بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

العمال والنقابات..

سلطة رأس المال ومستقبل كفاح عمال مصر من أجل النقابات

مقدمة

كلنا نعلم أننا نعيش اليوم عهد تشريد العمال وإفقارهم، عهد العصف بكل الحقوق العمالية: من تأمين اجتماعي، لفرص عمل، لتأمين صحي، وسكن، وغيرها. آلاف العمال في القطاع الخاص شردوا وفصلوا من مصانعهم، وآلاف مثلهم في القطاع العام اجبروا على الخروج على المعاش المبكر لينتقلوا إلى طابور العاطلين الذي لا نهاية له في مصر المحروسة. أما العمال الذين لا زالوا يحتفظون بوظائفهم، فهم يعيشون الجحيم ذاته بلا حوافز أو أرباح ـ حتى الأجور ذاتها تتأخر لشهور طوال!

صحيح تماماً أن هذا الهجوم الشرس لم يمر بدون مقاومة. فبالذات في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة تصاعدت النضالات العمالية بشكل ملحوظ في عددها وفي نطاقها. ولكن صحيح أيضاً أن هذه التصاعد لم يعكس نفسه في تطوير تنظيم الحركة العمالية، أو في خلق جيل قيادي واسع متخلص من أمراض وانتكاسات الماضي. والأهم أن هذا التصاعد لم يوقف عجلة الخصخصة والإفقار التي دهست ـ ولا زالت تدهس ـ كل فقراء وكادحي مصر.

هذه ـ على وجه الإجمال ـ هي صورة أحوال العمال في مصر، وهي الصورة التي يكملها وجود تنظيم نقابي عمالي يلعب دور خادم السلطة والرأسمالية وينفذ رغباتهما قبل التفوه بها في بعض الأحيان. رئيس هذا التنظيم ـ السيد راشد ـ يتبجح كل يوم بالتهليل لإنجازات الحكومة في “الخصخصة والإصلاح الاقتصادي”، ويمهد الأرض لهذه “الإصلاحات” التي كان أثرها المباشر هو تشديد استغلال العمال وكل الكادحين في مصر.

في هذه اللحظة من تاريخ الطبقة العاملة المصرية جرت مؤخراً الانتخابات النقابية لعام 2001. وهي الانتخابات التي جسدت ـ بالتزوير والشطب وانصراف العمال وهزال المرشحين وانتهازية القادة النقابيين ـ الحالة الراهنة للنقابات العمالية. ولكن بينما نستطيع أن نقرأ في الانتخابات بعض سمات الضعف في نضال عمال مصر اليوم، يمكننا أيضاً أن نفهم من خلالها فرص وإمكانيات ومناطق قوة، ومن ثم واجبات، الكفاح العمالي في المرحلة المقبلة.

لهذا السبب، وبهذه المناسبة، نقدم هذا الكراس القصير. نحاول هنا أن نفهم سوياً كيف يمكن أن يرتبط النضال داخل النقابات ـ بكل قبحها واصفرارها ـ بالنضال على طريق مقاومة سياسات “الإصلاح” والقمع والتشريد. ونحاول أن نطرح على بساط البحث تصورنا عن واجباتنا ومناطق قوتنا ومكامن ضعفنا. والهدف هو الاتفاق حول أسس معركتنا، ثم العمل موحدين على خوضها، حتى نوقف سياسات إفقارنا وشل حركتنا.

ولكن دعونا لا نستبق ما سنحاول أن نوضحه على مدى صفحات الكراس. دعونا أولاً نبدأ من البداية ـ من معرفة تاريخ وخصوصية النقابات كجهاز منظم للدفاع عن مصالح العمال، في العالم وفي التاريخ، وفي مصر المعاصرة على وجه التحديد.

النقابات والوساطة بين العمال والرأسمالية

تاريخياً حاولت الرأسمالية في العالم كله فرض مفهوم للنقابات محتواه أن دور النقابة العمالية هو الوساطة بين العمال وأصحاب العمل، وأن النقابات ليس لها شأن بالسياسة. النقابات ـ هكذا يقولون ـ هي التنظيم الذي يعبر فقط عن مصالح العمال الاقتصادية ويسعى لتحسين شروط الاستغلال لا القضاء عليه.  ولكن هل هذا بالفعل هو كل ما هدفه العمال عندما بدءوا في إنشاء النقابات؟ إن التاريخ يدل على عكس ذلك.

 نشأت النقابات العمالية في أوائل القرن التاسع عشر في بلدان أوروبية عدة، وذلك في خضم نضالات وصراعات هائلة خاضتها الطبقة العاملة الوليدة ضد أصحاب المصانع. ولدت النقابات في أحيان كثيرة من رحم  الإضرابات ونضالات العمال، وكان الكثير منها عبارة عن تجمعات تنظم العمال على أساس كونهم ينتمون لطبقة واحدة وليسوا مجرد عاملين في مصانع متفرقة. وفي البداية كانت النقابات تتميز في تنظيمها بالبساطة. فلم يكن النقابي منفصل عن العمال ومربوط بالإدارة، ولم تكن النقابات بعيدة عن السياسة، بل كانت تري نفسها في أحيان كثيرة معارض سياسي للسلطة التي تحمي أصحاب المصانع.

في مواجهة هذا التطور الخطير ـ ونعني به تنظيم العمال لأنفسهم ـ استخدم أصحاب المصانع أدوات القمع لإرهاب العمال ونقابييهم. حيث هددوا المنضمين للنقابات بالفصل والتشريد، واستخدموا قوات البوليس لقمع الإضرابات وفض الاجتماعات النقابية. ولكن العمال استمروا في تكوين النقابات. هنا التفتت البرجوازية لطريق آخر. فبعد أن فشل سيف المعز جاء الدور على ذهبه!

أقدمت البرجوازية على استيعاب النقابات، فاعترفت بها وأضفت عليها الشرعية مقابل ألا تتعدى حدود المفاوضة الاقتصادية، وأن تنهي صلتها بالسياسة وتهديد استقرار النظام الحاكم. من هنا ولدت فكرة الاكتفاء بالنضال الاقتصادي الذي يهدف إلى تحسين شروط الاستغلال لا القضاء عليه. ومن هنا جاء التأكيد المستمر على أن دور النقابة لا يتجاوز دور الوسيط بين العمال وأصحاب الأعمال.

وفي نفس الوقت، ومع حصار الطبقة الحاكمة للنقابات، تبلورت ـ خاصة في مرحلة الانتعاش الاقتصادي في أواخر القرن التاسع عشر ـ شريحة من النقابيين المحترفين “بالمعنى السيئ للكلمة”. تميز هؤلاء المسئولون النقابيون بمستوى معيشي وظروف حياة وعمل مختلفة عن العمال العاديين. فهم غير معرضين للفصل مثل باقي العمال، وأجورهم تزيد عن أجر العامل المتوسط، وشروط حياتهم لا تتأثر بتقلبات ظروف العمال. باختصار، لقد تحول كبار النقابيين من قيادات طليعية للطبقة العاملة إلى مجرد وسطاء “مميزين” بين أصحاب رأس المال والعمال.

هكذا تقلصت أهداف النقابة من النضال السياسي إلى مجرد التفاوض الجماعي على الأجر وساعات العمل وما إلى ذلك، مما يعنى أنها أصبحت ـ في أعين العمال ـ مؤسسة خدمية تحتاج إلى متخصصين قادرين على المفاوضة ومتفرغين للعب هذا الدور، وبالتالي ازداد الميل لانفصال النقابيين عن العمال وتراجعت الديمقراطية الداخلية للنقابات.

إذن نجحت الرأسمالية جزئياً أن تروض النقابات وتنزع عنها أنيابها.وذلك عندما تحولت من قيادة حقيقية لنضالات العمال إلى جهاز لاحتواء وتلجيم سخط العمال داخل “الحدود الآمنة” التي لا تهدد بقاء النظام الرأسمالي. وبالطبع كانت الطبقة الحاكمة هي المستفيد الأول من هذا التحول. لكن كان هناك مستفيد آخر: البيروقراطية النقابية، تلك الشريحة من النقابيين التي انفصلت عن العمال وأصبحت ـ بحكم الموضع والواقع ـ تنتمي إلى وسط اجتماعي أعلى.

فرغم أن هؤلاء يأتون من صفوف العمال، إلا أن وظيفتهم الاجتماعية الخاصة بالوساطة والمفاوضة، ووضعهم الاجتماعي المتميز الظاهر من مستوى معيشتهم الذي يزيد بما لا يقاس عن مستوى معيشة العمال العاديين، والاستقرار الذي يتسم به عملهم الذي لا يتهدد بتقلبات السوق، والعالم الذي يعيشون فيه (عالم المكاتب المريحة والاجتماعات”الهامة” مع الشخصيات “المحترمة”) .. كل ذلك جعل من هؤلاء الموظفين “على درجة نقابيين” فئة منفصلة عن الطبقة العاملة. لقد صار لهم مصلحة واضحة في استمرار النظام والمجتمع الطبقي اللذان يؤمنان لهم الوضع المتميز الذي يحظون به.

وحتى نفهم بشكل أفضل طبيعة ودور البيروقراطية النقابية، علينا أن نشير إلى تأثرها بتقلبات الصراع الطبقي في مراحله المختلفة. فالبيروقراطية النقابية تتعرض لضغوط متناقضة: ضغوط من أعلي وضغوط من أسفل. ضغوط من أصحاب العمل والنظام الحاكم، وضغوط من صفوف العمال. في فترات تراجع نضالية العمال، تزداد فرص البيروقراطية النقابية في فرض هيمنتها على الحركة العمالية ولعب دور صمام أمان المجتمع الرأسمالي، وبالتالي تصبح أكثر انفصالاً عن القاعدة العمالية وتصير مهيأة أكثر لخدمة أصحاب المال. أما في لحظات ارتفاع وتيرة نضالات العمال تزداد ضغوط العمال على النقابات والنقابيين، فيضطر جناح منهم ـ من أجل الحفاظ على دوره ووجوده ـ أن يدخل في مواجهات مع أصحاب العمل والدولة. والتاريخ يسرد لنا كيف أن العمال عندما يتحدّون حكم رأس المال، فإنما يتحدّون بشكل أو آخر “مؤسساتهم” التي سرقت منهم. ويصل هذا التحدي إلى ذروته في قمة نضال العمال، أي في لحظة الثورة العمالية. حيث أن بعض النقابات يمكن أن تصبح آنذاك ـ وفي حالات بعينها ـ من أدوات تعبئة الطبقة العاملة في معركتها الشاملة والنهائية ضد مجتمع الاستغلال والقهر.

وهكذا ـ عود على بدء ـ نرى أن النقابات هي نتاج مسار سياسي واجتماعي وليست أبداً مجرد تعبير عن “طبيعة جوهرية” لا يمكن أن تتغير. لا يمكن لأحد أن يقول أن النقابات بالضرورة معادية للتغيير الثوري، أو أن يقول أن كل نقابة نشأت كانت بيروقراطية. هناك تنوع تخلقه الظروف التي تنشأ فيها النقابات، وفهم هذا التنوع هو أمر هام لأي مناضل يريد أن يعرف ـ بالتحديد ـ ماذا سيكون دور النقابات في دولة ما في عملية تغيير المجتمع ثورياً. ولذلك فإن فهم النقابات في مصر، وفهم تاريخها وحاضرها، هو أمر هام لفهم ما العمل بشأن الحركة النقابية المصرية.

في مصر النقابات تولد من رحم الإضراب

إن تاريخ النقابات العمالية المصرية هو نفسه تاريخ موجات المد والجزر في الصراع الطبقي، وهو نفسه تاريخ حركة العمال. ففي مصر، وكتأكيد لما ذكرناه سابقاً، ولدت النقابات العمالية ـ في مراحل عديدة حاسمة ـ من قلب الإضراب.

أول نقابة عمالية أنشئت في مصر كانت نقابة لفافي السجائر العاملين في شركات الدخان عام 1899. نشأت هذه النقابة إثر إضرابات متتالية قام بها العمال رداً على خفض أجورهم، وكانت في الأساس نقابة عمال مهرة أجانب مما جعلها أقرب إلى نقابة حرفيين ذات طابع محدود وضيق. وقد اندثرت هذه النقابة عندما فقد لفافي السجائر وضعهم المتميز مع التطور التكنولوجي الذي لحق بصناعة الدخان.

ويمكننا اعتبار أن البداية الحقيقة للنقابات أتت مع الموجة الأولي للإضرابات الكبيرة في الفترة من 1908 إلى 1911. ففي هذه الفترة، ومن قلب حركة الطبقة العاملة، أنشئت عدد من النقابات أهمها نقابة الصنائع اليدوية، وهى النقابة التي انهارت بعد ضرب الإضراب الذي قامت به في عام 1910. وهناك أيضاَ نقابة عمال الترام بالقاهرة، وهى النقابة التي تشكلت في أوج حركة إضرابية واعتصامات قام بها عمال الترام، وكانوا يمثلون طليعة الطبقة العاملة في العقد الأول من القرن العشرين.

 إلا أن حركة الطبقة العاملة عادت لتملأ الدنيا صخباً في أوائل 1919. فمع الموجات المتتالية للمد، خاصة قبيل ثورة 1919، تكونت ـ كما ذكرنا ـ نقابات قوية عديدة. وقد اشتد عود هذه النقابات في خضم الثورة. حيث نُظمت إضرابات عديدة، على رأسها إضراب عمال الترام طوال شهر مارس وجزء من أبريل، إلى جانب إضرابات ومظاهرات عمال المطبعة الأميرية وعمال السكر بالحوامدية. ولعل خير دليل على تأثير حركة العمال المصريين خلال الثورة  هو البيان الذي أصدره زعيم الثورة “سعد زغلول” ينادي فيه العمال بعدم الإضراب واصفاً إياه بالبدعة الغربية خاتماً قوله بمأثورة شهيرة: “على الرعاع أن يعودوا للمنازل”! وهكذا، فقد كان مجيء الطبقة العاملة إلى ساحة الثورة يقلق مضاجع أصحاب المصالح الجديدة من أصحاب عمل ورأسماليين. فقد خافوا أن تقوم الجماهير، وفى قلبها الطبقة العمالية الناهضة، بالإطاحة بهم في غمار تصاعد المعركة التي بدأت كنضال “وطني” ضد الاستعمار البريطاني.

 تمسك العمال بسلاحهم المتمثل في الإضراب، واستمروا في تشكيل النقابات. حيث أعادوا تكوين نقابة عمال الترام، إلى جانب تكوين نقابات لعمال الطباعة، ونقابات أخرى في قطاعات الغاز والكهرباء والماء، بحيث وصل عدد النقابات في 1921 إلى نحو 90 نقابة مقابل 21 نقابة فقط في بداية 1919. ووسط سيل النقابات والإضرابات، تكّون “الاتحاد العام للعمل” الذي ضم 21 نقابة بالإسكندرية، والذي انتهي إلى تكوين الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وهو الاتحاد الذي ربط نفسه بأول حزب يدافع عن الاشتراكية ومصالح الطبقة العاملة في تاريخ مصر المعاصر، وهو الحزب الاشتراكي الذي تغير اسمه لاحقاً إلى “الحزب الشيوعي”.

لقد تعلم الوليد السير! عرفت الطبقة العاملة المصرية طريق الإضراب والتنظيم النقابي الديمقراطي, بل وبدأت تعرف طريق التنظيم السياسي ممثلاً في الحزب الشيوعي. هنا استبد الفزع بسعد ورفاقه. لقد أصبحت عروشهم وعروش الإقطاعيين والرأسماليين مهددة، خاصة بعد موجة الإضرابات التي نظمها الاتحاد العام للنقابات والحزب الشيوعي في نهاية 1923 في الإسكندرية وكفر الزيات والقاهرة, وخاصة بعد أن تصاعدت الاحتجاجات العمالية لتصل وفق بعض التقديرات إلى مشاركة نحو 200 ألف عامل في إضرابات في الفترة من 1921 ـ 1924. هنا قامت البرجوازية المصرية بقيادة سعد زغلول بضرب وتصفية الاتحاد العام للنقابات والحزب الشيوعي وسجنت قياداتهما. لقد أعلنت الرأسمالية المصرية الحرب على الطبقة العاملة ممثلة في نقاباتها وحزبها الوليد، ليستعاد سيناريو الرأسمالية الغربية في ترويض النقابات العمالية، حيث أعلن حزب الوفد عن تكوين اتحاد عام للنقابات خاضع له وتحت سيطرته.

احتاج العمال فترة طويلة نسبياً حتى يتعافوا من آثار ضربة الوفد الموجعة. إلا أن هذا لا ينفي استمرار صراعهم ضد أصحاب العمل الأجانب والمصريين طوال الثلاثينيات، بالرغم من أن نقاباتهم كانت غائبة بفعل فاعل. كل هذا بينما كانت أحزاب القصر والوفد والأمراء تتنافس على تكوين نقابات عمالية من باب فرض الهيمنة على حركة العمال.

  ولكن سرعان ما انقلبت الأوضاع مع بداية الأربعينيات. فمع تصاعد حركة الإضرابات العمالية ـ خاصة في قطاع النسيج ـ كانت السماء تمطر نقابات: نقابات قادمة من صفوف العمال، وليس من ردهات القصور. ذلك أن سنوات الأربعينيات كانت سنوات المعارك العمالية الأكثر ضراوة وجذرية في تاريخ الطبقة العاملة المصرية.

انتقل مركز قيادة الطبقة العاملة المصرية في الأربعينيات من عمال المرافق والخدمات إلى عمال صناعة المنسوجات. حيث خاض عمال هذه الصناعة نضالات بطولية دفاعاً عن حقوقهم. وكان لنقابة عمال النسيج الميكانيكي في شبرا الخيمة دوراً بارزاً  في قيادة إضرابات ضخمة في النصف الأول من الأربعينيات، حتى أن حكومة إسماعيل صدقي قامت في 28 أبريل 1945 بحل النقابة. وقادت النقابة بعد عودتها إضراباً استمر لمدة 19 يوماً في يناير 1946. في ذلك العام ـ 1946 ـ كانت مصر تعوم فوق بحر من الإضرابات العمالية في المحلة الكبرى وشبرا الخيمة والإسكندرية . ومن وسط هذه الإضرابات كانت تولد النقابات، حتى لقد طار صواب أبواق القصر وأصحاب المال مثل مصطفي أمين وعلى أمين، وبدءوا يصرخون محذرين من طوفان الإضرابات والنقابات التي تكاد تغرق مصر!!

في هذه السنوات المجيدة زاد عدد النقابات من 210 نقابة تضم في صفوفها 103 آلاف عامل في عام 1944 إلى حوالي 500 نقابة في عام 1949، كانت معظمها في القاهرة والإسكندرية ومنطقة قناة السويس. وكانت نقابة عمال النسيج الميكانيكي وحدها تضم نحو 150 ألف عامل.

استطاعت هذه النقابات الخارجة من رحم حركة العمال أن تنافس “نقابات الأحزاب” الموجودة على الساحة السياسية في ذلك الوقت، بما فيها الأحزاب الموالية للقصر أو للرأسمالية المصرية الصاعدة.  وعلي الرغم من قرب معظم النقابات المستقلة من  المنظمات الشيوعية ـ وربما يكون من الأدق أن نقول بسبب قربها من المنظمات الشيوعية ـ إلا أنها رفضت، ومعها أغلب القيادات العمالية، أن تخوض الصراع حتى النهاية ضد البرجوازية المصرية، وذلك بسبب الخط “الوطني” الرافض لتجذير الصراع الطبقي الذي تبنته المنظمات الشيوعية التي كانت قيادات العمال مرتبطة بها.

في أوج لحظات نضال العمال في بداية الخمسينات، وبعد أن نجحت الطبقة العاملة أن تهز مرة أخري بقوة التوازنات السياسية الفاسدة، وبينما كانت السلطة ـ وفقاً لتعبير محمد حسنين هيكل ـ ملقاة على قارعة الطريق لا تجد من يتلقفها .. في غمار هذا كله خرج الجيش من الثكنات ليستولي على السلطة. وكان هاجس مواجهة الحركة العمالية الصاعدة هاجساً أساسياً للعسكر القادمين من الثكنات. ومن هنا كان الرد الوحشي على إضراب عمال كفر الدوار في أغسطس 1952 بعد أقل من شهر من حركة الضباط. حيث تم قمع الإضراب بيد من حديد، وتم تحويل قياداته للمحكمة العسكرية التي أصدرت الحكم بالإعدام على العاملين خميس والبقري.

ثم التفت العسكر إلى النقابات العمالية. حيث قاموا بتصفيتها، وبدءوا في فرض العناصر الصفراء والخائنة على قياداتها، وهو ما أدى على حد وصف النقابي اليساري عطية الصيرفي إلى “عسكرة الحركة النقابية”. حيث سارت حركة الجيش، بعد انتهاء الصراع بين أجنحتها وانتصار جناح عبد الناصر في 1954 بشكل نهائي، في طريق احتواء حركة الطبقة العاملة وحصرها في اتجاه خدمة السلطة. وقد ساعد على نجاح سياسات النظام الناصري الانتعاش الاقتصادي الذي مر به الاقتصاد العالمي في الخمسينيات والستينيات، وهو ما أتاح لعبد الناصر تقديم العديد من التنازلات للطبقة العاملة، علي سبيل المثال منع الفصل وزيادة الأجور وتوفير السكن للعمال… الخ.

 هكذا، وفى ظل النظام الناصري، نشأت البيروقراطية العتيدة مستندة على الدولة بل ومندمجة في أجهزتها ومنفصلة تماماً عن القاعدة العمالية. إلا أنه سرعان ما اهتز هذا البنيان النقابي بعد أزمة النظام الناصري عقب هزيمة 1967. حيث أظهر العمال مرة أخرى وجههم النضالي في مظاهرات 1968 التي قادها عمال حلوان، ثم توالت بعد ذلك إضرابات العمال في شبرا والمحلة.

بعد وفاة عبد الناصر، وتولي السادات مقاليد السلطة، قام الأخير بالإعلان عن إجراء الانتخابات النقابية العمالية التي كانت معطلة من 1964، في إطار محاولته جذب العمال إلى تأييده في صراعه ضد مجموعة “على صبري” التي انقض عليها في 15 مايو 1971. ولكن الانتخابات النقابية جاءت بما لا تشتهي سفن السادات، حيث وصلت نسبة التغيير  في هذه الانتخابات إلى نحو 80% من عضوية اللجان والأجهزة النقابية. واستطاع اليسار أن يحصد مقاعد غير قليلة داخل النقابات. وسرعان ما دخل السادات في مواجهة مع عناصر اليسار داخل النقابات. فبعد أسابيع قليلة من الانتخابات، وفى أغسطس 1971 أصدر اتحاد عمال مصر بياناً استنكر فيه سياسات الإرهاب التي اتبعها النميري ـ صديق السادات ـ تجاه اليسار السوداني. وبعد خمسة أيام من صدور البيان التقي السادات مع ممثلي النقابات حيث أعلن ضرورة إجراء تطهير منظم لصفوف الحركة النقابية من العناصر “المستقطبة” و”المريضة”!

هكذا أسفر السادات عن وجهه الحقيقي في مواجهة ممثلي العمال. فلقد اكتشف أن إعطاء العمال حرية اختيار ممثليهم يهدد كرسيه، مثلما ـ بل أكثر ـ مما كانت تهدده مجموعة “على صبري”، فقرر أن يكشر عن أنيابه.

ولم يكد السادات ينتهي من مواجهة العناصر اليسارية النقابية، مثل فتح الله محروس وعبد العظيم المغربي، حتى وجد نفسه أمام العملاق الذي خرج من القمقم. فقد توالت الإضرابات العمالية معلنة ميلاد حركة جديدة، خارجة هذه المرة من مصانع حلوان التي أنشئت في الخمسينيات والستينيات. فكان إضراب عمال الحديد والصلب في أغسطس 1971، وهو الإضراب الأول الذي يقوم به عمال قطاع الصناعات الهندسية في حلوان. أعلن هذا الإضراب عن ميلاد طليعة جديدة للطبقة العاملة قادت الحركة العمالية طوال السبعينيات. كان إضراب الحديد والصلب بمثابة إعلان عن استعادة الطبقة العاملة لسلاح الإضراب. ولكن المفارقة هذه المرة أن النقابات لم تولد من رحم الإضراب، بل على العكس وقف العمال المضربون في وجه نقابات الدولة. كانت الإضرابات تنظم بعيداً عن النقابات واللجان النقابية، وفى بعض الأحيان في مواجهتها. وفى حالة وقوف بعض أعضاء اللجان النقابية مع الإضراب كانت مكافأتهم جاهزة عند الدولة: العزل والسجن والتشريد!

وكما ذكرنا، كان إضراب الحديد والصلب مجرد إشارة بداية لدورة جديدة من تصاعد النضال العمالي. فبالفعل تلت هذا الإضراب سلسلة من الإضرابات والمظاهرات العمالية منها إضرابات عمال شبرا الخيمة وعمال ميناء الإسكندرية في 1972. ثم تواصل النضال حتى رأينا السبعينات تشهد زخم عمالي غير مسبوق منذ تولي العسكر السلطة. حيث طلع نهار 1 يناير 1975 وعمال حلوان يضربون ويتظاهرون ضد الحكومة مطالبين بإقالتها، وتضامن معهم عمال شبرا الخيمة وعمال المحلة الكبرى. ورغم “أنياب” ديمقراطية السادات التي طالت العمال وقيادييهم في هذه الإضرابات، إلا أن الحركة العمالية سارت على درب الإضراب طوال عام 1976. حيث أضرب في هذا العام عمال المصانع الحربية في حلوان وعمال النصر للسيارات وعمال النقل العام.

وكانت انتفاضة 18 و19 يناير 1977 بمثابة نقطة الذروة في حركة الطبقة العاملة المتصاعدة في السبعينيات. حيث قام عمال حلوان في 18 يناير بالتوقف عن العمل بعد قرار الحكومة برفع الأسعار. وفى اليوم التالي انتشرت المظاهرات العمالية مثل النار في الهشيم في معظم المحافظات المصرية، وكان لعمال حلوان وشبرا والترسانة البحرية الدور الأهم والأكبر في هذه الانتفاضة التي تراجع السادات على أثرها عن قرارات رفع الأسعار.

اتسمت الحركة العمالية الصاعدة في السبعينيات بعدة سمات، لعل أهمها ـ كما ذكرنا سابقاً ـ هو تصاعد المواجهة بين البيروقراطية النقابية والقاعدة العمالية الغاضبة. أدان الاتحاد العام للعمال جميع الإضرابات العمالية في تلك الفترة واصفاً إياها بأنها عمل غير واع ولا مسئول لقلة منحرفة مندسة على العمال. هذا إلى جانب إدانة النقابات العامة للإضرابات “ذات التأثير السلبي التخريبي على الجبهة الداخلية”! وفي الواقع الملموس ـ وبصدد كل إضراب على حدة ـ كانت مواقف اللجان النقابية المصنعية تتنوع ما بين إدانة الإضراب، أو التردد والانقسام حول الموقف منه، أو في أحسن الأحوال ـ وفي حالات محدودة ـ تأييده تأييداً خجولاً غير واثق.

أما بعد انتقال مقاليد الحكم لمبارك، فقد ترقب العمال سياسة الحاكم الجديد، ثم أدرك الجميع بعد فترة قصيرة انه يسير على درب سياسات سلفه: سياسات انتزاع الخبز من فم العمال لملء كروش أصحاب المال. ولذلك، فمع تصاعد الأزمة الاقتصادية في منتصف الثمانينات بدأت الطبقة العاملة في التحرك مجدداً. فكانت إضرابات عمال النسيج بالمحلة وإسكو والسكك الحديدية وغيرها. ولعل أهمية الإضراب الأخير تبرز في انه دشن أهم وأقوى محاولة عمالية للخروج عن التنظيم النقابي الموجود. حيث قادت الإضراب الرابطة العامة لسائقي السكة الحديد في مواجهة النقابة العامة لعمال السكك الحديدية. وقد استمرت بالفعل هذه الرابطة بعد انتهاء الإضراب، إلا أن دورها تم تهميشه بفعل دور الدولة في مواجهتها، ولأن التجربة لم تخلق تيار داخل العمال، فوقفت معزولة وحدها في بحر من النقابات السلطوية!

أما في التسعينات، فكلنا عاصر القصة بكاملها: بدأت الدولة في 1991 ـ بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وبعد الرشوة التي تلقتها في حرب الخليج الثانية ـ في تنفيذ برنامج أطلق عليه برنامج التثبيت الهيكلي. وكان من شأن هذا البرنامج رفع معدلات استغلال العمال في كافة القطاعات. ولذلك رأينا أنه بدءاً من حوالي منتصف التسعينات تصاعدت الإضرابات العمالية ذات الطابع الدفاعي في محاولة من جماهير العمال لمقاومة الهجوم البرجوازي الشرس على مستويات معيشتها وشروط عملها.

اتسمت إضرابات النصف الثاني من التسعينات بالتفتت والانعزال وعدم القدرة على حشد تضامن عمالي واسع النطاق. وكان هذا من نتائج عسكرة الحياة النقابية والعمالية في كافة أوجهها على مدى العقود السابقة. فمع مقدم التسعينات كانت معظم منافذ التعبير العمالي المستقل، ومعظم العناصر العمالية النضالية، قد تمت تصفيتها وتهميشها بقسوة أمنية غير مسبوقة: النشرات والمجلات العمالية التي توسعت في خضم المعارك العمالية في النصف الثاني من الثمانينات (صوت العامل، الصنايعية، أوراق عمالية …  الخ) تهاوت وصفيت؛ الصفوف الجديدة من مناضلي حلوان العماليين في الحديد والصلب والمصانع الحربية والمواسير وغيرها ـ تلك الصفوف التي برزت في الثمانينات ـ تهاوت وحوصرت وفقدت صلتها بالعمال؛ وعلى هذا المنوال كان الأمر في مختلف المناطق العمالية داخل القاهرة وخارجها. ثم  بدأت الدولة في التصفية المباشرة للمصانع وفي بيعها, وهو ما لا نحتاج إلى شرحه أو وصفه لأننا جميعاً شهود عيان على ما يتم.

على جانب آخر، كان عقد التسعينات هو عقد إعادة هيكلة الطبقة العاملة المصرية: فكما تقلصت الطبقة العاملة في قطاع رأسمالية الدولة (القطاع العام)، ولدت في نفس المرحلة قطاعات عمالية جديدة تركزت فيما أطلق عليه المدن الصناعية الجديدة كالعاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، السادات، وغيرها. على تخوم المراكز الصناعية والحضرية القديمة، وفي ظل سياسات الدعم اللانهائي لرأس المال، تمركزت أجيال جديدة من العمال الصناعيين. كان هذا متزامناً مع توسع فئات عمالية جديدة من عمال الخدمات في سلاسل المطاعم الجاهزة، ومحلات تجارة التجزئة، وغيرها من المؤسسات الرأسمالية.

عمال “الطبقة العاملة الجديدة” لا يعرفون النقابات. فبينما كانت مشكلة عمال القطاع العام هي عسكرة النقابات، فإن مشكلة العمال الجدد كانت، ولازالت، غياب النقابات. هذا الغياب تم بفعل فاعل! فالدولة بأجهزة قمعها، والرأسماليين بجبروتهم، حرصوا على ألا ينظم هؤلاء العمال أنفسهم دفاعاً عن حقوقهم المسلوبة. بل أن الدولة أًصدرت في منتصف التسعينات قراراً بمنع تشكيل النقابات في أي منشأة يقل عدد عمالها عن 250 عامل (كان العدد في السابق 50 عامل). وكان الهدف هو إجهاض كل محاولة لتوحيد صفوف عمال القطاع الخاص الجدد الذين تصاعدت بوادر تذمرهم تحت وطأة استغلال بشع لا يتوقف.

وكما ذكرنا من قبل، فإن نضالات العمال في أواخر التسعينات ـ وحتى يومنا هذا ـ لا تتوقف. بلا أسلحة تقريباً، وبدون قيادة منظمة، وفي مواجهة آلة قمع شرسة، يناضل العمال اليوم من أجل وضع العصا في عجلة الاعتصار الدائرة. وهذه في الحقيقة هي بؤرة الضوء الوحيدة في الوضع العمالي الحالي: لا يزال العمال يواصلون نضالهم. ولذا فإن كفاح كل ثوري وكل عامل متقدم لابد وأن يتركز على هذه البؤرة في مسعى لتنميتها، وتوسيع دوائرها، وتوحيد قواها، وتنظيمها.

مركزية البديل القاعدي

رأينا أن سنوات التسعينات شهدت عملية إفقار وتشريد غير مسبوقة دفعت العمال في كل القطاعات تقريباً إلى الانخراط في نضالات متتالية اتسمت بالدفاعية والتفتت والانعزال السياسي. ورأينا أيضاً ـ من خلال فحص تاريخ الحركة النقابية والعمالية المصرية ـ أن النقابات أصبحت أجهزة مندمجة في الدولة وخادمة لرأس المال. على ذلك يكتسب السؤال حول تجاوز الحركة العمالية لأزمتها التنظيمية والسياسية الراهنة أهمية خاصة. فكيف تتجاوز الطبقة العاملة أزمتها؟ هل من خلال إصلاح الجهاز النقابي البيروقراطي الحالي من الداخل؟ أم من خلال الشروع فوراً في بناء بديل مستقل ديمقراطي؟ أم أن هناك خيار آخر عدا هذا وذاك؟

قبل الإجابة نذكر أنفسنا بطبيعة النقابات المصرية الراهنة. هذه النقابات ـ وعلى خلاف النقابات في الدول البرجوازية الديمقراطية ـ تتميز بالانفصال شبه التام عن القاعدة العمالية. على عكس القيادات النقابية في الدول الديمقراطية لا تحتاج القيادات النقابية في مصر إلى إظهار وجهاً نضالياً من آن لآخر للاحتفاظ بقاعدتها العمالية أو لتوسيعها، وذلك لأنه لا توجد منافسة من نقابات أخرى، ولأن عضوية النقابات شبه إجبارية، والاشتراك النقابي يخصم من المنبع بواسطة الإدارة. ومعنى ذلك أن الـ”الشرعية النقابية البيروقراطية” محصنة ـ في ظروف تفتت وعزلة النضال العمالي ـ ضد التأثر بتقلبات مزاج الجماهير العمالية وانصرافها عن النقابات. ومعناه أيضاً أن القيادات النقابية العليا مدينة بوجودها ـ في الأغلب الأعم ـ لجهاز الدولة خالق النقابات وحاميها، خاصة وأن الانتخابات النقابية في المستويات العليا تخضع فقط لألاعيب التربيطات والتوازنات ولا تخضع للتأثير من أسفل.

يمكننا في هذا السياق أن نفهم أن استراتيجية “الإصلاح من الداخل” للجهاز النقابي الجاثم على صدور العمال هي استراتيجية ليست فقط إصلاحية، وإنما أيضاً غير واقعية! ففي ظل المستوى الراهن للصراع الطبقي في مصر، وبسبب انقلاب التوازن الطبقي لصالح الطبقة الحاكمة، لا يمكن توقع تصفية القيادات العليا للنقابات الصفراء، أو توقع تغيير بنيتها المهادنة المتواطئة. أما في غمار حركة عمالية صاعدة مقبلة، فإن هذه الاستراتيجية ستكون رجعية بلا أدنى شك.

فمع أي موجة مد قادم من المتوقع أن تنشأ ضغوط هائلة من أسفل على الجهاز النقابي الحالي. هذه الضغوط ستدفع نقاباتـ”نا” الصفراء المتواطئة دفعاً إلى تغيير جلدها، وإلى الظهور بمظهر النقابة المدافعة عن العمال. وكما تشير تجارب دول أخرى، فإن هذا التغيير سيتم غالباً عن طريق تحول الاتحاد العام من جهاز مندمج في الدولة وخاضع لها تماماً، إلى الشكل النقابي التقليدي في الدول الليبرالية ـ أي إلى نقابة تقليدية يمينية. هذا مثلاً ما حدث في كوريا الجنوبية مع تصاعد النضالي الطبقي هناك. أيضاً قد يؤدي الضغط من أسفل ـ إذا ما توافرت عناصر نقابية إصلاحية مؤثرة في داخل النقابات ـ إلى انقسام الاتحاد العام عن طريق انشقاق التيار الأكثر جذرية لتأسيس نقابات مستقلة ستتركز غالباً في المصانع التي تكون قبضة الاتحاد فيها ضعيفة (وهذا شبيه بما حدث في البرازيل في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات).

وبغض النظر عن الشكل الذي ستظهر به النقابية الإصلاحية في مصر في حالة المد القادم، وبغض النظر عن مدى انتهازيتها أو جذريتها، فالأمر المهم هو أن ظهورها في حكم المؤكد بالنظر إلى دروس تجارب الدول المشابهة. وفي حال ظهورها، ستكون النقابية الإصلاحية هي الخطر الأساسي على حركة العمال الصاعدة والقابلة للتجذير في اتجاهات ثورية. ولذلك، ففي ظروف كتلك ليس هناك من شك ـ من وجهة النظر النضالية والاشتراكية الثورية  ـ أن دعاة ومؤيدو “الإصلاح من الداخل” من أوساط اليساريين لن يكونوا أكثر من ألعوبة في يد الرجعية واليمين.

ليس معنى هذا بالطبع دعوة للانعزال عن النقابات الإصلاحية الطالعة، ولا معناه عدم العمل داخلها. فطالما ظلت قطاعات من الطبقة العاملة مرتبطة بالنقابات الإصلاحية لن يكون هناك مفر من النضال داخلها. ولكن المقصود هو تركيز الطاقات النضالية ليس على إصلاح هذه الأجهزة البيروقراطية “المعدّلة”، وإنما على البديل القاعدي (النقابات القاعدية أو “لجان المندوبين” بحسب التسمية المصرية)، القائم على انتخاب ممثلين عماليين مباشرين من العنابر يمكن عزلهم في أي وقت. الهدف الأساسي هنا هو زيادة درجة تنظيم وفاعلية وتسيس هذا البديل، وتسليحه ضد الإصلاحيين.

لن تكون لجان المندوبين بالطبع قابلة للتحول إلى جنين للسلطة الثورية إلا في ظل ظروف ثورية. لكن حتى في تلك اللجان ذات الوظيفة الاقتصادية أساساً التي تنشأ في ظروف مد غير ثورية، فإن واجب الثوريين والمناضلين العماليين الجذريين يظل هو النضال السياسي داخلها، واستخدام قوتها المرتكزة على جمهرة العمال القاعديين في الضغط على النقابيين التقليديين لمصلحة تنشيط الجماهير العمالية. والنتيجة ستكون سحب البساط من تحت أقدام الإصلاحيين وكسب الجماهير إلى صفوف التغيير الجذري.

أفق لتوحيد النضال العمالي

  يبدو أن الكلام جرفنا بعيداً في اتجاه تركيز التحليل على فرص وشروط العمل في ظل ظروف التصاعد في النضال العمالي. ولكن الحقيقية أن هناك سؤال آخر هو الأولى بالإجابة تحت الشروط الصعبة التي نمر بها في الوقت الراهن: ما العمل في ظروف الجزر الراهنة حيث لا توجد لجان مندوبين يستطيع العمال والمناضلون الارتباط بها؟

  الإجابة التي يطرحها كثير من اليساريين اليوم تقوم على طرح شعار النقابات المستقلة كحل ممكن. على أن هذا الشعار ملتبس وغير واضح ومعناه يختلف من شخص إلى آخر ومن تيار إلى آخر. البعض ـ كما رأينا ـ يعتقد أن الطريق إلى النقابات المستقلة (عن الدولة) هو العمل الإصلاحي من داخل النقابات القائمة. وهؤلاء يركزون على إيجاد منفذ لهم داخل الهيكل النقابي الحالي من خلال التربيطات والتحالفات المعقدة مع عناصر من البيروقراطية، وغالباً ما يجذبهم وهم تغيير النقابات في الوقت الحالي فينسون العمل القاعدي، وشيئاً فشيء يفسدون ويصبحون بيروقراطيين هم أنفسهم، وهو أمر سهل في ظل ظروف الجزر الراهنة. أما البعض الآخر فهو يقلب الآية ويطرح بنفاذ صبر واضح أن هناك ضرورة لتكوين النقابات المستقلة فوراً كجهاز منشق عن الاتحاد العام المندمج تماماً في الدولة، كما لو أنه من الممكن تكوين النقابات المستقلة بالأمر وبدون أن تكون الجماهير العمالية مستعدة لتبني هذا البديل!

والحقيقة أن المعضلة الحقيقية في شعار النقابات المستقلة كما هو مطروح اليوم هي أنه لا يوضح الفارق ـ والعلاقة ـ بين النقابة أياً كانت وبين النقابات (اللجان) القاعدية كشكل قاعدي لتنظيم العمال. النقابة المستقلة على النمط التقليدي ـ حتى لو كانت ممكنة ـ هي في نهاية المطاف شكل بيروقراطي غير خاضع مباشرة للعمال، وتنظيمها يتم من أعلى لأسفل مهما كانت ديمقراطية. وهذا بالضبط ما يعطي للنقابات القاعدية دورها المركزي بالنسبة للمناضلين العماليين الذين يرون أن التغيير ـ سواء إصلاح أو ثورة ـ لا يمكن أن يتم بدون الحركة المنظمة الواعية لجماهير العمال. فالنقابات القاعدية هي التي في مقدورها ـ إذا كانت قوية ومسلحة سياسياً ـ أن تكبح الميول البيروقراطية للقيادات، وهي أيضاً التي في مقدروها أن تربط العمل النقابي ـ يومياً ـ باستشعار حالة ومزاج الحركة العمالية. وسواء كانت الظروف مهيأة لتحويل هذه النقابات إلى أجهزة للنضال السياسي المتكامل، أو كان هذا الخيار مستبعداً لهذا السبب أو ذاك، فإن حقيقة واحدة تظل ثابتة: النقابات القاعدية يمكنها بسهولة أكبر أن تتخلص من أمراض البيروقراطية والانفصال عن الجماهير العمالية.

بناء على ذلك يمكننا أن نقدر أن السعي لتكوين أشكال قاعدية لتنظيم العمال هو بوصلة النضال العمالي الجذري من جانب كل ثوري وكل عامل معادي للاستغلال ومؤمن بقوة الجماهير العمالية. وحتى عندما تقف ظروف تراجع الصراع الطبقي ـ ظروف كالتي تعيشها مصر اليوم ـ عقبة في وجه تكوين نقابات (لجان) قاعدية أو نقابات تقليدية مستقلة، فإن على القيادات العمالية المناضلة أن لا تفقد بوصلة العمل القاعدي برغم ما يعنيه هذا من مصاعب. هنا لن تجدي “مؤامرات الأقلية” الهادفة لإنشاء النقابات المستقلة، ولن تجدي أيضاً مساعي بناء النقابات القاعدية بالأوامر. البديل الوحيد الممكن هو القتال ـ باستخدام كل الأدوات المتاحة ـ من أجل تعزيز وتنظيم مساحات الكفاح العمالي القاعدي.

قد يبدو هذا بالنسبة للبعض شعاراً أجوف. ولكن الحقيقة هي أن هناك اليوم مساحات أكبر من أي وقت مضى لتطبيق هذا “الشعار”. فكما ذكرنا من قبل، أدت تطورات السنوات الأخيرة إلى تصاعد الاحتجاجات العمالية في كافة القطاعات والصناعات. وبالرغم من أن هذه التطورات لم تؤد إلى تغيير نوعي في ميزان الصراع الطبقي، إلا أنها فتحت الباب لـ”هز الاستقرار السائد”.

فمن ناحية أولى، خلق واقع الخصخصة ضغوطاً كبيرة على عمال الشركات المباعة، مما دفعهم إلى توسيع وتصعيد نضالاتهم. لا يرجع هذا فقط إلى ارتفاع معدلات الاستغلال والتعسف ـ وهو أمر هام في حد ذاته ـ وإنما أيضاً إلى تغير السياق العام للصراع. فالخصخصة تحطم الأساس الموضوعي لأيديولوجية “نحن ـ أي الإدارة والعمال مجتمعين ـ في مركب واحد”، و”القطاع العام ملك للشعب والعمال” .. وغيرها من الأفكار التي تكبل حركة العمال. أيضاً الخصخصة كتجربة عملية ملموسة أحبطت قطاعات واسعة من العمال حول ما ستجلبه لهم من سعادة ورفاهية! ثم أن بيع المصانع، بتحطيمه للبقية الباقية من الحماية النسبية التي كانت توفرها الدولة للعمال، قد قطع آخر الروابط بين العمال وبين أفكار وتراث الناصرية بطنطنته الوطنية الجوفاء.

وقد كانت لهذه التحولات آثاراً لا تنكر على القادة النقابيين وغير النقابيين في الشركات المباعة، بل وفي كل قطاع الأعمال العام. فبين مطرقة الضغط العمالي المتصاعد من أسفل وسندان صلف الإدارات الخاصة الجديدة التي لا تكترث ولا تعترف بالنقابيين والنقابات، واجه القادة العماليون اختيارات صعبة. وهذا هو ما يفسر التزايد النسبي المحدود في حالة الاستقطاب في النقابات المصنعية. فقد أفرزت ضغوط الخصخصة فئة جديدة محدودة من القادة النقابيين المقاتلين من غير ذوي الخبرات النضالية أو السياسية السابقة. في عدد من مصانع القطاع العام المخصخصة أو المقبلة على الخصخصة (سيمو، الحراريات، الكابلات، وغيرها)، قادت نقابات غير مسيسة إضرابات واعتصامات ناجحة. وكان هذا مؤشراً على أن الواقع الجديد قد أيقظ قسماً من هؤلاء الذين لم يكونوا في أي لحظة سابقة من المناضلين أو القادة العماليين.

صحيح أن هؤلاء “القادة الجدد” يمثلون فئة هامشية وسط بحر ممن دفع بهم الاستقطاب إلى أحضان اليمين. ولكن علينا أن لا ننسى أنهم فئة مهمة بدون شك. إذ أنهم يعدون نقطة البداية ـ مجرد نقطة البداية ـ لميلاد عناصر طليعية جديدة غير مدجنة لا بالخبرات المهزومة لليسار ولا بحرفة توازنات المستويات الأعلى من التنظيم النقابي. غير أن تحليل الظروف التي ظهر فيها هؤلاء القادة يدعونا إلى التأكيد على أنهم تحركوا يساراً أساساً بسبب ضغوط الخصخصة، وبدون وضوح سياسي أو تراث نضالي أو تصاعد عمالي متواصل. وعلى ذلك فمن الممكن أن يتراجعوا في أي وقت، إما بسبب تذبذب مواقفهم، أو بسبب تهديدات الأمن أو توازنات النقابيين الصفر أو حتى ضغوط الحياة. ولذلك فمن قبيل الوهم توقع أنهم تحولوا إلى طليعة عمالية حقيقية بين عشية وضحاها.

ومن ناحية أخرى، فقد ساهمت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في دفع جزء من حفنة من النقابيين في القطاع الخاص، ومعهم حتى قادة غير نقابيين، إلى الدخول في معارك ضد الإدارة والملاك. رأينا هذا في جنرال موتورز، المتحدة للكيماويات، أمونسيتو، نيسان، غبور، وغيرهم كثير. وبالرغم من أن العديد من هذه المعارك لم يسفر عن تغيير جوهرى في شروط عمل الطبقة العاملة في المصانع المعنية، إلا أننا نلاحظ هنا أيضاً أن فئة جديدة محدودة العدد والخبرة من القادة العماليين قد بدأت في التبلور. وتنطبق على هؤلاء تقريباً نفس الشروط التي تنطبق على نظرائهم في المصانع العامة والمخصخصة، مع إضافة عوامل ضعف التراث النقابي والنضالي في مصانع القطاع الخاص على وجه العموم.

التحليل السابق يقودنا إلى نتيجة واضحة تماماً: صحيح أن الإطار العام للصراع الطبقي في مصر لم يتغير، ولكن صحيح أيضاً على الوجه المقابل أن هناك شريحة صغيرة هامشية من “القادة الجدد” الذين أفرزتهم تطورات الإصلاح والخصخصة، يمكنها ـ بمناطق قوتها وضعفها ـ أن تمثل نقطة البداية الصحيحة للاشتباك قاعدياً مع الحركة العمالية. فعلى الرغم من تذبذبهم وعيوبهم، نجد أنه في مقدور “القادة الجدد” ـ بسبب التجربة المريرة للسنوات الماضية وبسبب طبيعة وضعهم ـ أن يدخلوا معارك عمالية، نقابية وغير نقابية، ذات شأن في بعض المواقع. فهؤلاء الذين قادوا إضرابات عمالية ضد تعسف الإدارات واستغلالها، وهؤلاء الذين حققوا رصيداً حقيقياً في الأوساط القاعدية في مرحلة صعبة على كل المستويات، سيكونون بالتأكيد أكثر استعداداً من غيرهم لطرح شعارات عامة ضد سياسات الإصلاح والخصخصة وإعادة الهيكلة، وسيكونون أكثر قدرة على التواصل مع قواعدهم العمالية على أساس برامج وجبهات مناوئة للإدارة وحلفائها.

بصعوبة شديدة، ومن قلب العمل المشترك بين (ومع) من أسميناهم القادة الجدد، يمكن أن يولد أفق جديد للنضال القاعدي. الهدف ليس أن يجتمع هؤلاء القادة، ليدبجوا البيانات، أو يحضروا الندوات، أو يرفعوا الشعارات الميتة؛ بل الهدف أن ينظموا حركتهم ويوحدوا رؤيتهم في عملية شاقة طويلة تنشد تفعيل وتنشيط حركة الجماهير العمالية ونضالها ضد سياسات الاستغلال والتشريد والقهر. أما الطريق لتحقيق الهدف، فهو مفتوح للتجربة والنقاش وخبرة العمل المشترك.

خاتمة

  لم يحن الوقت بعد لميلاد النقابات القاعدية أو حتى المستقلة. ولكن الفرصة مهيأة اليوم لكي يسعى كل من يعتقد في مركزية دور الجماهير العمالية في التغيير وفي إيقاف عجلة الاستغلال والقهر من أجل البدء في صهر جهود الكفاح العمالي في بوتقة واحدة. الشريحة البازغة من القادة الجدد ـ برغم هامشيتها ـ تحتاج أن تتواصل وتتفاعل وتبني جسور فيما بينها. وبمقدار ما يحدث هذا، بمقدار ما يكون ممكناً إعطاء آفاق أوسع وأكثر جذرية للنضال العمالي القاعدي. 

  لن تكون مهمة التوحيد والصهر مجرد نزهة سهلة يمكن السير في دروبها بسلاسة وبدون عقبات. هذا أمر يدركه تماماً كل من اتصل بحركة العمال في مصر اليوم. ولكن على الرغم من مشقتها، فهي مهمة ضرورية. ذلك أن الطاقة الخلاقة للكفاح العمالي في السنوات الأخيرة يمكنها أن تتبدد طالما ظل العمال وقادتهم غير قادرين على تنظيم نضالهم ونقل خبراتهم وتنميتها. هذا عمل ينبغي أن يقوم به الأفضل والأكثر وعياً بين قادة العمال أنفسهم. وهو أيضاً عمل يمكن أن يساهم فيه كل اشتراكي يضع نصب عينيه هدف توحيد الطبقة العاملة وتوجيه طاقاتها ضد عدوها الحقيقي المتمثل في الرأسمالية وجهاز الدولة الذي يحميها.