بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

أصبحت عادتهم كل صيف.. مظاهرات العطش العام الماضي وانتفاضة الدقيق هذا العام

صيف “البرلس” الساخن يحرق أصابع الحكومة

بعد شهرين بالضبط على انتفاضة مدينة المحلة الباسلة، انتفض أهالي قرية برج البرلس في 7 يونيو الماضي وقطعوا الطريق الدولي احتجاجا على حرمانهم من الدقيق المدعوم.

قرية برج البرلس، التابعة لمحافظة كفر الشيخ والتي تمتد لمسافة 50 كيلومتر على شاطئ البحر المتوسط، ناضلت ببسالة من أجل الحصول على حفنة دقيق، تماما كما ناضلت في الصيف الماضي من أجل الحصول على رشفة ماء.

قرار المحافظ أم مصلحة الأهالي؟

أصدر لواء أمن الدولة السابق ومحافظ كفر الشيخ الحالي أحمد زكي عابدين الأوامر بإلغاء حصة الدقيق المدعوم في المستودعات وتحويله إلى المخابز بحجة الحيلولة دون بيعه في السوق السوداء. كما جرت العادة، اكتفى اللواء المحافظ بإصدار الأوامر من أعلى إلى أسفل .. إشارة أصدرها من مكتبه بالمحافظة بأنه اعتبارا من يوم كذا سينفذ قرارا بكذا، وليس هناك ما يمنع من أن يتغنى المحيطين به بعبقريته وبعد نظره. لكن، في ذروة انتشائه بقراره الرشيد، تجاهل المحافظ الجديد واقع أن قرابة 90% من أهالي قرية برج البرلس يعملون بالصيد ويعتمدون على الدقيق المدعوم في صنع العيش الذي يعتمدون عليه في الصيد والطعام طوال فترة غيابهم في البحر. أيضا، نسي سيادة المحافظ أن قراره هذا جاء في وقت منع الصيد على الأهالي – حيث تفرض الهيئة العامة للثروة السمكية على الصيادين التوقف عن الصيد لفترة تتجاوز الشهرين تحت دعوى حماية الثروة السمكية. على حد قول القيادي البرلسي رؤوف العبيدي في ندوة نظمتها لجنة الحريات بنقابة الصحفيين تحت عنوان «ماذا حدث في البرلس؟» في 17 يونيو « شيكارة الدقيق ال 10 كيلو ب 7 جنيه هي اللقمة الوحيدة المضمونة. قطع الطريق علشان مشكلة المية تسبب في خسائر كبيرة، ما كانوش حيسمحولنا نعمل كدة تاني.. لكن حتى لو سدوا علينا القنوات الشرعية حنحفر تحت الأرض ونعمل أنفاق. إحنا عندنا دوافع شرعية وقانونية». يحتاج الصيادون إلى خبز بلدي يصنع بالمنزل حتى لا يتلف من طول المدة اليت يغيبون فيها للصيد في البحيرة، عكس الخبزالحكومي الذي يتلف بعد يومين على الأكثر بسبب رداءته ونسبة الذرة به.

أنشأ أهالي قرية برج البرلس 7 مخابز و226 مستودعا للدقيق، يحصل كل مستودع منها على كمية ثابتة من الدقيق المدعوم وهي 3 أطنان و150 كيلوجراما، ليتم توزيعها على مستحقيها بحسب كشف الأسماء الموجود بحوزة كل مستودع، ورغما عن ذلك «بجرة قلم» قرر المحافظ إغلاق المستودعات وحصول الأهالي على 10 أرغفة يوميا من المخابز.

وفي صباح السابع من يونيو وفي غمار المعركة التي شنتها قوات الأمن على أهالي القرية بعد قيامهم بقطع الطريق الدولي، قالت شيماء ل»لاشتراكي»، « إحنا صيادين ورجالتنا بتشتغل و بتسرح فى البحر أسبوعين و أكتر وإحنا بنخبزلهم العيش من دقيق التموين مش بس عشان عيش الحكومة ما بيتكلش، كمان عشان ما يقدرش يقعد لأكتر من يومين بالعافية». وقالت زوحجة أحد الصيادين، «المحافظ بيقول إنه عمل قرار تحويل الدقيق لأرغفة علشان مصلحتنا، طب ييجى يشوف طوابير العيش اللى الناس بتقف فيها من الفجر عشان 10 أرغفة, الناس بتقف تضرب و تشتم بعضها عشان العيش ده. فيه واحدة ولدت وهي واقفة فى طابور العيش عشان كانت خايفة تمشى أحسن تضيع عليها حصتها من العيش. وإحنا بقينا بسبب القرار ده بندفع 120 جنيه تمن شيكارة الدقيق فى الأسبوع الواحد .. لو هي دي مصلحتنا مش عايزينها». وعاودت شيماء الحديث «و الله حرام عليهم, هى الحكومة دى لا بترحم و لا تخلى رحمة ربنا تنزل. مش كفاية عليهم مانعين رجالتنا من الصيد لمدة شهرين من غير و لا مليم تعويض… و يعنى العشر أرغفة دول حيكفوا عيلة من 3 أفراد تخيلوا بقى عيلة مكونة من 5 أو 6 أفراد… كل حاجة غليت منهم لله وهما مانعين الصيادين من الشغل طب حناكل منين… دول كمان غلوا السولار اللى بيعتمد عليه الصيادين فى المراكب يعنى موت و خراب ديار».

باختصار، تصدى أهالي البرلس بقطعهم للطريق الدولي لقرار جائر وحاولوا منع زحف المجاعة على البلاد والعباد، خاصة بعد أن استنفدوا جميع الوسائل الأخرى. تجدر هنا الاشارة إلى أن عدد ضحايا طوابير العيش في مصر في شهر مايو وحده وصل إلى ستة أشخاص، فقدوا حياتهم من أجل رغيف العيش. يؤكد محمد النحاس، الفنان البرلسي المنتمي لحزب الكرامة تحت التأسيس، أن 500 شخص على الأقل اعتصموا لمدة خمس أيام متواصلة أمام المجلس المحلي قبل التوجه لقطع الطريق الدولي للمطالبة باستثناء أهالي البرلس من قرار إلغاء حصتهم من الدقيق المدعوم، دون أن تحرك الحكومة ساكنا. هذا وقد جاء الاعتصام بعد إرسال الفاكسات لكافة المسئولين لتوضيح أن إلغاء حصص الدقيق المدعوم هو جريمة في حق كل برلسي وبعد أن أرسلت أجهزة الأمن معلومات مفادها «أن البرلس على حافة الانفجار» إلى أصحاب القرار.

يقول البرلسي أحمد جابر، «إحنا صوتنا اتنبح … عايزين دقيق. رحنا المجلس المحلى و قدمنا شكاوى ونائب الدائرة حمدين صباحى اتكلم مع المحافظ عشان يرجعولنا حصة الدقيق بس ما فيش فايدة… قلنا الحل الوحيد هو الطريق الدولي. ما هو إحنا جربناه قبل كدة أيام مشكلة المياة ونجح.. أصل الحكومة دى ما تجيش غير بلوى الدراع».

من العطش إلى الجوع .. يا برلسي لا تحزن

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها أهالي البرلس لقطع الطريق الدولي للضغط على الحكومة من أجل الحصول على أبسط حقوقهم، فكما يقول المثل «من العطش إلى الجوع .. يا قلبي لا تحزن». فقد كانت قرية برج البرلس في طليعة انتفاضة العطش ونجحت في تعميم صورة النساء وهن يلوحن بالجرادل الخاوية. فكما قال محمد النحاس في الندوة التي عقدتها لجنة الحريات، « بيقولوا إن كدة أي واحد يتخانق مع مراته حيطلع على الطريق الدولي. لأ، الناس اللي حركهم الجوع. لما بننصاب في الصحة، بنقول ابتلاء من عند ربنا. لكن لما بننصاب في الستر، يبقى الحكومة بتفضحنا، وإحنا لازم نفضحها».

ففي يوم 3 يوليو 2007 تظاهر نحو 3 آلاف من مواطني برج البرلس احتجاجا على انقطاع مياه الشرب عنهم لمدة تجاوزت ال 20 يوما، بسبب تحويلها إلى مصيف بلطيم لتتوفر على مدار ال 24 ساعة للمصطافين هناك. وبعد ساعات من التظاهر، قام الأهالي بقطع الطريق الساحلي الدولي الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، مما أدى إلى تكدس السيارات لمسافة 80 كيلو متر لنحو 14 ساعة. في ذلك اليوم حضر مدير أمن المحافظة وسكرتير المحافظ، اللذان فشلا في إقناع المتظاهرين بفض احتجاجهم، وردد الأهالي شعارات معادية لمحافظ كفر الشيخ حينها اللواء صلاح سلامة – رئيس جهاز مباحث أمن الدولة السابق – وطالبوا بإقالته وحملوه مسئولية أزمة العطش التي يعانون منها.

لم يفض المتظاهرون احتجاجهم إلا بوصول مياه الشرب لبيوتهم، الأمر الذي يؤكد أن الأزمة كانت بسبب تراخي المسئولين، بدليل أن حلها جاء في غضون ساعات. هذا بالرغم من أن أهالي البرلس كانوا قد أرسلوا شكاوى عديدة، قبل لجوئهم للتظاهروإلى قطع الطريق ، كان مصيرها سلة مهملات المسئولين.

قطع أهالي البرلس الطريق الدولي حينها بحرق الاطارات والمراكب القديمة، لكنهم سمحوا بمرور سيارات الإسعاف، وحتى السيارات المحملة بمأكولات قاموا بتجميدها على حسابهم. يقول أحمد جابر» طلعنا على الطريق الدولى وقطعناه عشان نضغط على الحكومة عشان كدة كان قلبنا على الناس العادية. لما لقينا واحد جايب شحنة جمبري كبيرة قلنا ده سواق غلبان ذنبه إيه يتحمل كل التكاليف دي فأخدنا الشحنة بتاعته و تلجناها على حسابنا فى تلاجات سمك. ماهو ما يحسش بالغلبان إلا الغلبان اللى زيه».

حكومة قطع الإيد

حاول أهالي البرلس استخدام كل الوسائل المتاحة لهم دون تعريض أى شخص للأذى. لكن ذعر الحكومة من انتشار انتفاضة الدقيق إلى سائر أرجاء محافظة كفر الشيخ ووصولها إلى محافظات أخرى ظهر في طريقة تعاملها مع الاحتجاج السلمي لأهالي برج البرلس.

يروى محمد عبدالحق، « أنا كنت واقف مع الناس على الطريق الدولى و فجأة لقينا عربيات أمن مركزى مش بس من كفر الشيخ لأ كمان من اسكندرية و البحيرة. تقريباً 100 عربية وإحنا ما نجبش ألفين واحد ومعناش أسلحة.. و فجأة لقينا عساكر الأمن المركزى قدامنا و بيضربوا علينا رصاص .. أنا كان واقف جنبى واحد صاحبى فجأة بصيت لقيته على الأرض ومضروب برصاص مطاطى من اللى بيفرش.. مضروب فى صدره و جنب عينيه.. شيلته و هو دمه بيتصفى و هربت بيه عشان أنا شفت أن عربيات الإسعاف ما بتاخدش المصابين ناحية المستشفى، لكن ناحية عربيات الأمن المركزى. يعنى بيقبضوا على المصابين .. أخدت صاحبى و خبيته فى مكان أمين عشان الأمن ما يوصلوش. أصلى كنت خايف يفتشوا البيوت».

ويقول محمد النحاس، « سكرتير المحافظ سمير عبد الجواد قال المحافظ جاي في السكة أدخلوا الجامع علشان تتكلموا معاه. وبدأ وابل القنابل المسيلة للدموع. واحد شاف أبوه بيزحف خارج من الجامع. أنا لو مكان ابنه أرمي نفسي في النار. الناس قالوا ده مات. جري على الضابط ضربه وده حقه. الناس ابتدت تضرب بالحجارة والأمن بالخرطوش والمطاط. وبعد انسحاب الناس من الطريق، الأمن اقتحم البيوت».

وتقول والدة أحد المصابين «أنا كنت قاعدة أنا وولادى الاتنين فى البيت و منعاهم يخرجوا وقافلة كل شبابيك البيت إلا شباك الحمام, فجأة لقيت قنبلة غاز داخلة علينا و فرقعت فى وش ابنى و عملتلوا حروق, ده كدة و انا فى الدور التانى. يعنى أكيد دول منشنين على البيوت مش بيستخدموا القنابل علشان يفرقوا الناس زى ما بيقولوا. ده غير أنهم بيقبضوا على أى حد, دول قبضوا على جارنا الراجل العجوز الغلبان اللي كان واقف فى دكانه، وهو لا بيقدر يتحرك و كمان قبضوا على ست حامل و على وش ولادة».

يضرب محمد النحاس بعض الأمثلة التي تدلل على مدى عشوائية إلقاء القبض في ذلك اليوم، ويقول مستنكرا: «واحد شايل كروت فرح ابنه في جيبه حيطلع يزقل طوب. واحدة ست حامل على وش ولادة حتطلع تزقل طوب. واحد مختل عقليا اسمه بللو خدوه وبعد شوية رجعوه بعد ما اكتشفوا إنه مش حينفع يتهموه بحاجة».

الناس هي الطريق

لم تنته أزمة الدقيق في البرلس حتى الآن. صحيح أن المحافظ قام بتوفير 7500 كيلو دقيق بشكل عاجل، لكنه جعلها نصف مدعومة، أي أنه سيتم بيع الشيكارة التي تزن 10 كيلو بخمسين جنيه. لا مفر هنا من الإشارة إلى أن حتى هذا الحق البسيط لم يكن ليحصل عليه الأهالي دون احتجاجهم وقطعهم للطريق. فعلى حد قول جمال زهران، نائب شبرا الخيمة، في ندوة لجنة الحريات «لدينا عزب ليس بها مياه وبرغم كافة الجهود لم يكن ليحدث شيئ. لقد استفدنا من نضال أهالي البرلس في انتفاضة العطش. قلنا إحنا حنقطع الطريق الدائري زي ما هم قطعوا الطريق الدولي. راحو مدينا 100 مليون جنيه».

لم يكن أمام المحافظ سوى وصف ما حدث في قرية البرلس بأن وراءه شوية عيال، أو بصورة أدق «150 عيل»، أمطرتهم الداخلية ب 3000 قنبلة. أما بالنسبة لرد أهالي البرلس فقد خطه أحد أهلها وهو رابح الشهاوي، عضو حزب الكرامة تحت التأسيس، في قصيدة أسماها «ثورة البرلس» ألقاها في الندوة التي عقبت الوقفة الاحتجاجية للمطالبة بالافراج عن معتقلي البرلس. أبيات القصيدة: «في الشدة تبان المعادن .. وتشوف عزيمة الرجال. الحق واقف يناضل .. المستحيل والمحال. سيفه على كل ظالم .. معرفش يدرس قرار. شفت بعيني القنابل .. لعبة في إيد الصغار. مهو دول يا مصر السنابل..هما حصاد المرار. شفت هناك الأباطرة .. اداروا خلف الستار. يا بلدنا يا بلد شاطرة .. يا والدة أجدع عيال. ما همهمش المخاطر .. حالفين لا يطلع نهار».