بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثقافة الأطباء الاحتجاجية.. رؤية أولية

قد يصاب البعض بالإحباط من مواقف الأطباء، والتي غالباً ما توصف بالسلبية وينعت أصحابها بالكسل وسيادة ثقافة (اذهب أنت وربك فقاتلا)، هذا الطرح وإن كان يبدو سليماً، ولكن قراءته خارج سياقه الاجتماعي توقعنا في فخ اليأس والانهزامية واستحالة التغيير، فكل ظاهرة (وفقاً لعلوم الاجتماع) لها جذورها الاجتماعية، كما أن أي حركة يجب أن تتوفر فيها مجموعة من الشروط بعضها ذاتي مرتبط بمدى نمو الوعي النضالي للأفراد وبعضها موضوعي مرتبط بمدى نضوج الظروف المحيطة وملاءمتها للحركة.

بالمثل فموقف الأطباء ليس الأصل فيه الكسل أو التخاذل رغم وجودهما، ولكن هناك مجموعة من الظروف الموضوعية والتي تؤخر نضوج الوعي النضالي لهذا القطاع نعرضها فيما يلي:

الدولة كصاحبة عمل

نحن نتناسى أن الدولة لازالت حتى الآن صاحب العمل، حيث تقدم 87% من الخدمة الصحية، وبالتالي يخضع العاملين فيها لقانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978م، والذي يتسم بالوضوح إلى حد كبير، وبالتالي تقل داخله مساحة الحركة، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن القطاع العام يقدم معظم الخدمة الصحية، وبالتالي فهو يجبر القطاع الخاص على معاملة العاملين لديه بنفس المستوى، نظراً للمنافسة، فترتفع الأجور بالقطاع الخاص لمجرد ارتفاعها بالقطاع العام، وبالتالي هنا يرتبط الأجر بين القطاعين.

إن دور الدولة الضخم بهذا القطاع يطرح بعداً قومياً للمهنة، وهذا كان حجر عثرة لفترة طويلة أمام تطور الوعي النضالي داخل الحركة العمالية، ثم جاء تراجع الدولة لصالح قطار الخصخصة.

هذا بالإضافة إلى البعد الإنساني للمهنة لاحظ تصريح وزير الصحة لجريدة الدستور، حيث قال الوزير، رائد البزنس الصحي في مصر وصاحب دار الفؤاد والكايروسكان والمحرك الأول لقطار الخصخصة داخل القطاع الصحي، «الأطباء ملائكة ولا يجب أن يتحدثوا عن الأجور».

الأطباء شرائح

تفاوت المصالح ما بين شرائح الأطباء المختلفة مما يضعف من إمكانية التماسك على مطلب واحد، كما هو الحال بالنسبة للصيادلة ( قانون المحاسبة الضريبية الجديد )، والضرائب العقارية ( موظفون لدى وزارة المالية يسعون للمساواة بزملائهم)، حيث أن الأطباء شرائح عدة وفقاً لجذورهم الطبقية فمع التوسع فى التعليم العالي دخلت شرائح عدة إلى كليات القمة، وهناك اتجاه الآن لزيادة مصاريف التعليم العام والتقليص من عدد المنتفعين به، كما هناك خطة لتقليص عدد الداخلين إلى كليات طب خلال خمس سنوات 50 بنسبة%، وكانت البداية هذه السنة بتخفيض المقبولين بالكلية 15% ، تعد تلك الإجراءات شكل من أشكال الفرز الطبقي، بالإضافة إلى فتح الباب أمام التعليم الطبي الخاص بمنحهم فرص التدريب داخل المستشفيات الجامعية، ومساواتهم فى التوزيع بخريجي الطب العام .

هناك أطباء أصحاب المستشفيات الكبيرة والمتوسطة، حيث يوجد 2000 مستشفى خاص بالقاهرة والمحافظات، وهناك 60000 مؤسسة صحية مرخص لها، بالإضافة إلى الأطباء العاملين بالخليج ( يعمل بالسعودية وحدها 12000 طبيباً)، وهناك العاملين بالمستشفيات الحكومية هذا بالإضافة إلى شباب الأطباء الذين يخدمون بالمناطق النائية.

إذا هناك أطباء بحاجة إلى راتب الحكومة، وآخرين يعتبرون الراتب مكمل للدخل، وهناك من يرى فى المستشفيات الحكومية منافس له على الخدمة، ويجب تحيدها تمهيداً لخصخصتها، وبالتالي التقدم لشرائها.

هذا التفاوت يفسر إلى حد كبير الفشل الذى لاقاه قرار الجمعية العمومية المنادى بإضراب العيادات الخاصة فى 9 أبريل 2009م، فقد تم التوجه إلى الشريحة الخطأ (أصحاب العيادات ) من أجل كادر لا يهمهم، وبالتالي كانت النتائج هزيلة.

توفر الأبواب الجانبية للدخل لبعض الأطباء، وفقاً لشريحة الطبيب، فمن المستشفيات الكبيرة بالمناطق الراقية، وحتى أصغر المستوصفات بالمناطق الفقيرة والمهمشة، فهؤلاء حتى الآن قادرون على تصدير الأزمة لغيرهم.

الطبـيب البرجوازي الصغير

حلم الصعود الطبقي داخل هذا القطاع والذى تربى فى كنف نظام تعليمي يرسخ للاستكانة والفردية، الامتحان فيه هو أداة للفرز الطبقي، الامتحان أليه للمفاضلة علي الفرص المتنافس عليها، وليس لتقييم الأداء، إما عبر التعين بالحكومة، أو الارتقاء بالمستوى العلمي من أجل فرص أفضل بالداخل أو الخارج.

إن تركيبة الأطباء حتى الآن هي فى الغالب من البرجوازية المتوسطة والصغيرة، والتي تتسم بالتردد وتخشى الحلول الجذرية، نظراً لوقوعها فى المنطقة الدافئة ما بين البرجوازية الكبيرة والطبقة العاملة، فهي تستطيع تصدير أزماتها المختلفة إلى أسفل وكان لسيادة هذه التركيبة دوراً مهماً فى تحديد رؤية النقابة، وفي سيطرة الإخوان المسلمين، و في سيادة الحل النقابي، والتغيير من داخل النظام، واعتبار النقابة أداة تكافلية، وليست أداة من أدوات النضال داخل المجتمع.

لاحظ تعليق نقيب الأطباء لجريدة البديل فى 31/3/2009م، يوم الوقفة الاحتجاجية الثانية ، طلبنا مقابلة الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء، ولا نعرف إذا كانت الحكومة ستتحرك لإعادة الحقوق للأطباء أم أنها ستتركنا للمتشددين، اللي نفسهم كل حاجة فى البلد تولع، لذلك أرجو من الحكومة …».

وفي تصريح آخر لجريدة «المصري اليوم» بنفس الوقفة، قال النقيب: لقد حضرنا لكي نلفت نظر الوزير إلى أزمة الأطباء مع تقديرنا أن الأزمة المالية أكبر وأقوى.

وتصريح عصام العريان فى أحد مقالاته الأسبوعية بجريدة الدستور بتقسيم النقابة إلى من يريدون الكادر ويطلبونه بشكل سلمي (الإخوان المسلمين)، ومن يسعون للي ذراع الحكومة عبر الإضرابات والاعتصامات مشيراً إلى التيار الذى يتزعموه أطباء بلا حقوق.

قطار الخصخصة والنضال

وأخيراً فإن إمكانية الحركة مرهون بتوفر شروطها الموضوعية من تداعى للشروط سابقة الذكر، وهذا ما يحدث الآن مع الهجمة الرأسمالية الشرسة على هذا القطاع، والدفع به فى قطار الخصخصة، ( قانون التأمين الصحي الجديد – قانون المنشآت الطبية الجديد – مشروع فصل التمويل عن الخدمة ، وربط الجودة بالقطاع الخاص … الخ). لاحظ عرض مستشفى حميات التل الكبير وأبو خليفة العام للبيع وغيرهما، مما سيحرر شروط العمل، ويدفع بشريحة أكبر وأكبر من الأطباء إلى صفوف الطبقة العاملة فاقدين دفء الطبقة الوسطى، مما يفتح الساحة للحركة ونمو الوعي النضالي، هذا بالإضافة إلى التداعي الواضح فى الطلب على العمالة المصرية بدول الخليج، ( عودة أكثر من مائة وخمسون ألف عامل من الخليج مع بداية 2009م )، وهذا لا يعني التخاذل وانتظار نضوج الظروف بل السعي لتكوين الحركة النقابية الواعية، والقادرة على التواجد طوال الوقت بالتنبيه، ورفع الوعي وقت الركود والتداخل وقت الحركة.