بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أطباء الزقازيق والإدارة الفاسدة

الفساد عنوان الحياة في مصر.. هذا هو الأمر ببساطة.. أينما نتوجه سنجد رائحته تفوح حولنا وتكاد تخنقنا.. والمتضررون من الفساد هم الفقراء.. دائمًا الفقراء.. هكذا في كل شيء: التعليم، والعلاج، والخدمات الاجتماعية، وسبل البحث عن الرزق.. لكن دائمًا سنجد شرفاء يفضحون الفساد ويناضلون ضده.. محمود أشرف يكتب لنا عن قصة أخرى للفساد ومن يتصدون له في مستشفى الزقازيق العام.

في حلقة جديدة من مسلسل الفساد والإهمال والاستبداد الذي انتشر واستفحل في أرجاء هذا الوطن تأتي قصة مستشفى الزقازيق العام. ولأن الفساد كلما انتشر وتوغل كلما اتسعت جبهة المناضلين ضده، هكذا تتألق أسماء الشرفاء في معاركهم الحامية الوطيس ضد الفاسد المتسلط وكل مظاهر تجبره واستبداده، وهكذا تتألق أسماء أطباء مستشفى الزقازيق كحائط صد جديد في مواجهة الفساد والاستبداد في مصر.

تقع مستشفى الزقازيق العام بين السجن العمومي وترعة بحر مويس، أي محاصرة بالتلوث من جميع الجهات. وإذا كان من الطبيعي أن تكون المستشفيات ملجأ للمرضى، فإننا سنجد مستشفى الزقازيق موطن للفساد المالي والإداري، أكثر مما هي مركزًا للعلاج. مدير المستشفى، يحيي فلاح، الذي تقول شائعات مؤكدة أنه سينال قريبًا جائزة الدولة التشجيعية، هو المسؤول الأول عما يحدث هناك، وبالطبع هو المستفيد الأول منه.

الأحوال داخل مستشفى الزقازيق تكشف بصورة مذهلة عن نوعية الرعاية الصحية التي تقدمها الدولة وأجهزتها للمرضى الفقراء، فالمستشفى مسئولة عن توفير خدمات طبية لحوالي 50% من حالات المرض والحوادث والطوارئ بين سكان مركز ومدينة الزقازيق، الأكثر فقرًا بينهم بالطبع. ولا يحتاج المرء إلا للتجول بضعة دقائق داخل المستشفى ليكتشف كم الفساد والإهمال الموجود، وليفهم ببساطة لماذا يموت الفقراء في مصر بأمراض لم يعد لها وجود في أغلب دول العالم. حجرات العمليات بلا تعقيم وشبابيكها مكسورة، ويمكن لأي شخص أن يدخلها بينما يوجد مريض بطنه مفتوحة على سرير الجراحة، وقطة ضالة تجلس بهدوء في أحد الأركان، والذباب يتحرك بسهولة على وجوه الأطباء الملتفين حول المريض وفوق جرحه المفتوح حجرة الولادة بلا باب أصلاً، شبابيكها مكسورة وأجهزة التكييف بها معطلة والعرق يتساقط من فوق جبين الطبيب ليقع في بطن السيدة التي يقوم بعمل جراحة قيصرية لها.

هكذا الأمر في وحدات غسيل الكلى، وغرف العناية المركزة، وحجرات المرضى، وغيرها. وبينما توفر الميزانية الحكومة المقررة ثلاث جلسات غسيل أسبوعية لمرضى الفشل الكلوي تقدم لهم المستشفى جلستين فقط، ولا أحد يعرف إلى أين تذهب تكلفة الثالثة! في نفس الوقت قام مدير المستشفى بإصدار قرار بتحصيل مبلغ عشرة جنيهات من المرضى عن كل تقرير طبي تصدره المستشفى يطلب من الشرطة أو القضاء، حصيلة ذلك تزيد عن مائة ألف جنيه شهريًا لا يتم وضعهم في ميزانية المستشفى، ولا يعلم أحد كيف يتم إنفاقهم.

أما الأمر الأكثر فحاجة فهو وضع مدير المستشفى نفسه، فالقانون يمنعه من أن تكون له عيادة خاصة، لكنه يضرب عرض الحائط بالقانون على مرأى ومسمع من الجميع – على رأسهم محافظة الشرقية محيي عبد المجيد – ويدير عيادة خاصة توفر له، بسبب وظيفته كمدير للمستشفى العام، قدر هائل من المرضى. الجمع يتحدثون عن العلاقة بين المحافظ ومدير المستشفى، التي جعلت المحافظ شديد التمسك به ومستعد لإلقاء جميع الشكاوي التي وردت في حقه إلى سلة المهملات. تلك العلاقة تكشف عن نموذج لشبكة الفساد التي تدير مصر، فالمحافظ شريك في استثمارات طلعت السويدي عضو مجلس الشعب عن ديرب نجم، والمدير وثيق الصلة بالسويدي وأحد رجاله الذين يحشدون له الأصوات.

أمام هذا الفساد المكشوف والتردي الواضح في أحوال المستشفى، بدأ أطباء المستشفى في إعلان احتجاجهم ومطالباتهم بإصلاح الأوضاع. في البداية تقدموا بشكاوي إلى مديرية الصحة ونقابة الأطباء بالشرقية، لكن جميعها لم تلق أي اهتمام. وخلال شهر يوليو الماضي قام أكثر من 140 طبيب وممرضة وموظف في المستشفى بتنظيم اعتصام احتجاجي للمطالبة بتحسين الأوضاع في المستشفى. وتم إنهاء الاعتصام بوعد بالاستجابة لمطالبهم. لكن فور إنهاءه، وبدلاً من الاستجابة للمطالب، أصدر مدير المستشفى قرارًا بتوقيع جزاء على جميع من شاركوا في الاعتصام.

قام الأطباء بالتصعيد، وذلك بتنظيم اعتصام تبادلي أسبوعي بشكل رمزي، وبما لا يؤثر على سير العمل. واستمر هذا الوضع ما يقرب من أربعة أشهر، فما كان من إدارة المستشفى إلا أن قامت بتحويل الأطباء إلى النيابة الإدارية بتهمة الاعتصام!! وقام مدير المستشفى بتهديد الأطباء المعتصمين بالنقل خارج المحافظة، وإنزال عقوبات تعسفية وجزاءات مضاعفة عليهم. بل والأدهى والأمر هو تهديدهم بتلفيق اتهامات لهم بزعزعة نظام الحكم والتمرد على النظم القائمة وذلك حتى يتولى أمن الدولة أمرهم.

فما كان من الأطباء للرد على هذه التحرشات والتهديدات الوقحة إلا أن قاموا بتصعيد نضالهم وأعلن عشرة من بينهم إضرابًا مفتوحًا عن الطعام حتى يتم التحقيق فيما جرى ويجري لهم، وفتح ملفات الفساد المستشري بالمستشفى، هذا بالرغم من حالتهم الصحية المتدهورة وسنهم المتقدم ودخول اثنين منهم للرعاية المركزة.

وقد أسفر هذا، بالإضافة إلى تضامن كل من أطباء من أجل التغيير وشباب من أجل التغيير ومركز النديم والعديد من منظمات حقوق الإنسان الأخرى، إلى اضطرار المحافظ للسعي لمقابلتهم ووعدهم بتلبية مطالبهم مقابل إنهاء الإضراب. إلا أنه وبعد إنهاء الإضراب وكما هو متوقع لم يف بوعوده، مما أدى إلى مواصلة الأطباء لنضالهم المشرف ووقوفهم مع كل التيارات والقوى المساندة لهم وقفة احتجاجية أمام نقابة الأطباء بالقاهرة للمطالبة بنفس المطالب. ولا زال حتى الآن الصراع دائر بين الأطباء وإراداتهم الصلبة وإدارة المستشفى الفائدة المتشبثة حتى النهاية بمقاعدها.