقول، حتى تؤتي الأرض ثمارها، ثم يعيشون معًا على تلك الخيرات؟ بل وصل به الحلم إلى تحديد أصناف الفاكهة، التي سيزرعونها معًا، ويستمتعون بأكلها معًا أيضًا، وألوان الزهور التي سينعم الجميع بجمالها، وأريجها.

اتسع الحلم.. كبر.. وكبر هو أيضًا.. ثم اهتم بالقراءة، فاكتشف أن هناك كثيرين حلموا ومازالوا يحلمون بنفس الحلم.

“البيت الكبير ذو الحديقة الأكبر والمحاط بالحقول المتسعة” لم يعد حلمًا، بل أصبح هدفًا محددًا يستغرق كل حياته.. معيشة الناس في هذا البيت أصبحت قضية عمره.. وصار اسمه يتردد، بين أسرته ومعارفه، بنفس الألفاظ التي كان يسمعها ولا يفهمها عندما كان يهمس بها عن قريبه. كان يضحك عندما يغلق عليه الباب الحديدي للحجرة الضيقة، التي كثيرًا ما أصبحت تستضيفه، مرددًا لزملائه في تلك الحجرة: “من هذا المكان المظلم، شديد الضيق، سيقوم البيت الكبير، وستخضر مزروعات حديقته، وتتسع الحقول المحيطة به، ولن تغرب عنها الشمس أبدًا”. لقد كان، وما زال، من فرط يقينه بهذه الشمس وباقتراب بزوغها، رغم ما يحيط بها من ضباب، يشعر بدفئها.