بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

طرد العاملين بخفر السواحل رغم أنف القانون

بعد أن ظل أبناء العاملين بخفر السواحل في الأنفوشي يعيشون في مساكن تابعة لحرس الحدود لعشرات السنين، أصبحوا مهددين بالطرد الجبري من منازلهم رغم صدور الأحكام القضائية التي تؤيد حقهم.

بدأت الحكاية في الإسكندرية بمنطقة الأنفوشي، بتوفير مساكن للعاملين بما كان يسمى «خفر السواحل» (قوات حرس الحدود حاليا)، الذين ظلوا يشغلون هذه المساكن بموجب عقود إيجارية بقرار من مجلس الأمة رقم 834/30 المؤرخ في 5 فبراير 1970. وكان العاملون بخفر السواحل يقطنون هذه المساكن منذ أكثر من 50 عاماً خلفا لآبائهم وأجدادهم. وبهذا القرار، أصبحت العلاقة بين القوات المسلحة وهذه المساكن تقتصر على تحصيل القيمة الإيجارية لشاغلي الوحدات الصغيرة، المكونة من طابق واحد أو طابقين، بها عدد من الوحدات، ولكل وحدة باب مستقل. وبالرغم من أن هذه الوحدات مقامة منذ عقود طويلة، إلا أن شوارعها غير مسماه وعقاراتها غير مرقمة. والأهالي، من جانبهم، قاموا بتركيب عدادات المياه والكهرباء وتوصيل خطوط التليفونات. واستمرت الإقامة بهذه المساكن بعد بلوغ العاملين بخفر السواحل سن التقاعد. وكانت الإقامة تنتقل بعد الوفاة لأولادهم، سواء كانوا من العاملين بالقوات المسلحة أم لا. واستمر هذا الوضع لأكثر من 30 عاماً.

يحكي عبد الرحيم محمد نقل للاشتراكي قصة المنطقة، حيث عمل وسكن والده وجده منذ حراسة أسطول الأميرة فايزة والملك فاروق لحماية حدود البلاد الساحلية، مروراً بالحرب العالمية الثانية، ثم حرب فلسطين عام 1948، وحتى حرب أكتوبر 1973. ويصف المنطقة بأنها «لسان في قلب البحر المتوسط وكانت معسكراً للإنجليز مبنية على أسس عسكرية، تتكون من ثلاثة طوابق للمجندين وطابقين للرتب الأعلى، ويتراوح عدد الشقق من تسع إلى عشر في الدور الواحد. وبمرور الوقت تحولت إلى مساكن خاصة بحرس الحدود وخفر السواحل لقربها من موقع العمل». ويبين عبد الرحيم نقل أن المساكن كانت في البداية تصنف بأنها مساكن وظيفية، من المفترض أن تنتهي علاقة المجند بها بمجرد نقله أو إحالته على المعاش. ولكنهم تقدموا بالتماس إلى مجلس الأمة في عهد جمال عبد الناصر، مطالبين بعدم إخلائهم للمساكن بالانتهاء من الخدمة. «وبالفعل صدق وزير الحربية وقتها على الالتماس، مع سداد القيمة الإيجارية الشهرية المقررة. وبعدها صدر قرار من وزير الدفاع إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة رقم 7/70 بتاريخ 24 ديسمبر 1978، بإنشاء وحدات سكنية ونادٍ للقوات المسلحة، بالمنطقة محل المعسكرات القائمة ونقل الأسر الموجودة بها وهدم المساكن القديمة. وأرسلت صورة إلى قطاع حرس الحدود الشمالي رقم 588 بتاريخ 11 مارس 1981، لبناء 17 وحدة سكنية. وبالفعل تم بناؤها، ولكن مع تغير الوزارات قام المسئول بالتصرف في المساكن لصالحه، وقام بتمكين السماسرة منها. وتسلمنا بالأمر الواقع وبقينا في مساكننا بعد ما قمنا بإرسال خطابات – من حرس الحدود – لإدخال باقي المرافق اللازمة للمساكن. وأصبحنا نسدد القيمة الإيجارية شهريا وندفع الفواتير لقاء الخدمات بإيصالات من المصالح الحكومية «.

واستمر هذا الوضع حتى عام 1999، يقول نقل «حيث فوجئنا بامتناع قوات حرس الحدود عن تحصيل الإيجار، مما اضطرنا إلى إرسالها إلى الوحدة الحسابية بموجب حوالة بريدية رقم 2ج36 حرس حدود المكس» عن الأعوام من 2000 إلى 2004. وفي عام 2005 عند قيامنا بارسال الحوالة من 1 يناير 2005 إلى 31 ديسمبر 2005 إلى نفس الوحدة الحسابية كالمعتاد، ورد الينا خطاب من الوحدة الحسابية يفيد بإعادة الحوالة البريدية عن سنة 2005 بأكملها، وذلك لعدم الاختصاص وأفاد بأن المسئول عن استلام الحوالات البريدية هو فرع الأشغال بقيادة قوات حرس الحدود بالقاهرة. وتساءلنا جميعا أين ذهبت إذاً القيمة الإيجارية منذ عام 2000 إلى 2004؟ وعلمنا أن الحجة كانت أن المساكن آيلة للسقوط رغم معاينة مهندس القوات المسلحة ومحافظ الاسكندرية وخبير وزارة العدل، وجميعهم قرروا أن المساكن سليمة، وتحتاج لبعض الترميمات فقط. وكانت الحجة الأخرى أن المساكن وظيفية بالرغم وجود قرار مجلس الامة المشار إليه. وأصدر حي الجمرك قرارات بالترميم للمنطقة، لكن القوات المسلحة رفضت هذه القرارات وقامت برفع دعوى قضائية تطالب فيها بإزالة المنطقة وتسويتها بالأرض وإلغاء قرارات الترميم. وبالرغم من ذلك استطعنا أن نحصل على تأييد محكمة الاسكندرية الابتدائية الدائرة 16مساكن لصالحنا، حيث قضت برفض طعن وزارة الدفاع وتأييد قرارات الترميم. واستأنفت وزارة الدفاع للمرة الثانية، وللمرة الثانية تصدر محكمة استئناف الاسكندرية دائرة 11 مساكن قرارها النهائي في الدعوى رقم 2184 لسنة 2004 حيث كان منطوق الحكم هو « رفض استئناف وزارة الدفاع» وهو ما يعني وجوب نفاذ الحكم الصادر وإلغاء قرار إخلاء السكان عن المنطقة».

ويستكمل عطا محمد عبد العزيز سرد بقية القصة ويقول إن «القوات المسلحة لم تهتم بقرارات المحكمة الصادرة وقامت بتهديدنا من وقت لآخر تارة بدخولهم المنطقة بالزي العسكري والبلدوزرات والجنود ويلمحون بقرب موعد الإخلاء الجبري مرددين جملة « انتوا مش قد الحكومة ولا الجيش»… واستطاعوا إخلاء حوالي 50 أسرة بالقوة الجبرية وترحيلهم إلى مساكن المكس، المكونة من حجرتين وصالة صغيرة في مساحة 60 مترأ فقط، فضلا عن أن المنطقة مرتع لكل الأوبئة لاحتوائها على المصانع المخالفة لقانون البيئة من شركات بتروكيماويات ودباغة جلود والميناء الفرنساوي وغيرها – مستوطن التحجر الرئوي ومركز 95% من الأمراض، هذا غير أن الأهالي يجب أن تدفع مبلغ 40 ألف جنيه قيمة الوحدة السكنية يسدد على شيكات..وقامت بعدها القوات المسلحة بإرسال خطابات للقاطنين بالمساكن بتاريخ 1 أبريل 2005 تفيد باجراء قرعة على مساكن المكس، وحددت بوم الثلاثاء 19 أبريل 2005، ولكننا رفضنا استلام الخطابات. وفي الموعد قامت القوات المسلحة بعمل القرعة رغم حضور 22 أسرة فقط من إجمالي 315 أسرة، بل وقاموا بمنعنا من عمل أي عمرة بالمنازل، وتم تخصيص مبلغ 250 ألف جنيه من شبكة المجاري لإصلاح 11 بلوعة ولكنها لم تتمكن سوى من إصلاح أربعة فقط لأنه لم يسمح لها بذلك، وأصبح باقي المبلغ متجمداً لدى هيئة الصرف الصحي الآن».

تقول السيدة أم عطا أنها فقدت أعز أقاربها في العديد من الحروب من 67 إلى 73 وهي الآن تترقب اللحاق بهم، وترفض ترك منزلها إلاعند مفارقتها الحياة وتقول: « الجنازة في منطقتنا فره… ورجالتنا ماتت عشان الساحل اللي خدموا فيه».

وتضيف أن الأسر هنا مترابطة «لدرجة ان الغريب عندنا معروف»، والكل يتكاتف في الحزن قبل الفرح، وأن الجندي كان بيموت على البندقية في فترة الحراسة في الشتاء القارص، وأن جميع العاملين بحرس الحدود يعانون من أمراض الخدمة كحالات الربو وفقدان البصر ورطوبة الجسم والتهاب المفاصل.

لجأت الاهالي لكل وسائل الإعلام المرئية والمقروءة لبحث حالتهم وعرضها على الشارع المصري وتحويلها لقضية رأي عام، ولكن باءت كل محاولاتهم، بالفشل ولم تنشر عن مشكلتهم سوى جريدة «الوفد» أما باقي الصحف مثل « الدستور والمصري اليوم والأهرام وبرنامج القاهرة اليوم، فلم يكن لديهم أي استعداد لعرض مشكلتهم لأن هذه المشكلة تتعلق بالقوات المسلحة – المحرم على أي شخص أو جهة الحديث عنها أو الاعتراض على ما تقوم به من أعمال تعسفية.

قدم أهالي المنطقة الكثير والكثير من الالتماسات والطلبات لتنفيذ قرارات المحكمة التي حكمت لصالحهم، ولم تنفذ حتى الآن. وبالرغم من رفعهم دعوى جنحة مباشرة طبقا لنص المادة 123 من قانون العقوبات التي تنص على أن «كل موظف عام يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي يعاقب بالحبس والعزل»، وهي جنحة مباشرة مقامة ضد وزير الدفاع لامتناعه عن تنفيذ الأحكام الصادرة لصالحهم، وبالرغم من حصولهم على قرارات الترميم، وصدور الحكم برفض طعن القوات المسلحة إزالة المنطقة، ورفع أكثر من 100 دعوى قضائية متداولة أمام المحاكم، لازال الحال على ما هو عليه.

وبالرغم أيضا من صدور كتاب وزارة الحربية بعدم إخلاء العاملين المحالين للمعاش من المساكن الأميرية والذي تضمن موافقة رئيس مجلس الوزراء عليه، وكذلك كتاب وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء والمتابعة والرقابة رقم 7144، إلا ان الوزارة الدفاع لازالت مصرة على أن المساكن هي مساكن وظيفية. وبالإضافة إلى ذلك قامت الأمانة العامة لوزارة الدفاع بعمل محضر اجتماع بالمنطقة الشمالية العسكرية بتاريخ 7 مايو 2006، بحضور مندوبي وزارة الدفاع ومندوبي وزارة الداخلية ممثلة في نائب مأمور قسم شرطة الجمرك ونائب رئيس حي الجمرك ومندوب من المخابرات والنيابة العسكرية وحرس الحدود، حيث تقرر الموافقة على إخلاء سكان مساكن السواحل بالأنفوشي من مساكنهم بالقوة الجبرية بالمخالفة لحجية الأحكام القضائية سالفة الذكر والصادرة لصالح الأهالي.

يطالب الأهالي بإلغاء قرار الأمانة العامة أو تنفيذ الأحكام الصادرة لصالحهم وأخصها تنفيذ قرارات الترميم أو إنشاء مساكن بديلة بنفس المنطقة ولو على مساحة 10% من مساحة الأرض، علما بأن القوات المسلحة تمتلك أكثر من عشرة أفدنة بجوار المساكن خالية أو غير مستغلة منذ أكثر من 20 عاماً. وكذلك يطالب الأهالي بضرورة العمل بالمادة 65 من الدستور، التي تنص على خضوع الدولة للقانون واستقلال القضاء وحصانته كضمان أساسي لحماية الحقوق والحريات، وكذلك نص المادة 64 التي تنص على أن «سيادة القانون أساس الحكم في الدولة».