بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سلخانة غزل المحلة.. “المستشفى” سابقاً

لم يكن يتوقع عمال غزل المحلة هذا التحول في مسار مستشفى الشركة التي أصبحت أشبه بسلخانة، بدلا من أن تكون مأوى للعمال يستردون فيها صحتهم. فقد تحول المستشفى في السنوات العشرة الأخيرة من مكان يشعر فيه المريض بأنه في منزله وبين أهله، إلى مكان يكره التواجد فيه نتيجة لما يعانيه داخله. فعمال الشركة يلقون معاملة شديدة السوء داخل المستشفى. رغم أنها بُنيت بعرقهم وأموالهم.

يحكي وليد جمال قصة والده جمال هنداوي، الذي عمل بالشركة لمدة 40 عاماً دون أن يشتكي من أي مرض، “شعر والدي فجأة بارتفاع في درجة حرارته أثناء العمل وتم نقله إلى المستشفى يوم 14 أغسطس هذا العام، وكان تشخيص الأطباء لحالته أنه أصيب بجلطة تسببت في شل قدمه اليسرى عن الحركة. وقرروا حجزه بالمستشفى، ولكننا قمنا بعمل أشعة على المخ على نفقتنا الخاصة، ولم يقم الأطباء بعمل أية فحوصات طبية أو أشعات طوال مدة إقامته بالمستشفى –15 يوماً– واكتفوا بإعطائه علاج للمخ والأعصاب لا يراعي حالته، فأصيب بارتفاع شديد في ضغط الدم وظهرت عليه أعراض الفشل الكلوي ودخل في غيبوبة فتم تحويله إلى مستشفى الطوارئ بالمنصورة يوم 28 أغسطس، ليفارق الحياة بعد 24 ساعة من دخوله هناك تاركاً وراءه أسرة لا عائل لها. وحسب ما ذكر أطباء المنصورة بأنه وصل هناك متأخراً، والسبب إهمال الأطباء بمستشفى شركة المحلة”.

هذه واحدة من مئات الحالات التي تشهد على معاناة عمال غزل المحلة داخل المستشفى في الآونة الحاضرة، على عكس ما كانت عليه في الماضي. يروي حمدي حسين، القيادي العمالي، قبل عام 1988 كانت تُجرى العمليات الجراحية الخطيرة بالمستشفى، بواسطة أطباء محليين مثل سامي أنطون وأخريين، وفى حالة الجراحات الأكثر صعوبة، كجراحات المخ والأعصاب، كان يتم استدعاء جراحين من الخارج، كالدكتور جمال العزب من الإسكندرية، وإجراء الجراحة بالمستشفى. ولم يكن المريض يحتاج إلى السفر إلا في حالات خاصة تحتاج رعاية تحت أجهزة طبية فترة ما قبل العمليات أو بعدها، ويضيف حمدي أنه قد أجريت له عمليتين بالمستشفى من قبل، وكانت ناجحة ولم يعاني من أي مشاكل بعد إجرائها. وكان العمال يصرفون في الماضي العلاج بشكل جيد لهم ولأسرهم. كان وراء هذه الأوضاع في الماضي إدارة جيدة المستشفى، وأيضاً الرضوخ لمطالب العمال عند تظاهرهم في حالة وجود مشاكل لهم مع المستشفى.

قصة أخرى من مآسي المستشفى صاحبها هو سمير نافع (55 عاماً) الموظف بقسم المراقبة الداخلية للنسيج، كانت هي الأشهر داخل الشركة خلال الأسابيع الماضية. حيث تعرض يوم 18 أكتوبر لحادث كبير أثناء تأدية عمله، ويروي وائل أبو زويد (أحد شهود الواقعة) أنه أثناء تواجده في عمله القريب من مقر عمل سمير فوجئ بالجرار الذي يحمل بالات القطن تسقط منه “الكساحة” التي يحمل عن طريقها البالات لتصطدم بسمير في مشهد أصاب الجميع بالذعر، وعلى الفور توجه جميع زملائه إليه ليجدوه ملقى على الأرض في حالة قريبة من الإغماء، ورأى وائل الدم ينفجر من قدمه اليمنى، التي تتطاير منها قطع اللحم. خلال لحظات سارع زملائه بربط جروحه بقطعة قماش والاتصال بالإسعاف، وتم نقله إلى المستشفى، وقام أحدهم بالاتصال بعضو النقابة عن النسيج طلال الشامي كي يذهب إلى المستشفى ليطمئن عليه ويتابع حالته، لكنه لم يذهب أو يعير الأمر أي اهتمام.

ويكمل شاهد عيان آخر (رفض ذكر اسمه) باقي القصة من داخل المستشفى، بأن سمير عندما أتى كان في حالة سيئة للغاية وطلب العاملين بالشركة طبيب العظام أحمد العقدة، لكنة رفض توقيع الكشف الطبي عليه بحجة “أنه مروح”، وسارع العاملين بطلب أطباء الجراحة على موبايلاتهم لأن المستشفى كانت تعمل في ذلك اليوم نصف يوم، ولم يكن بها هذا الوقت أطباء، فالأطباء المباتشيين غالباً يذهبون لمنازلهم ولا يأتون إلا في حالة الاستدعاء. وقد رفض أحد الأطباء (الدكتور هشام فؤاد) الرد على هاتفه من الأصل وأغلقه، وفي النهاية نجحوا في الاتصال بطبيب العظام (الدكتور عبد الجواد النجار) الذي حضر بعد ساعتين من الاتصال، وبعد كشفه على سمير أمر بعمل أشعة له، فثبت أن قدمه مكسورة، فقام الطبيب بتخييط الجرح وتجبيس قدم.

إلا أن قدم سمير بعد دقائق من تجبيسها بدأت تنزف، وغرق الجبس بالدم، لكن لم يبالى أحد، ولم يقم الأطباء حتى بتحويله إلى مستشفى الطوارئ بالمنصورة إلا بعدها بثلاثة أيام. وفي المنصورة رفضوا استقباله نتيجة لتأخر حالته، مما زادها سوءاً، ولم يجد أطباء المحلة حلاً لحفظ ماء وجههم سوى تحويله إلى مستشفى الشروق بطنطا، التي أفاد طبيبها حين استقبل الحالة بأن من قام بتخييط الجرح وتجبيسه لا يصلح أن يكون طبيباً، لأنه كان عليه وضع مسامير وشرائح وشبكة بالقدم قبل الجبس، وأن تأخر الحالة قد يسبب غرغرينة بالقدم، مما يؤدي إلى بترها. وفى مقابلة مع سمير نافع قال أنه يشكر الله على نجدته، كما يشكر زملائه الذين، رغم فترة عمله القصيرة معهم، إلا أنهم فور وقوع الحادثة لم يتركوه حتى الآن. وحكى أنه لدى عودته لموقع عمله بعد صلاة الظهر فوجئ بالكساحة تخرج عن الجرار وترطمه بالحائط، ولم يشعر بنفسه إلا وهو في المستشفى تُجرى له الأشعة، واكتفى بشكر الله على حمايته، مؤكداً أنه لازال سليم وأنه مؤمن بقضاء الله وقدره.

وفي مقابلة أخرى مع عادل شاهين (55 عاماً) الموظف بإدارة الصوف، أكد أن أحوال المستشفى “ما تسرش عدو ولا حبيب”، بها الكثير من المخالفات منها عدم تواجد الأطباء الأكفاء لرعاية العمال، وتدخل الإدارة في تحديد الأجازات المرضية، فلو يقم العامل بالذهاب إلى الطبيب في عيادته الخاصة، أو لم يكن في “أتباع” الإدارة ففرصة حصوله على أجازة مرضية أو علاج صحيح تكاد تكون معدومة. ويضيف بأن العلاج “ده حكايته حكاية” فكل الأمراض يُصرف لها نفس الدواء، أي لو أنك مريض بالصدر مثلاً سيصرفون لك نفس دواء مرضى الباطنة أو الجراحة “ولو مش عاجبك ما تجيش”، وبالطبع لا يُصرف الدواء الغالي إلا لرؤساء القطاعات ومديري العموم، الذين يملكون صلاحيات كثيرة، منها قدرتهم على ترك العمل والذهاب إلى المستشفى للكشف والعودة دون أخذهم غياب، يعنى لو لم يحصل على أجازة، وهذا غير محتمل يستطيع الرجوع للعمل دون أن يعاقبه أحد.

وأشار عادل إلى الحالة السيئة للمستشفى، حيث تمتلئ أقسامها الداخلية بالحشرات، كما يعاني العمال من سوء المعاملة من قبل ممرضات غير مدربات، والأسوأ أن أغلبهن مريضات ولا تحصلن على علاج لحالتهن. ويروي كيف أنه عندما ذهب للكشف على ابنته في المستشفى لدى الدكتور علي طعيمة، فطلب منه عادل، بأن تدخل ابنته الأخرى مع الطبيب أثناء فحصه للأولى، فما كان من الطبيب إلا أن أخبره بأنه لن يوقع الكشف عليها. بعدها تقدم عادل بشكوى إلى الإدارة من سوء المعاملة في المستشفى، إلا أنهم بدل من محاسبة الطبيب تم توقيع الجزاء عليه هو بتهمة التعدي بالسب على الطبيب.

ويؤكد وليد عبد الرؤوف زعير العامل بسويتش المستشفى على وجود الكثير من المخالفات داخلها، منها عدم تواجد الأطباء في مواعيد مباتشياتهم، إلا في حالة استدعائهم، وعلى حد تعبيره “ابقى قابلني لو جم” رغم وجوب تواجد 12 طبيباً من مختلف التخصصات يومياً ولكن هذا لا يحدث ويذهب الطبيب لعيادته الخاصة “وتتحرق المستشفى”. وأشار إلى قدر التمييز الذي يُعامل به العمال في المستشفى حين يحضرون للكشف، حيث يضطرون إلى الانتظار وقتاً طويلاً لحين حضور الأطباء، الذين يتأخرون بالساعات عن موعد حضورهم، ويبدءوا بالكشف على معارفهم ومن يتم التوصية عليهم من الإدارة أو النقابة، وإذا كان لديه وقت بعدها قد يكشف على العمال الآخرين، أو يخبرهم بأن يحضروا في اليوم التالي. وأكد بأن المستشفى لا يوجد بها الكثير من المواد المطلوبة لإجراء التحاليل، منها تحليل البلهارسيا الذي لم تدخل المواد اللازمة له المستشفى منذ 10 سنوات، لذا فمعظم نتائج التحاليل غير صحيحة بسبب عدم دقتها.

أحد مظاهر التمييز التي يتعرض لها العمال هي التحويل لمستشفيات أخرى بها خدمات أفضل، فحين يرغب أى مسئول في الشركة الحصول على تحويل يحدث هذا فوراً وإلى أحسن مستشفيات مصر، كما يؤكد وليد، ولو احتاج إلى السفر للخارج يتم ذلك مباشرة، أما العمال فلا يحدث وإن حدث فإنهم يحصلون على أدنى المستويات. وضرب وليد مثلاً بأن له أخ يعمل بالمحطة لديه طفل مصاب بثقب في القلب ومشاكل في الرئة، وقد استدعى مرضه تحويله إلى مستشفى خارجي، وقد فوجئ أخوه أن خطاب التحويل الصادر عن مستشفى الشركة إلى مستشفى جيهان للأطفال بالمنصورة ينص على أن يتم علاج الطفل في أدنى درجة بالمستشفى!

قصة أخرى بطلها فوزي أبو عامر (55 عاماً) بأفسام النسيج، الذي أصيب بهبوط مفاجئ فنقل إلى مستشفى الشركة، ولم يكن في استقبال المستشفى غير أخصائي الباطنة (الدكتور محمد حليم)، الذي شخص حالته على أنها جلطة في المخ وأعطاه دواء مذيب للجلطة وقام بتحويله إلى طبيب آخر (الدكتور محمد أبو السعود)، ورغم أن فوزي مريض بالقلب وأجرى من قبل جراحة لتغيير الشرايين ورغم معرفة الطبيب الأول بذلك، إلا أنه لم يهتم بعرضه على أخصائي قلب. بعدها قام الطبيب الثاني بتحويله على ثالث (الدكتور عادل عبد الوهاب أخصائي الأعصاب ورئيس القطاع الطبي بالمستشفى) الذي لم يحضر إلا بعد عدة ساعات، ثم شخص الحالة أيضاً بأنها جلطة في المخ، ورغم أن فوزي دخل المستشفى في حالة غير متردية، إلا أنه وبعد وقت قصير أصيب بشلل نصفي وفقد القدرة على الكلام، ولازال طريح الفراش في العناية المركزة، لم تتحسن حالته، ولم يتم تحويله إلى مستشفى أخرى.

وفي لقاء مع أحد العاملين بالمستشفى (رفض ذكر اسمه) ذكر أن هناك الكثير من الحالات داخل المستشفى لم يتم تشخيصها حتى الآن لغياب الإمكانيات والأجهزة ومواد التحاليل. وأضاف بأن الممرضات داخل المستشفى أغلبهن مصابات بأمراض مزمنة، بعضها خطير كفيروس سي، رغم ذلك لا يتم علاجهن، فكيف سيعالجون المرضى! أكد أيضاً على أن هناك أطباء شرفاء يؤشرون للمرضى بصرف العلاج الفعال لحالاتهم، وعندما يذهب المريض لصرف العلاج من الصيدلية لا يحصل على ما أشر به الطبيب، وإنما يصرفون له دواء آخر أقل فعالية، ويتم إحالة تذكرة العلاج إلى رئيس القطاع الطبي الذي يستدعي الطبيب وينبهه بألا يؤشر بمثل هذه الأدوية للعمال.

القصة الأخيرة عن عبد الله زكي (52 عاماً، أخو الطنطاوى زكى أحد قيادات إضراب سبتمبر) الذي تم حجزه في المستشفى، وبسبب الإهمال في علاجه أصيب بشلل، ورغم حالته المتردية أشر الأطباء بخروجه من المستشفى، ليتوفى منذ أيام متأثراً بمرضه. وهو ليس الأخ الوحيد الذي يفقده الطنطاوى بسبب إهمال المستشفى، فله أخ آخر توفي منذ ثلاثة أعوام بسبب إهمال علاجه في المستشفى.

أما المفارقة هي أن أطباء المستشفى قدموا طلباً لرئيس مجلس الإدارة بزيادة أجورهم، رغم كل ما يعانيه العمال من إهمال على أيديهم.