بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

التشريد والمرض وتجفيف الارض والتسعيرة الجبرية

أسلحة الرأسمالية للقضاء على الصيادين

في البرلس: الدولة تهدم المنازل على رؤوس الصيادين
في محافظة كفر الشيخ لا يتوقف الحديث عن الفساد السياسي والإداري المتحالف مع الثروة، والذي جعل المظاهرات والانتفاضات الشعبية مظهرا مألوفا لدى أبناء المحافظة. فمن المظاهرات في سيدي سالم (قرية دمرو) بسبب مياه الشرب، مرورا بانتفاضة “الحامول” بسبب قتل مواطن من التعذيب فى قسم شرطة المركز، إلى الصراع في “مطوبس” بين الأهالي وجمعية “زبيدة” المحمية بقوات الأمن المركزى وكبار المسئولين.

لذلك فقد كانت قوات الأمن على أهبة الاستعداد لقمع أي بادرة اعتراض من قبل الصيادين الذين قرر المحافظ هدم المنازل على رؤوسهم، من أجل عيون الرأسماليين والاستثمار السياحي، ويصرح المحافظ بأن الإزالات في بر بحري تمت بالتراضي مع الصيادين، بل ويا للعجب، أن الصيادين قد هدموا منازلهم بأيديهم…! بينما أكد الصيادون على أنه في الوقت الذي كانت الحكومة تحتفل فيه بانتصارات أكتوبر المجيدة!! كانت البلدوزارات تقوم بتسوية المنازل بالأرض في حراسة أكثر من أربعين سيارة أمن مركزي رابطت في القرى على مدى شهر كامل، حيث تم إزالة 250 منزلا في قريتي “مسطروة” و”المقصبة”، أما باقي القرى فقد وضعت على قائمة الانتظار.

وتعتبر قرى بر بحري التسعة، “عانوس، عماد، أولاد حسين، الحنفي، البنا، العقولة، قضاعة الشرقية والغربية، الجماصة، الشيخة، بالإضافة إلى المقصبة ومسطروة”، مناطق لاستقرار وسكنى الصيادين منذ مئات السنين بالقرب من مصادر رزقهم في بحيرة البرلس والبحر المتوسط، حيث كانت معظم مساكنهم من أكواخ البوص، ثم تخللتها المساكن الخرسانية بمرور الزمن. هذه القرى مهملة تماما من قبل الدولة، حيث لم يهتم أحد بوضع هذه القرى من الناحية القانونية، باعتبار أنها قائمة على أملاك الدولة، وكانت المراكب الشراعية أو الجرارات بعد عبور بوغاز البرلس هي وسائل الانتقال لهذه القرى.

وفي عام 1993 تم البدء في تنفيذ المشروع الدولي الساحلي الذي تشابه تأثيره على هذه المنطقة تأثير الحملة الفرنسية على مصر منذ مائتي عام، فقد لفت هذا المشروع كل الأنظار إلى هذه القرى واصبح لها سعر في عيون الرأسماليين ولاسيما أصحاب مشاريع الاستثمار السياحي، وهذا ما دفع محافظ كفر الشيخ إلى إصدار قراره في 14/2/1998 بحظر التأجير أو الترخيص لأي مباني أو أكشاك أو منشآت لأي غرض من الأغراض على شاطئ بحيرة البرلس في المسافة من بوغاز البرلس شرقا حتى منطقة محطة طلمبات غربا وهي المسافة التي تقع فيها هذه القرى، وقد أصدر المحافظ قراره هذا متخطيا كل الجهات الفنية، مثل الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية والمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، وجهاز حماية البيئة بالمحافظة، مع أنه قد ذيل قراره بأنه حفاظا على البيئة وحرصا على عدم تلوث مياه البحيرة.!وبسبب اعتراض الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية – لأنه لم يتم إشراكها في لعبة المكاسب، حيث أن لها العديد من المخططات الخبيثة التي حاكتها بالتحالف مع كبار المستثمرين ضد الصيادين – بسبب اعتراضها على القرار في 17/3/1998 ومطالبتها المحافظ باستثناء المساحات الواقعة في زمام بحيرة البرلس – منطقة الساحل الشمالي – “بر بحري” من حظر التأجير والترخيص، وطلب تأجيرها منافع عامة كحلقات أسماك للصيادين، أصدر المحافظ قراره في 25 مارس 1998 بتشكيل لجنة للبت في الأمر، لكن ما حدث بعد ذلك أثبت أن تراجع المحافظ لم يكن إلا للتمويه فقط لا غير، واتضح أنه قد تم ترتيب الأمور من وراء الكواليس. فقد قام السيد رئيس مدينة بلطيم ورئيس قرية “برج البرلس” بتحرير محاضر إزالة لكافة المنازل بهذه القرى، وقامت البلدوزارات بهدم 250 منزلا في قريتي “المقصبة ومسطروة” وما زالت باقي القرى على قائمة الانتظار، مما دفع بتلاميذ المدارس في هذه القرى إلى تنظيم إضراب يومي 10 و11 أكتوبر اعتراضا على هذه الإزالات، وهنا فقط تحركت المجالس الشعبية ونواب مجلس الشعب وباقي الأعيان لتهدئة الموقف وفض الإضراب.

وفي اجتماع المجلس المحلى للمحافظة في 12 أكتوبر 98 طالب أعضاء المجلس بإلغاء قرارات الإزالة وتوفيق أوضاع الصيادين سواء بالشراء أو الإيجار وتحديد حيز عمراني لهذه القرى لاحتواء غضب الصيادين وخوفا من اشتعال الموقف.

قام المحافظ-وإنقاذا للموقف المتفاقم- بنقل رئيس قرية برج البرلس وكذلك مسئول الإدارة الهندسية ككبشي فداء لمخطط الفساد الذي دبره بنفسه، أما عن الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية بمحافظة كفر الشيخ، فإن جرائمها لا تقل بشاعة عن جرائم المحافظ حيث أن هذه الهيئة تقوم بالتحالف مع أصحاب المصالح الكبار بوضع العراقيل الممكنة أمام اتجاه الصيادين للصيد في البحر المتوسط، حيث أن هناك نسبة من الصيادين في هذا الإقليم تعيش على الصيد في البحر المتوسط، وفي بعض الأوقات من العام يكون البحر هو مصدر الرزق الوحيد لكل صيادين المنطقة لتعذر الصيد في بحيرة البرلس، وكالعادة قامت الهيئة بعرقلة حركة الصيادين، أصحاب المراكب الصغيرة لصالح الاستثمار الكبير فى مجال الصيد. فبعض أبناء البرلس الذين كانوا يعملون بالصيد في البلاد العربية والأجنبية حالوا استثمار مدخراتهم التي ادخروها في الغربة طوال سنوات،لكن الهيئة أصدرت قراراتها بمنع التراخيص لمراكب جديدة لمهن الجر والشنشيلا، وكذا تم تحديد قوة ماكينات تشغيل مراكب السنار والكنار مما جعل الكثيرين غير قادرين على الدخول في هذا المجال تاركين البحر لكبار أصحاب السفن الضخمة وثيقي الصلة بالهيئة.وهذا اتجاه طبيعى فى ظل إعادة هيكلة الاقتصاد والتوسع الرأسمالى، فالدولة تسعى للقضاء على المستثمر الصغير سواء كان صيادا أو فلاحا أو حرفيا وذلك بطرق مختلفة تسمح بإعطاء الفرصة الأكبر للشركات الرأسمالية الكبيرة. هذه الشركات ستزيح من أمامها بالمنافسة وشتى الطرق الأخرى القانونية وغير القانونية الصيادين الصغار.

ولا تكتفي الهيئة بإغلاق أبواب البحر في وجوه الصيادين وإنما أيضا تسعى للقضاء على بحيرة البرلس، وهي المصدر الأساسي لمعيشتهم، فلأنها الجهة المنوط بها تنمية البحيرة التي تبلغ مساحتها 140 ألف فدان، فقد رأت الهيئة أن خير وسيلة لتنمية البحيرة هي تجفيفها !! لذلك فقد خصصت مساحات من الأراضي لجمعيات فوة ومطوبس وسيدي سالم بلغت حوالي 23 ألف فدان لتجفيفها واستخدامها في الزراعة. ولكن هذه الجمعيات بدلا من أن تقوم بتجفيفها قامت بتحويل معظم المساحات إلى مزارع سمكية، لكن خطر هذه المزارع يفوق خطر التجفيف. فإذا كان التجفيف يقضي على مساحة محددة من البحيرة فإن المزارع السمكية تقضي على الثروة السمكية في البحيرة كلها حيث أنها تستخرج من البحيرة زريعة السمك الصغير من أجل مزارعها ومن أجل بيعها للمزارع السمكية من خارج المحافظة بهدف تحقيق أرباح طائلة على حساب الصيادين، وبذلك تتاجر هذه المزارع بالأساس الطبيعي للثروة السمكية بالبحيرة، وتعد هذه عملية مدمرة للبيئة ولكن الرأسماليين فى سعيهم للربح على استعداد لتدمير أى شئ وهذا يفضح ادعاءات البرجوازية بأنه يمكن الحفاظ على البيئة فى ظل المجتمع الرأسمالي.

إن ما يحدث فى بحيرة البرلس يوضح بشكل جلي التحالف الوثيق بين الرأسماليين والدولة، فجمعية “زبيدة” التي تم إنشاؤها بغرض الزراعة والتنمية الحيوانية من قبل مجموعة من الرأسماليين استطاعت أن تجعل الهيئة تحرر لها محضرا يفيد أن هذه المساحة التي تريدها جمعية زبيدة (1483 فدان) غير صالحة للاستخدام السمكي، الأمر الذي أدى إلى تسليمها للهيئة العامة للتعمير والتنمية الزراعية، علما بأن هذه المساحة كما يؤكد الصيادون وحتى أعضاء المجلس المحلى للمحافظة صالحة تماما للصيد، حيث أن بها أعماق مياه من 150-180 سم على خلاف ما ورد بتقرير الهيئة، ويؤكد الصيادون أن هذه المنطقة تعتبر المطرح الرئيسي للبحيرة لاتصالها بقناة “برمبال” المتصلة بفرع رشيد المتصل بالنيل والبحر المتوسط، لذلك فإنه عندما قامت الجمعية بإحضار الكراكات لعمل جسر فاصل على هذه المساحة، تصدت لهم الأهالي خوفا على مصدر رزقهم واستعانت الجمعية بقوات الأمن المركزى لتمكينها من عمل هذا الجسر، فواجهت قوات الأمن الأهالي وشنت حملة اعتقالات واسعة في أوساط الصيادين، والمضحك في الأمر أنه بعد هذه الصدامات توقف العمل في إنشاء الجسر وذلك بسبب وقوع الجمعية في أزمة مالية طاحنة جعلتها على شفا الإفلاس، وبذلك هدأت الأمور ولكن إلى حين، حيث أن قرار تخصيص مساحات من البحيرة للجمعية ما زال ساريا، وبإمكان الجمعية استئناف العمل بالجسر في أي وقت مما يجعل الوضع قابل للتفجر فى أى لحظة فالصراع مازال مستمرا بين جمعية الرأسماليين والدولة من جهة والصيادين من جهة أخرى .

في المنزلة: التلوث والأمراض تفتك بالصيادين
إن أوضاع الصيادين فى بحيرة البرلس الذين يبلغ عدهم اكثر من 70 ألف صياد لا تختلف كثيرا عن أوضاع باقى الصيادين فى مصر، ففى بحيرة المنزلة يعانى اكثر من 150ألف صياد من تردى أحوال المعيشة والبطالة، فقوارب الصيادين بدون عمل على شاطئ المطرية والمقاهى امتلأت عن آخرها بالعاطلين.

بدأت كارثة بحيرة المنزلة عندما قررت الدولة تجفيف البحيرة، من أكثر من 20 سنة حتى تراجعت مساحتها من 750 ألف فدان إلى 120 ألف فى الوقت الحالى، وكان المبرر هو استزراع المساحات المجففة، وتسليمها للصيادين، ولكن جففت الأرض ولم يتسلم أى من الصيادين أى شئ واستولى عليها كبار الرأسماليين أصحاب الثروة والنفوذ .

الشحوب والملابس الرثة هى السمة الغالبة لكل من تقابله من أبناء المطرية والمنزلة، التى يسكن فيهما 300 ألف شخص هم اسر الصيادين، فالأمراض تفترس الأهالى من فشل كلوى والتهاب الكبد الوبائى والبلهارسيا من جراء تلوث البحيرة بشكل كارثي، نتيجة لإلقاء مخلفات الصرف الصحى القادمة من بورسعيد وصرف بحر البقر والصرف الصناعى لمصانع العاشر من رمضان والمنطقة الحرة ببورسعيد، بكل ما تحمله من مخلفات كيماوية غير معالجة فى شكل سموم تتناولها الأسماك التى يلتهمها الإنسان، كل هذا بالإضافة للرائحة الكريهة والقذارة التى أدت إلى التكاثر الرهيب للفئران والحشرات الضارة حتى أصبحت الوسيط لكل الأمراض المعدية، ويصف أحد الموظفين فى مديرية الصحة “بالمطرية” الوضع قائلا: ” أدى إغلاق البواغيز وركود المياه وظهور الطفيليات إلى انتشار البلهارسيا واتحدى أن يكون هناك صياد واحد من عشرات الآلاف من الصيادين بالمطرية غير مصاب بالبلهارسيا ومضاعفاتها مثل تليف الكبد وتضخم الطحال والقىء الدموى الناتج عن دوالى المرىء.” ويصرخ أحد الصيادين: ” إننى لا أستطيع أن أتناول أنا وأولادى السمك الذى اصطاده خوفا عليهم فرائحة “الجيفة” تنبعث منه رغم انه مازال حيا!!”

إن الدولة تسعى فى بحيرة المنزلة إلى حرث الأرض للتوسع الرأسمالى فى الزراعة الكبيرة فعملية تجفيف البحيرة ما هى إلا تحويل أراضى البحيرة إلى مزارع كبيرة لإنتاج المحاصيل والخضر من اجل التصدير والمالك الصغير فى هذه العملية ليس له مكان فكما يشير أحد الصيادين ” إننا لم نأخذ الأرض المجففة كما يقولون والواقع اكبر دليل حتى لو أخذنا الأرض ماذا نفعل بها؟ فالصياد لا يمكن أن يتحول إلى فلاح” بالتأكيد الصياد حتى لو اخذ قطعة ارض من البحيرة سيكون مضطرا فى النهاية -كما يفعل كل الملاك الصغار تحت حدة منافسة رأس المال الكبير- إلى بيعها لتتركز كل أراضى البحيرة بعد فترة ليست بقصيرة فى أيدى رأس المال الكبير ويكون الطريق الوحيد أمام الصيادين لتأمين قوت يومهم إما العمل كعمال زراعيين فى مزارع رأس المال الكبير أو العمل كعمال على مراكب الصياد الكبيرة وهذا هو ما يحدث اليوم بالفعل فقد ذهب الكثير من صيادين بحيرة المنزلة للعمل كعمال على مراكب الصيد الكبيرة بالسويس.

في ناصر: الدولة تنهب عرق الصيادين
تأخذ عملية استغلال الصيادين شكلا مختلفا فى بحيرة ناصر فالدولة تشترى كيلو السمك من الصياد 140 قرشا على الرغم من تكلفته على الصياد تصل إلى ثلاثة جنيهات وسبعة قروش، بمعنى أن الصياد يخسر 153 قرشا فى الكيلو منزوعة الرأس وخمسة عشر جنيها فى كيلو السمك الفيليه، وتحقق الدولة عبر شركات التسويق الكبرى التي تحتكرها والتسعيرة الجبرية أرباحا طائلة على حساب الصيادين الفقراء الذين يهربون من الصيد فى البحيرة حتى انخفض عددهم من 7 الآلاف إلى حوالى 3 آلاف صيادا يعيشون تحت ظروف قاسية وغير إنسانية لا تتوافر بها ادنى الخدمات الطبية والتعليمية واكثر من التسعيرة الجبرية التي تمص دم الصياد تفرض الدولة جمارك على كل ما يحمله الصياد من أمتعة ومعدات صيد حتى جوالات الملح التى يستخدمونها فى عمل الفسيخ والملوحة تخضع لرسوم الجمارك ويقول أحد الصيادين “الصيادون فى بحيرة ناصر أعلنوا تذمرهم الشديد وقرروا رفع راية العصيان على حركة الصيد بالبحيرة فالدولة تنهب الصيادين فى الوقت الذى ترفع أسعار المواد الغذائية والتموينية بشكل مستمر من أين للصياد أن يشترى قوته وقوت أولاده بخلاف الارتفاع المستمر لأسعار أدوات ومعدات الصيد”، الدولة بالتأكيد تهدف إلى إزاحة المستثمر الصغير من بحيرة ناصر بتضييق الخناق عليه حتى يفلس ويخرج من عملية الإنتاج وتصبح البحيرة برمتها فى أيدى الشركات الرأسمالية الكبيرة سواء على صعيد الإنتاج أو التسويق. فالدولة لن تلغى التسعيرة الجبرية التى تسرق من خلالها عرق الصياد إلا بعد القضاء على المستثمر الصغير وساعتها ستلغيها لصالح المستثمرين الكبار فهذه الدولة كما نعرف جميعا دولة رأس المال الكبير.

إن الصيادين وكل المستثمرين الصغار سيزيحهم رأس المال الكبير، ليصبح كل من ولد ليعمل ليس لديه تطلع آخر غير أن يظل يعمل ويشقى ويموت من المرض والجوع والتشرد، طوال حياته طالما بقى هذا النظام الرأسمالى.