بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تحليل الحركة العمالية في مصر اليوم

أثار انفجار 20 و21 مارس 2003 انتعاشا كبيرا في نفوس كل الحالمين بالتغيير والساعين إليه، حيث مثل صرخة هائلة وسط سكون مميت دام طويلا. وفي المقابل ألقى الذعر والهلع في قلب الرأسمالية المصرية ونظامها الحاكم المأزومين، لكن وسط هذه النشوة بانبعاث حركة الجماهير المصرية، وبعد هدوء الغبار بدا أن هناك تساؤلا يفرض نفسه بقوة داخل الحركة السياسية بشكل عام وفى أوساط الاشتراكيين والمناضلين العماليين بشكل خاص، وهو أين الطبقة العاملة من الحركة؟ فقد بدا واضحا غيابها كقوة اجتماعية، داخل 20 مارس، وذلك بالمقارنة ـ مع الفارق ـ بدورها في يناير 1977، حيث كانت في موقع القيادة إلى جانب الطلاب.

فرغم تفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية في مصر والضغوط المتزايدة على العمال، من خلال تكثيف استغلالهم وتركهم فريسة لرأس المال، فالحركة العمالية مازالت في وضع رد الفعل الدفاعي ولم تنتقل إلى الهجوم لانتزاع حقوقها، ويتجلى ذلك في مظاهر عديدة، أهمها سيطرة النضال الاقتصادي، والضعف التنظيمي للعمال مع سيطرة الدولة على النقابات بالكامل، بالإضافة إلى الطابع الجزئي والمفتت للنضالات العمالية.

هذا الوضع المركب والمتناقض لوضعية الحركة العمالية يطرح تساؤلات عديدة حول إمكانيات الطبقة العاملة كقوة اجتماعية مركزية في عملية التغير القادم في مصر، وكيف نفهم ضعف مشاركتها في الحركة السياسية الواسعة للتضامن مع الانتفاضة ورفض الحرب على العراق. كيف نفسر تراجع الاحتجاجات العمالية في السنوات الأخيرة رغم تكثيف الاستغلال الذي تتعرض له، كذلك فرص تسييس نضالها الاقتصادي في سياق المتغيرات المحيطة.

رصد الاحتجاجات العمالية

نحن في حاجة أولا إلى رصد واقع نضال الطبقة العاملة من خلال رصد الاحتجاجات العمالية والتعرف على حجمها وطبيعتها خلال العام 2003، حتى يمكننا فهم وضعية الحركة العمالية وآفاقها. وسوف نعتمد هنا على المعلومات الواردة في التقارير العمالية لمركز الأرض لحقوق الإنسان.

وفقا لتقرير أحوال العمال في مصر 2003، تم رصد 86 احتجاجا عماليا ما بين إضراب واعتصام وتجمهر وتظاهر، اختلفوا من حيث أسلوب النضال وحجمه ومدى نجاحه وتأثيره. وشملت الاحتجاجات العمالية كافة القطاعات الاقتصادية: القطاع الحكومي، والخاص، وقطاع الأعمال. وقعت الغالبية العظمى من هذه الاحتجاجات في القطاع الخاص، 45 احتجاجا شكلوا نسبة 52.4% من جملة الاحتجاجات، ويأتي عمال القطاع الحكومي في المرتبة الثانية: 26 احتجاجا بنسبة 30.3%، ثم كان عمال قطاع الأعمال العام الأقل احتجاجا، حيث نظموا 15 احتجاجا بنسبة 15.5%.

كان التجمهر الأسلوب الأكثر استخداما: 33 احتجاجا، بنسبة 38.3%. وكان عمال القطاع الخاص الأكثر استخداما لهذه الوسيلة: 14 احتجاجا بنسبة 42.4% من جملة حجم التجمهر، يليهم العاملين بالقطاع الحكومي، بواقع 13 احتجاجا بنسبة 39.3%، في مقابل 6 احتجاجات لقطاع الأعمال بنسبة 18.1%. ثم يأتي الإضراب في المرتبة الثانية من حيث حجم استخدامه كوسيلة للاحتجاج، 25 احتجاجا بنسبة 29% من إجمالي الاحتجاجات. ومن حيث استخدام القطاعات الاقتصادية لهذه الوسيلة، جاء عمال القطاع الخاص أيضا الأكثر استخداما لهذه الوسيلة: 16 احتجاج بنسبة 64% من حجم الإضرابات، ثم عمال القطاع الحكومي: 6 احتجاجات بنسبة 24%، وأخيرا عمال قطاع الأعمال العام: 3 احتجاجات بنسبة 12%.

كان الاعتصام الوسيلة الثالثة التي لجأ إليها العمال للتعبير عن احتجاجهم ضد تعسف الإدارة ورأس المال. فقد شهد العام الماضي 22 اعتصاما، شكلوا 25% من إجمالي الاحتجاجات. وجاء عمال القطاع الخاص الأكثر اعتصاما بواقع 14 احتجاجا بنسبة 63.6% من حجم الاعتصامات في هذا العام، يليه القطاع الحكومي: 5 احتجاجات بنسبة 22.7%، ثم أخيرا قطاع الأعمال العام: 3 احتجاجات بنسبة 13.6%. وأخيرا كان أسلوب التظاهر أقل الوسائل استخداما في ذلك العام، بواقع 6 احتجاجات بنسبة 7% من إجمالي الاحتجاجات. احتل عمال قطاع الأعمال العام المرتبة الأولى في استخدام هذه الوسيلة: 3 احتجاجات بنسبة 50% من حجم التظاهرات العمالية، في مقابل تظاهرة واحدة لعمال القطاع الخاص بنسبة 16.6%، وتظاهرتين لعمال القطاع الحكومي بنسبة 33.4%.

أما التوزيع الجغرافي لهذه الاحتجاجات العمالية فقد كان على النحو التالي: 37 احتجاجا، أي 43%، في القاهرة الكبرى، و3 احتجاجات في المحلة الكبرى، أي بنسبة 3.4%، و12 حدثا في محافظات الصعيد (قنا، بنى سويف، الأقصر، أسوان، المنيا، الفيوم) (14%)، ووقع في الغربية 5 احتجاجات (5.9%)، واحتجاجين في كفر الشيخ (2،3%) و4 أحداث في محافظات (الدقهلية، المنوفية، دمياط، مرسى مطروح) (4.6%) بواقع احتجاج واحد لكل محافظة. كما وقعت 4 أحداث في مدن القناة (السويس، بور سعيد، الإسماعيلية) (4.6%)، في حين كان هناك 16 احتجاجا (18.6%) غير معروف أماكنها.

ومن حيث توزيع الاحتجاجات على الأنشطة الاقتصادية المختلفة، احتلت أنشطة النقل والخدمات النصيب الأكبر بواقع 31 احتجاجا، أي 36.1%، وكان عمال القطاع الحكومي الأكثر احتجاجا داخل هذا النشاط بواقع 19 احتجاج، في مقابل 12 احتجاج للقطاع الخاص، ثم يأتي عمال أنشطة الصناعات الهندسية والمعدنية في المرتبة الثانية، بواقع 17 احتجاج (19.7%)، قام بالنصيب الأكبر منها عمال القطاع الخاص: 15 احتجاجا في مقابل 5 احتجاجات لقطاع الأعمال العام. وجاء في المركز الثالث عمال الصناعات الغذائية بواقع 8 احتجاجات (9.4%)، موزعة كالآتي: ثلاث احتجاجات لكل من القطاع الخاص وقطاع الأعمال العام، واحتجاجين فقط للقطاع الحكومي، ثم جاء كل من الغزل والنسيج والبناء والحراريات في المرتبة الرابعة بواقع 7 احتجاجات لكل منهما (8.2%)، كان عمال قطاع الأعمال العام الأكثر احتجاجا في الغزل والنسيج: 4 احتجاجات، في مقابل احتجاجين للقطاع الخاص، واحتجاج واحد للقطاع الحكومي. في حين كان عمال القطاع الخاص الأكثر احتجاجا في نشاط مواد البناء والحراريات، بواقع 4 احتجاجات، في مقابل 3 احتجاجات لقطاع الأعمال العام. وأخيرا جاء عمال نشاط الصناعات الكيماوية والدوائية الأقل احتجاجا، بواقع 5 احتجاجات (5.8%).

أما من حيث الأسباب التي دعت العمال إلى الاحتجاج، جاء الفصل التعسفي في المقدمة بواقع 35 احتجاجا (40.7%)، يليه النضال من أجل الأجور بواقع 22 احتجاجا (25.6%)، وأخيرا جاء سبب إغلاق المصنع أو المنشأة بواقع 10 احتجاجات ( 11.7%) ثم كان هناك 19 حدثا آخر لأسباب متنوعة (قرارات تعسفية، بيئة العمل، إصابة العمل، مخالفات إدارية..الخ).

قراءة في نضالات العمال

ربما تكون الملاحظة الأولى، أن عدد الاحتجاجات العمالية قد انخفض نسبيا، حيث كان هذا العدد ـ وفقا لتقديرات تقارير مركز الأرض ـ 96 احتجاجا في عام 2002، و135 في عام 2000. رغم هذا الانخفاض في عدد الاحتجاجات العمالية في السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أنه بالتأكيد لم تصل إلى حد السكون الذي مرت به في منتصف التسعينات حيث كانت ـ وفقا لبعض التقديرات ـ 36 احتجاجا.

الملاحظ أن منحنى الاحتجاجات أخذ في الصعود في النصف الثاني من التسعينات حيث وصل في عام 1998 إلى 154 احتجاجا، ثم واصل صعوده ليبلغ 164 احتجاجا عام 1999، ثم أخذ في الهبوط مرة أخرى بداية من عام 2000، لكنه ـ كما ذكرنا ـ مازال مرتفعا بالمقارنة بفترة النصف الأول من التسعينات.

لا يمكن فهم هذا الصعود والهبوط في حجم النضالات العمالية دون قراءتها في سياقها الاقتصادي والسياسي، فقد شهد النصف الثاني من التسعينات هجوما مكثفا من قبل الرأسمالية ودولتها على العمال من خلال تسريع عملية الخصخصة بما ترتب عليها من تشريد المزيد من العمال وتكثيف استغلال الباقين في العمل، بما يعنى بالضرورة رد فعل دفاعي من قبل العمال ضد سياسة ذبحهم. فتقول الأرقام أن عامي 1998 و1999 قد شهدا النسبة الأكبر من عمليات الخصخصة منذ بدأ هذه العملية في عام 1993، ففي عام 1998 تم بيع 32 شركة، وشهد عام 1999 خصخصة 31 شركة.

كانت أولى سياسات الاستغلال التي دفعت العمال إلى الاحتجاج هي سياسة المعاش المبكر، التي أدت إلى تشريد ما يقرب من 80 ألف عامل حتى عام حتى نهاية 1998، ووصل الرقم إلى ما يقرب من 200 ألف حتى عام 2000. وقد تسابق العمال للخروج على المعاش المبكر نتيجة الضغوط البشعة التي مارستها الإدارات والحكومة عليهم، من النقل إلى أماكن بعيدة وتخفيض الحوافز والبدلات وإطالة يوم العمل ..الخ. ورغم ذلك عندما وجدت الحكومة نفسها مطالبة بتوفير مليار و467 مليون جنيه لطالبي المعاش المبكر بدأت في المماطلة وتبخرت وعودها في الهواء، ولجأت إلى أشكال عديدة للتحايل على العمال. وهكذا تصاعدت احتجاجات العمال مع تصاعد وتيرة الهجوم عليهم.

خلال هذه العملية أنجزت الدولة المصرية جزءا هاما من الخصخصة، وكان مفترضا أن تكمل بنفس الوتيرة، لكن ضغوط الأزمة الاقتصادية ـ العالمية والمحلية ـ وإحجام رأس المال عن الاستثمار، بالإضافة طبعا إلى النضالات العمالية المتصاعدة، كل ذلك جعل النظام المصري يخفف من سرعة برنامجه. وهكذا مع دخول الألفية الجديدة كانت قد حدثت تغيرات هيكلية في الاقتصاد المصري، تفكيك المراكز الصناعية التقليدية (حلوان، شبرا، كفر الدوار، المحلة ..الخ)، وبالطبع تحلل الجزء الأكبر من طبقتها العاملة (انخفض عدد عمال القطاع العام من مليون ومائة ألف عند بدء برنامج الخصخصة إلى ما يقل عن 800 ألف عامل في بداية 2002)، في مقابل تكون مراكز صناعية جديدة في المدن الجديدة (العاشر من رمضان، 6 أكتوبر، العبور، بدر، وغيرها) شهدت هذه المدن ميلاد طبقة عاملة جديدة.

لم يكن تفكيك المراكز الصناعية القديمة والقضاء على الجزء الأكبر من عمالها خسارة للطبقة العاملة من الناحية الكمية فقط، بل الأهم أنها خسارة من الناحية الكيفية أيضا، حيث راكمت هذه الطبقة عبر تاريخها الطويل تراثا قويا من الوعي النضالي والتنظيمي. بمعنى آخر كان يعد هذا القطاع الأكثر تقدما داخل الطبقة العاملة المصرية. على العكس من ذلك تأتى الطبقة العاملة الجديدة التي تفتقد إلى التراث النضالي والتنظيمي، بالإضافة إلى تعرضها لضغوط مكثفة من الرأسمالية المأزومة. يكفي أن نعلم أن آلاف العمال في المدن الجديدة يعملون دون عقود عمل، وأنهم يوقعون استقالاتهم قبل البدء في العمل، ناهيك عن شروط العمل المميتة، حيث تصل عدد ساعات العمل إلى 12 و14 ساعة وسط مناخ سيء. وتخبرنا أحد التقارير الصحفية لمجلة “ميدل إيست تايمز” أن هناك نحو 40 ألف عامل قد تم تشريدهم نتيجة إغلاق 150 مصنع في مدينة 6 أكتوبر في فبراير الماضي. وفى مدينة العاشر تم إغلاق 15% من مصانعها خلال ديسمبر الماضي، بينما تم إغلاق 179 شركة و400 خط إنتاج في مدينة برج العرب، فضلً عن 50% من مصانع مدينة السادات. وربما كان ذلك تفسيرا لاحتلال الفصل التعسفي السبب الأول للاحتجاجات العمالية عام 2003 (40.7%)، واحتلال القطاع الخاص النسبة الأكبر من هذه الاحتجاجات بواقع 24 احتجاجا (68.5%). مجمل هذه الظروف جذب منحنى الاحتجاجات إلى الانخفاض.

رغم كل الحديث عن ضعف نضالات الطبقة الجديدة وتفتتها وغلبة الطابع الاقتصادي عليها، إلا أن بها من الإمكانات النضالية ما يجعل آفاق تطورها مفتوحة. فهذه الطبقة الجديدة الشابة لم تتعرض للاحباطات والهزائم التي منيت بها الطبقة القديمة. هذه الطبقة ـ الجديدة ـ التي تكونت بالأساس في القطاع الخاص هي التي تقود الآن حركة الاحتجاجات العمالية، وهو ما عبرت عنه نسبة احتجاجات القطاع الخاص في الأعوام منذ عام 2000 حيث كانت النصيب الأكبر من جملة الاحتجاجات للقطاع الخاص (57 احتجاجا من 135)، واستمر ذلك في عام 2002، حيث احتل عمال القطاع الخاص النسبة الأعلى من الاحتجاجات (49 احتجاج من أصل 96).

الحركة العمالية والنضال ضد الاستغلال

سوف يكون من الخطأ تقييم الحركة العمالية من مجرد النظر إلى الجانب الكمي من نضالات الطبقة العاملة، دون النظر إلى السياق السياسي والاقتصادي الذي تتم بداخله هذه النضالات، والعلاقة الجدلية بين هذا الواقع وحركة العمال.

فالواقع الذي ترسمه الأرقام والتقارير يقول أن نضالات العمال مازالت في طور الدفاع وانعدام الثقة في تحقيق تغيير جذري حقيقي من خلال كفاحهم، وهو ما ينعكس في طابع الاحتجاجات المطلبية الجزئية التي يغلب عليها الطابع الاقتصادي دون الاهتمام بالجوانب السياسية، ناهيك عن انخفاض عدد الاحتجاجات في الفترة الأخيرة.

رغم كل ذلك فالواقع بما يطرحه من أزمة اقتصادية تمسك بتلابيب الرأسمالية المصرية وتتفاقم يوما بعد يوم، وما يتبع ذلك من أزمة سياسية لنظامها، خلق حالة من التجذير داخل صفوف فقراء الجماهير المصرية مختلفة نوعيا عن حالة الركود التي شهدتها حقبة التسعينات. هذه الحالة التي تجلت في أزهى صورها في حركة دعم الانتفاضة، وحركة ضد الحرب الأمريكية التي توجت بانفجار 20 و21 مارس. نقول أن هذه الحالة تفتح آفاقا واسعة أمام الحركة العمالية التي هي في الحقيقة جزء من هذا الواقع. فالعمال في مقدمة الطبقات الواقعة تحت وطأة الفقر والتهاب الأسعار والبطالة والاستغلال، لكن سيصبح من الخطأ افتراض حتمية تنظيم الحركة العمالية وتطورها من الدفاع إلى الهجوم لمجرد تفاقم الأزمة الاقتصادية، بل يمكن أن يحدث العكس، أن يتدهور العمال تحت وطأة الأزمة وتتقزم حركتهم.

الفارق في تسييس نضال العمال وبناء حركتهم التي تختلف على المستوى النوعي وليس العددي، حيث تتحول إلى الهجوم على الرأسمالية نحو تغيير حقيقي، يعتمد على عدد من العوامل في ظل موازين القوى التي تحكم الصراع الطبقي في مصر. ربما يكون أولها هو العمل الدءوب على ربط نضالات العمال بالنضال السياسي الأوسع ضد الفقر والظلم والإمبريالية. من ناحية أخرى أصبح من الضروري العمل على بناء التنظيمات العمالية المستقلة، عبر النضالات المستمرة التي تندلع كل يوم، وهذا يستدعى تكاتف كافة المناضلين العماليين في جبهة عمالية واحدة للعمل المشترك.