قيادات عمالية: لجنة لتشغيل الشركة في حال استمرار تعنت المستثمر
طنطا للكتان.. ثمار الإضراب نضجت وآن أوان قطفها
“قطن بلادنا قليل الذوق ، عاشق جسم البية والسيد ، وأنا عريان وأولادي عرايا، نطبخ عشان غيرنا يدوق واللي نعوزه يعز علينا، وإحنا عشان ننتج ننعاز ” ..” لا سعودي ولا ياباني ..كتان طنطا راجعة تاني”.هذه الهتافات وغيرها يرددها عمال طنطا للكتان المضربين منذ خمسة شهور في وجه حكومة ترفع شعار “كل التسهيلات للمستثمرين.. ولا عزاء للعمال”.
الفترة الماضية شهدت انتصارات جزئية ولكنها مهمة في مشوار الآلف ميل الذي يقطعه العمال بصبر وثبات للحصول على كافة مطالبهم ..ومن ابرز هذه الانتصارات: إجبار سعيد الجوهري وحسين مجاور على العودة مرة أخرى إلى تبني الإضراب ، والأهم الالتزام بصرف رواتب العمال، واضطرار رئيس الوزراء لمناقشة قضية الشركة، وفتح قناة للتفاوض المباشر مع المستثمر السعودي… و حصول العمال على منحة شهر رمضان من وزارة القوى العاملة ،أكثر من ذلك فقد تعهد محافظ الغربية بعلاج العمال المرضي بعد أن أوقف “الجزار” صاحب الشركة علاجهم، وأخيرا وليس أخرا : الحكم بعودة القيادات العمالية المفصولة للشركة.
وعلى المستوى السياسي نجح الإضراب الطويل- ولو جزئيا -في إعادة فتح ملف الخصخصة ، وتعالت أصوات العمال وأنصارهم بالمطالبة بوقف عمليات البيع والتصفية بعد أن ذاق العمال الويل من المستثمرين الهنود والمصريين والسعوديين ورفعوا لافتات تدعو إلى تأميم الشركة: «مش عايزين مستثمرين أجانب يعاملونا زي العبيد.. والعمال يقدروا يديروا الشركة».
إلى جانب ذلك تصدى العمال للمحاولات العديدة التي قامت بها جهات متعددة من أجل فض الإضراب ، تارة من جانب نقابة الغزل والنسيج، وتارة أخرى من قبل وزارة القوى العاملة أو حتى التهديدات بالاعتقال التي وصلت لعدد من قيادات الإضراب .
صلابة العمال ووحدة القيادة
هذه التطورات المهمة وغيرها يقف وراءها أولا وثانيا وثالثا: صلابة العمال، وعزيمتهم الجبارة وقيادتهم الواعية التي تدير المعركة بنفس طويل، وفهم، وإدراك حقيقي بأهمية الوحدة والتلاحم بين العمال، والتي نظمت سلسلة من الوقفات والاحتجاجات شملت وزارة القوى العاملة ومحافظة الغربية والسفارة السعودية ومجلس الوزراء مرورا بقطع الطريق ، وحضور مؤتمرات وندوات بالقاهرة، وأخيرا عقد العديد من المؤتمرات في ساحة الشركة في سابقة لم تحدث من قبل في أي شركة أخرى أضربت طيلة الفترة الماضية، في ظل مضايقات محدودة جدا من الأمن..
هذا إلى جانب اتساع رقعة التضامن العمالي والسياسي مع حركة عمال طنطا ضد الخصخصة، والتي شملت كافة ألوان الطيف السياسي اليساري بداية من حركة الكرامة انتهاء بالاشتراكيين الثوريين. كما بات لافتا للانتباه أن طول أمد المعركة ، مع تزايد الاحتجاجات العمالية سمح كذلك بزيادة مساحة التضامن العمالي بدرجة كبيرة، فقد توافدت قيادات عمالية، منخرطة في اللجنة التحضيرية والتنسيقية وحركة تضامن، لزيارة العمال المضربين من الضرائب العقارية والبريد والعامرية والمصرية للأدوية وغزل شبين وغزل المحلة وحلج الأقطان والإداريين وغيرها ، وهو تطور مهم بالتأكيد .
ولكن الفترة المقبلة تحمل الكثير من الاحتمالات، فهي، ستشهد ضغوطا من جانب الحكومة لتمرير اتفاق قد يتم الوصول إليه خلال الأيام المقبلة في ضوء التصريحات الأخيرة لوزيرة القوى العاملة والهجرة،والتي أكدت فيها : أن مشكلة عمال طنطا للكتان سيتم حلها بشكل نهائى عقب إجازة عيد الفطر، مؤكدة على الاهتمام الرسمي بهذه المشكلة للحفاظ على كرامة المصريين داخل وخارج مصر!!.
وهو ما يعني إنه من الوارد أن تتوصل الحكومة إلى حل وسط مع المستثمر السعودي الذي اشترى الشركة بتراب الفلوس، وتسخير كل الإمكانيات من أجل تمرير الاتفاق عبر وقف دفع رواتب العمال، ومحاولة بث نيران الفرقة والانقسام.ولكن هذا لن يتم دون مقاومة كما يقول هشام العكل أحد القيادات العمالية ” لن نفض الإضراب إلا بعد الاستجابة لكل مطالبنا و التي تتمثل في عودة المفصولين وصرف العلاوة الدورية لعام 2008 و2009، بالإضافة إلي العلاوة الاجتماعية وزيادة بدل الوجبة إلي 90 جنيهاً مساواة بباقي الشركات، وصرف الأرباح المتراكمة وضم الحافز علي أساسي أجور 2009، ولكن هذه العملية ليست سهلة لأن للمستثمر وللنقابة العامة وللدولة رجالهم داخل الشركة ويبقى الرهان على وعي العمال ووحدتهم”.
ويراهن المستثمر كذلك على تسلل الإحباط إلى العمال نتيجة لطول مدة الإضراب، وفي هذا السياق تقول إحدى العاملات «وإحنا بقى لنا شهور بنقعد كده من غير شغل، وقفوا حالنا خلاص».ويتساءل آخر ” لماذا لم تتحرك الحكومة طيلة الفترة الماضية وتركتنا فريسة للمستثمر السعودي، الذي أوقف التعيينات تماما واعتمد على العقود، وبات شعاره المال فوق الجميع . وأعلن – فوق هذا – أكثر من مرة أنه غير معني بالقانون المصري . كما تجاهل اتفاقية العمل الجماعي التي وقعها بعد الإضراب السابق للعمال وامتنع عن تنفيذ بنودها التي وقع عليها تحت ضغط إضراب العمال، مشيرا إلى أن هناك قطاع مهم من العمال ، بم فيهم عدد من المفصولين، يمكنهم أن يقبلوا الخروج من الشركة في حال حصولهم على تعويض محترم..
و يقول جمال عثمان قيادي بالشركة” قرار نظيف بإجراء اتصالات مع عبد الإله الكعكى مالك الشركة لم يغير أى شىء حتى الآن من أحوال 1000 عامل وعاملة بالشركة حيث يوجد ما يقرب من 300 من العمال يعانون من أمراض مزمنة تحتاج لرعاية طبية خاصة، وأحوال العمال تسير من “سيئ إلى أسوأ”. موضحاً أن الإدارة مازالت تتعنت ضد العمال بعد أن أرسلت جوابات فصل للعشرات من بينهم رئيس اللجنة النقابية ونائبه، وأحالت ما يزيد على 200 للتحقيق..
سيناريوهات المستقبل
الخوف من المستقبل تستطيع أن تلمحه بسهولة على وجوه العمال خاصة مع طول أمد المعركة، وهو ما يجب أن تفكر فيه القيادات العمالية بجدية هي وكل أنصارها.وهو الخوف الذي يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى استعداد للخروج وتقديم استقالات مقابل تعويضات .وهو سيناريو ستكون نتائجه كارثية على العمال ، لأنه سيعني تكرار تجربة شركة غزل شبين بالضبط حيث تسلم المستثمر الشركة لكي ينقل ويفصل ويجبر العمال على تقديم استقالات ، فضلا على الخسارة المالية الذي سيتعرض لها العمال في حال موافقتهم على تقديم الاستقالات خاصة بعد تطبيق قانون التأمينات الاجتماعية الجديد..
وفي هذا السياق يقول أشرف الحارتي قيادي بالشركة : سنتحرك خلال الفترة المقبلة على عدة مسارات: الأول قانوني لرفع قضية لفسخ العقد مع المستثمر السعودي، والثاني: خوض الجولة الجديدة من المفاوضات مع المستثمر السعودي، فلن نتعامل مع الإدارة المصرية مرة ثانية، وأخيرا في حال فشل التفاوض مع المستثمر ، فلن يكون أمامنا سوى: اتخاذ خطوات عملية لإدارة الشركة وتسييرها ذاتيا لصالح العمال، ومعنا كتيبة من الحقوقيين والقيادات العمالية التي ستمدنا بالخبرة، وذلك بعد أن نتقدم بمذكرة إلى الجهات المختصة وعلى رأسها وزيرة القوى العاملة.ويوضح الحارتي : الحكومة أيضا في ورطة فالمستثمر مرمغ أنفها في التراب، ويرفض أي حل وسط حتى الآن، مشيرا إلى أن هناك تلميحات من جهات حكومية بالموافقة على خيار التشغيل الذاتي باعتباره ورقة ضغط على المستثمر في ظل تدابير قانونية محددة، سيتم الكشف عنها قريباً.
ويقول إبراهيم حسيب المحامي العمالي:الإدارة الذاتية ستحرك المياه الراكدة،وستضع المبادرة في يد العمال، ومن الزاوية القانونية يمكن الوصول لتدابير عديدة لتقنين وضع العمال،حتى في ظل عدم هروب المستثمر، وسيكون علي العمال التقدم بطلب لوزارة القوى العاملة لكي تنتدب مفوضا لإدارة للشركة، ولتقديم تسهيلات مالية لهم، كما حدث في شركات أخرى في العاشر من رمضان،مشددا على أهمية أن يشكل العمال مجلس إدارة من بينهم يدير الشركة بالفعل، ويسعى لخلق تجربة إدارة جماعية تقدم دليلا على قدرة العمال على إدارة شركاتهم.
وفي الواقع يبدو العمال أمام نارين الأول: نار المستثمر السعودي الذي بات يتحدث صراحة عن رغبته في بيع أرض الشركة، والثانية: نار تسلل الإحباط لنفوس قطاع من عمال الشركة والذي بات يشعر بشكل متزايد إن الإضراب بلا جدوى حتى الآن، هذا فضلا عن إن حلفاء وأنصار العمال من قيادات عمالية وسياسية ليسوا مؤثرين بالدرجة التي تؤثر في سير المعركة خاصة إذا وضعنا في الاعتبار الهجوم الذي تتعرض له الحركة العمالية اليوم مما يحول حاليا على الأقل لرؤية حركة مشتركة بين عمال طنطا للكتان وبين عمال غزل شبين أو العامرية أو المحلة ضد الخصخصة، فالقيادات العمالية في هذه الشركات تحتاج لمن يتضامن معها، وعمالها يحتاجون إلى وقت لكي يتحركوا من جديد .
المؤكد إن انتصار عمال طنطا للكتان سيكون له تأثير معنوي وسياسي كبير،على الحركة العمالية، خاصة في هذه الأيام التي تشهد بداية تحول في طريقة تعامل الدولة مع الاحتجاجات العمالية لتكون أقل استجابة وأكثر تدخلا عبر السماح باضطهاد القيادات العمالية ونقلهم وفصلهم بشكل لم يكن يحدث من قبل ، وعلينا كاشتراكيين أن نعمل، بجد ومسئولية، لمساندة هؤلاء العمال واقتراح الحلول للمشاكل التي تواجههم في معركتهم ضد توحش رأس المال …
ومن ناحية أخرى .. علينا مواصلة العمل الجاد والمثابر من أجل توحيد حركة عمال قطاع الغزل والنسيج على مطالب محددة، وخلق آلية للتنسيق بينهم، وتفعيل أشكال التضامن، كخطوة أولى على طريق تشكيل رابطة لعمال الغزل والنسيج..
وتبقى ..تحية كفاحية نوجهها إلى كل عمال طنطا للكتان المرابطين في شركتهم منذ خمسة شهور ..150 يوما مرت عليهم كالدهر في ظل عدم الأمان والخوف من المستقبل ، وبالرغم من كل ذلك يهتفون يومياً “النهاردة إيه ..أول يوم ..وبكره إيه ..أول يوم “، فهؤلاء العمال بالقطع يستحقون النصر.





