بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سائقو السرفيس.. ملاك صغار تحت رحمة الرأسمالية الكبيرة

لا تكاد تمر أسابيع قليلة إلا ويشتعل إضراب للسائقين على أحد خطوط السرفيس والأجرة في حي من أحياء القاهرة الكبرى، أو أي من مدن محافظات مصر العديدة. فمن إضراب سائقي الشرقية، إلى إضراب سائقي السيدة عائشة، إلى إضراب سائقي بولاق، إلى إضراب سائقي ميت عقبة، إلى إضراب سائقي المنصورة، إلى إضراب سائقي بورسعيد.. الخ، بدأت تتشكل ملامح الاحتجاجات العفوية المتكررة لفئة اجتماعية نامية تخضع لواحد من أقسى أنواع الاضطهاد والعبودية والاستغلال – نعني فئة سائقي السرفيس.

وليس هناك من شلك في أن الحيوية النضالية لهذه الفئة – التي تتعرض لقمع واستبداد رجال الشرطة، والتي تخضع لاستنزاف الأجهزة والإدارات البيروقراطية المحلية – تعتبر عن توق أحد قطاعات البرجوازية الصغيرة للتحرر من استبداد وقمع القلة من الجلادين ومصاصي الدماء الجاثمين على الصدور. ولكن، ليس هناك من شك أيضا في أن أنانية وفردية وجشع المالك الصغير تعكس نفسها، بأكثر من شكل، في حياة هؤلاء السائقين المتشبثين بملكيتهم الصغيرة.

لم تنطلق احتجاجات سائقي السرفيس – أيا كانت درجة عفويتها وعدم انتظامها – من فراغ. فلقد كان الوضع الاقتصادي لهذه الفئة، وهزال قدرتها إزاء الرأسمالية الكبيرة، هما الأساس الذي جعلها عرضة لعصف الرأسمالية، وقسوة رجال شرطتها، واضطهاد وإتاوات موظفيها المحليين.

ظهرت سيارات السرفيس وخطوط في شوارع القاهرة، وفي شوارع مدن مصر الأخرى، بدءًا من النصف الثاني من السبعينات. كان هذا هو الوقت الذي حققت فيه الرأسمالية المصرية انتعاشا الانفتاحي الكبير، ولكن الزائف والمثقل بالديون. كان هذا أيضًا هو الوقت الذي تمددت فيه أطراف القاهرة بأحياء “عشوائية” جديدة يسكنها ملايين من المهاجرين من الريف يعيشون في ظل ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها هو أنها بائسة.

في ظل هذه الظروف – انتعاش وسيولة مالية، ومدن بلا خدمات – ظهرت فئة سائقي السرفيس لتسد نقصًا باديًا، ولتؤدي دورًا لم تكن تستطيع – أو ترغب – الدولة الرأسمالية في أن تؤديه. وقد استفادت هذه الفئة إلى حد ما من ظروف انتعاش منتصف السبعينات إلى منتصف الثمانيات. إذ استطاع عدد من متوسطي الحال من البرجوازيين الصغار أن يستثمروا مدخراتهم في شراء سيارات سرفيس حققت أرباحًا مكنت بعضهم – في مرحلة تالية – أن يصعدوا إلى أعلى ويصبحوا رأسماليين صغار أو متوسطين، يملكون سيارة أو أكثر، تعمل على الخط يديرونها لحسابهم ويشغلون عليها سائق أو سائقين بالإيجار أو بالنسبة. ولكن أغلبية السائقين المالكين ظلت على حالها تصارع قوى السوق العاتية لتحتفظ بموقعها البرجوازي الصغير.

ومع قدم النصف الثاني من الثمانينات، أدى الكساد إلى تضييق السوق وبدأت الشروط الاقتصادية لملاك السيارات الصغار تتدهور، بينما احتفظ من استطاعوا الصعود لأعلى بتماسكهم واستطاعوا تحمل العاصفة. وفي نفس الوقت قام بعض الرأسماليون الكبار، بالتعاون مع البنوك، بدفع عدد كبير من سيارات السرفيس للبيع “بالتقسيط” كمحاولة لتنشيط مبيعاتهم. وقد أغرى هذا عددًا من الشباب المتعطلين، وعدد من السائقين غير المالكين بالاندفاع لشراء السيارات وتشغيلها على الخطوط في الوقت كان فيه الكساد تشتد! وكانت النتيجة أن زاد عدد سيارات السرفيس إلى قرابة 100 ألف؛ وبدأ شبح الخراب والإفلاس يخيم على الجميع، خاصة الصغار المديونين للبنوك ولمعارض السيارات.

وفي خط السادة عائشة على سبيل المثال، نجد أن معظم السيارات قد تم شراؤها بهذا النظام (التقسيط) وهو ما يطلق عليه السائقون مصطلح “العجل الأبيض”. وفي حين يبلغ ثمن السيارة الأصلي حوالي 180 ألف جنيه فهو يصل، بعد إضافة فوائد التقسيط، إلى 243 ألف جنيه يتم تقسيطهم على مدى تتراوح بين 5 و6 سنوات يكون قسط السيارة الشهري خلالها حوالي 3333 جنيه. هذا بالإضافة إلى مصاريف السارة الأخرى، حيث يقول أحد السائقين: “أحنا بندفع 3333 جنيه قسط شهري للعربية زائد 1000 جنيه شهري قسط كاوتش، ده غير تيل الفرامل اللي بيتغير كل 6 أيام – يعني في المتوسط بيكون المطلوب منا حوالي 4500 جنيه شهريًا ما بين البنود المختلفة”.

وحتى يستطيع السائق أن يوفر هذا المبلغ شهريًا فعليه أن يعمل كعبد، وعليه – في معظم الأحيان – أن يستعبد سائق أخر للعمل لديه. فغالبًا ما تعمل السيارة لورديتين: وردية لصاحب السيارة، ووردية يستعين فيها بسائق أخر. خلال هذه المرحلة – مرحلة القسط – يذهب “كل المكسب” – على حد قول أحد السائقين – “إلى البنك والشركات”، ويتحول السائق (المالك!) إلى مجرد “أجير على العربية”. مالك السيارة إذن – كما أكد العديد منهم – يستطيع بالكاد أن يوفي بالتزاماته خلال مرحلة القسط. فهو يتحمل، إلى جانب القسط، تكاليف إصلاح السيارة، الخسائر، التأمينات، الترخيص، التحديات.. الخ. أما بعد أن ينتهي القسط، فإن السيارة تكون قد أصبحت “كهنة”، وفق تعبير أحد السائقين. والمستفيد الوحيد من هذه العملية هو البنوك والرأسماليون أصحاب الشركات والدولة الذين يتضافرون لنهب المالك الصغير واستنزافه عن طريق ضخ الفوائد، والأرباح، والضرائب والرسوم من دخله.

ومن جانب أخر، فقد أدى الكساد وزيادة أعداد السيارات إلى إشعال المنافسة فيما بينها. يقول أحد السائقين: “الأول كانت كمية العربيات قليلة، لكن دلوقت كل واحد ما عندوش شغلانة بيشتري ميكروباص”.. “الخط ما يستحملش العجل ده كل يوم”!! ويدفع ثمن المنافسة الحادة دائمًا الأصغر والأضعف. ولذلك، وبالرغم من قرار إيقاف إعطاء تراخيص سرفيس جديدة الذي صدر من عام تقريبًا، فقد تدهورت أوضاع الملاك الصغار للسيارات، وأصبح أي تقلب إضافي، ولو صغير، في السوق يحطم أمال الصغار في الاحتفاظ بموقعهم، وحماية أنفسهم من “غول” التدهور لأسفل.

هذه هي الخلفية التي في ظلها ارتفعت وتيرة احتجاجات سائقي الميكروباص. ففي ظل الكساد، ومعه استنزاف البنوك وأصحاب الشركات، لم يعد السائقون قادرين على تحمل أي من ابتزازات وتضييقات رجال الشرطة والموظفين المحليين. أي رسم إضافي، أو أتاوة جديدة، أو ابتزاز، أو تغيير لمسارات الخطوط… الخ، يعني الآن – وباختصار – الخراب. ليس هناك أي فائض يسمح للسائقين بالرضوخ لنزوات رجال الشرطة أو لاستنزاف إضافي من المحافظة. هذا في نفس الوقت الذي بلغت فيه التضييقات والملاحقات حدًا لم يسبق له مثيل،.. فالدولة اليوم تريد إعادة تنظيم العاصمة بالشكل الذي يرضي مصالح كبار الرأسماليين والملاك العقاريين.

الملاك والأجراء:

يوجد سائقي السرفيس الاضطهاد والاستغلال الذي يلاقونهما على أيدي رجال الشرطة ورجال المحافظة. ولكن السائقون أيضًا ينقسمون فيما بينهم إلى قسمين رئيسين: السائقون المالكون، والسائقون غير المالكين. وفي موقف المؤسسة بشبرا الخيمة على سبيل المثال نجد أن معظم السائقين من غير المالكين. ويتعامل المالكون مع السيارة كمشروع صغير “ويجيبوا واحد يساعدهم”.. هو السائق. بينما في موقف السيدة عائشة – الحديث نسبيًا – نجد أن الوضع مختلف، حيث أن معظم السائقين هم من ملاك السيارات، الذين غالبًا ما يعملون لوردية واحدة ويتركون الوردية الأخرى لسائق أجير.

ويعكس هذا الفرق بين الخطين، في الحقيقة، المراحل المختلفة التي في ظلها توسع سوق السيارات السرفيس، فعلى خط المؤسسة نجد أن معظم السيارات قديمة تم شراؤها في المرحلة الأولى لتوسع السرفيس بواسطة برجوازيين صغار يمتلكون مدخرات كافية للصعود خطوة واحدة إلى أعلى. هؤلاء المالكين أصبح معظمهم الآن يتعامل مع السرفيس كمشروع يديرونه ولا يعملون كعمال فيه. أما على خط السيدة عائشة فمعظم السيارات جديدة، ومعظم السائقين ملاك، ومعظمهم من أصحاب الشهادات المتوسطة والعليا. هذه الفئة الأخيرة دخلت إلى السوق في المرحلة الأخيرة – مرحلة الكساد والقسط – عندما اندفع عدد من أصحاب المدخرات القليلة جدًا – في ظل ظروف البطالة – “لانتهاز فرصة” التقسيط لشراء سيارة. وبصفتهم كملاك، فإن معظم السائقين الملاك (الذين خلقهم نهم البنوك وكبار الرأسماليين للربح) لا يجنون من وراء ملكيتهم سوى الخراب والديون، ولذلك فهم، في أحيان كثيرة، يشعرون بأنهم أقرب إلى السائقين الأجراء منهم إلى مالكي السيارات الأكبر والأحسن وضعًا (مديري “المشروع”).

ويحصل السائق الأجير في كل من الخطين – المؤسسة والسيدة عائشة – على ربع ما يحققه من إيراد أثناء الوردية وهو ما قد يصل إلى 15 أو 20 جنيه يوميًا. أما تكاليف إصلاح السيارة، في حالة حدوث أي حادثة، فيتحملها مالك السيارة.

وتوجد – بخلاف السائقين – فئة أخرى ترتبط بالسرفيس، وهي “التباعين” أي من يقوم بالنداء على الزبائن وبتحميل السيارة وتحصيل الأجرة. وهؤلاء في معظم الأحيان صبية صغار يقومون بالعمل ورديتين. ويوضح أحد السائقين أسباب اختيار التباعين من الصبية الصغار على النحو الآتي: “هم خفاف في الحركة، الولد بيطلع وينزل براحته في العربية،.. بلية يعني”. ويأخذ بلية 10% من الإيراد، بينما يقول بعض السائقين أنه يحص على 10 جنيه يوميًا.

والحقيقة أن السبب الرئيسي لاختيار صبية أو أطفال للقيام بوظيفة التباعين، هو أنهم فئة أضعف تقبل بأجر أقل وبمعاملة أسوأ. وهو أمر مهم نظرًا لاحتياج صاحب المشروع الصغير إلى “ترشيد” نفقاته إلى أقصى حد وإلا تعرض الربح القليل الذي يحصل عليه للنقصان.

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن ارتباط السائقين الأجراء بمشاريع “صغيرة” واندماجهم في حياة اجتماعية واحدة مع المالكين الصغار، يشبع حياتهم بمطامح وتطلعات وقيم برجوازية صغيرة. هذا على خلاف ما كان قد يحدث لو أن مشاريع السرفيس قد تحولت إلى احتكارات خاضعة لتنظيم رأسمالي كبير. ويعزز من هذا الوضع أن الإجراء يحصلون على أجورهم بطريقة النسبة وليس الأجر الثابت. ولذلك، فكما هو الحال دائمًا في المشاريع الرأسمالية القزمية (خاصة تلك التي يساهم صاحبها بنفسه في قوة عملها)، فإن الاعتصار يكون أشد، ولكن أيضًا التفتت وتقارب الحياة بين صاحب العمل والعامل لديه يكون أشد. وعلى أية حال، فمعظم الإجراء يظلون متمسكين بحلم الملكية الصغيرة.

عبيد الدولة ورأس المال:

تتفنن الرأسمالية دائمًا في اعتصار واستنزاف وملاحقة فئات البرجوازية الصغيرة. لا يستثنى من هذا فئة سائقي السرفيس. فهؤلاء لا يقمعون فقط تحت وطأة الآلة الجبارة للسوق وحيتانه الكبار، وإنما أيضًا تحت وطأة ابتزاز بيروقراطي الدولة المحليين (رجال المحافظة)، وقمع رجال الشرطة.

يجبر السائقون على دفع ما يطلق عليه “الكارتة” للمحافظة، وهي مبلغ يدفع مقابل كل دورة (ذهاب وإياب) للسرفيس. وتعتمد قيمة الكارتة على الخط. ففي السيدة عائشة مثلاً، والتي تبلغ أجرة الفرد فيها 75 قرش طالع و50 قرش نازل، تصل الكارتة إلى 75 قرشًا. بينما في خط مثل المؤسسة – مسطرد تبلغ القيمة 20 قرشًا لأن متوسط الأجرة 20 قرشًا أو أكثر قليلاً.

وتذهب حصيلة الكارتة للمحافظة التي تعين بعضًا من البلطجية وأصحاب السوابق لتحصيلها حتى يستطيعوا إجبار السائقين على الدفع ولضمان عدم التهرب. وفي أحيان كثيرة يقوم هؤلاء البلطجية بفرض اتاوات إضافية مساوية لقيمة الكارتة على السائقين، ويكون نصيب من يعترض هو الضرب.

الدولة تبرر الكارتة بأنها رسم من أجل تشييد الموقف والتعهد بتنظيمه (كما لو أن السائقين مطالبون بدفع ثمن الخدمات والمرافق العامة). ولكن الحقيقة هي أنها ابتزاز إضافي – ضريبة جديدة – يدفعها السائقون إضافة للضرائب والرسوم الأخرى المفروضة عليهم. ليس هذا فقط، بل أن تخلف رأسماليتنا يعكس نفسه في حال مواقف السرفيس. إذ يشتكي سائقو خط السيدة عائشة من ضيق الموقف وعدم تنظيمه، مما يضطر الكثيرين منهم للوقوف خارجه. أما موقف ميت عقبة، فهو غير موجود أصلاً بالرغم من حصول السائقين على ترخيص سرفيس للعمل على هذا الخط، وبالرغم من قيام المحافظة بتحصيل الكارتة منهم!

من ناحية أخرى، يتعرض السائقون يوميًا لملاحقات وابتزازات رجال الشرطة. يبدأ الابتزاز من أجبار السائقين على دفع الإتاوات وألا حررت لهم محاضر مخالفات، ولا ينتهي بإجبارهم على الخروج في حملات قمعية ليلية تستمر الساعات الطوال بدون دفع أي تعويض عن الساعات المهدرة. إذا ما فكر أحد السائقين في الاعتراض على العبودية لضباط الشرطة، يكون نصيبه هو الضرب والحجز في القسم. هذا الأمر يحدث بشكل يومي لسائقي السيدة عائشة حيث تخرج عدة سيارات يوميًا في حملات الشرطة. أما بالنسبة لسائقي المؤسسة فقد قل في خروجهم في حملات قليلاً.. وهو ما يرجعه بعض السائقين لـ”طبيعة شغل الحكومة اللي يمكن مش محتاجة حملات دلوقتي”.

ويبتز رجال الشرطة السائقين عن طريق تحرير المخالفات وسحب الرخص والإيقاف لمدة شهر. وكلها وسائل للإخضاع والقهر ويدعمها القمع المباشر. ويحدث كثيرًا أن تصل عقوبة السائق للإيقاف لمدة شهر وهو ما يعني توقفه عن العمل لمدة شهر بكل ما يعنيه هذا من ديون وخسائر.

نضالات سائقي السرفيس:

تتمتي فئة السرفيس – كما سبق وقلنا – إلى البرجوازية الصغيرة. إذ أنه حتى السائقين الإجراء من ضمنهم يعيشون في بيئة البرجوازية الصغيرة ويحملون قيمها التنافسية والأنانية الضيقة. فهم لم تصهرهم حياة المصنع – المتحررة تمامًا من الملكية – في بوتقة جماعية واحدة.

ولكن بالرغم من ذلك، فقد أظهرت هذه الفئة حيوية نضالية كبيرة ضد الدولة وجهاز قمعها. يبرز ذلك في الإضرابات العديدة والمتكررة التي يقوم لها السائقون في الآونة الأخيرة، بعدما ضاق السوق وزادت معدلات الاستنزاف.

ولقد كتبنا في الشرارة (العدد الثاني – مارس 1996) تحقيقًا عن إضراب سائقي السرفيس على خط السيدة عائشة لمدة ساعتين في يوم 5 مارس 1996 ضد استعباد رجال الشرطة لهم. وها هم سائقو نفس الخط يقومون بإضراب ثاني منذ عدة أسابيع ضد ابتزاز الموظفين المحليين لهم. اشتعل الإضراب الأخير – الذي استمر أسبوع على الأقل – عندما أصدرت المحافظة قرارًا بتخفيض أجرة الطلوع من 75 قرشًا إلى 40 قرشًا فقط، وهو ما أعتبره السائقون حكمًا عليهم بالإعدام في ظل ظروف الضنك التي يعيشونها.. فكان قرارهم بالإضراب.

كان هذا هو أطول الإضرابات التي شهدتها حركة سائقي السرفيس في كل مصر، ولكنه – بالتأكيد – لم يكن الإضراب الوحيد. فقد سبقه بأسابيع عدد من الإضرابات المتوالية لسائقي خط ميت عقبة (تراوحت بين عدة ساعات، ويوم واحد) احتجاجًا على المعاملة القمعية لرجال الشرطة، وسبقه أيضًا إضراب لسائقي بولاق بعد أن ضرب أحد ضباط الشرطة واحد من السائقين.

وفي الأسابيع القليلة الأخيرة، أضرب سائقو الأجرة ببورسعيد (للمرة الثانية خلال 3 أشهر)، وأضرب سائقو سرفيس المنصورة. إضراب بورسعيد كان احتجاجًا على ابتزاز رجال الشرطة واضطهادهم للسائقين. أما أضرب المنصورة فقد كان احتجاجًا على تضييق موظفي المحافظة على السائقين، و”تنظيمهم” للمرور بمنع سائقي السرفيس من المرور داخل المدينة.

ولقد اتسمت كل هذه الإضرابات بدرجة كبيرة من العفوية، فلم يسبقها أعداد أو تنظيم واضحين (توجد نقابة للسائقين اسمها نقابة عمال النقل البري لأهم لها إلا تحصيل الاشتراكات والإتاوات)، ولم يسبقها أو يتزامن معها أية حملات من أجل التضامن. وقد كان هذا هو السبب وراء نجاح الدولة في كسر إضراب سائقي السيدة عائشة الأخير. إذ قامت هيئة النقل العامل بتشغيل نحو 15 أتوبيس على نفس الخط لتعويض النقص. وكان هذا أيضًا الأمر الذي سهل على جهاز القمع تحطيم حركة سائقي المنصورة بالقبض على عشرات السائقين بتهمة التظاهر وتكدير السلم.

ولكن بدون شك، فإن الحيوية النضالية – بالرغم من ظروف التفتت والقمعية – لها أثارها الإيجابية. فعلى المستوى المباشر، نجح عدد من الإضرابات في تحقيق نتائج إيجابية، حتى ولو كانت جزئية في بعض الحالات. ومن ناحية أخرى، فإن احتجاجات سائقي السرفيس هي بالتأكيد رصيد إضافي في المواجهة ضد قمع واستغلال البرجوازية المصرية وموظفيها ورجال قمعها. وبهذا المعنى فعلى الثوريين أن يستمعوا لنصيحة لينين – الصحيحة تمامًا – بأن لا يفوتوا حالة للاضطهاد أو الاستغلال أو القمع إلا ويشهروا بها تشهيرًا سياسيًا – حتى ولو كانت لا تمس الجماهير العمالية بشكل مباشر – ويبرزوا علاقتها بالاستغلال الرأسمالي وبطبيعة سلطته السياسية.