بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اعتصام الكوك يعيد حلوان إلى مشهد النضال العمالي

بدأ اعتصام عمال الكوك مساء يوم السبت 15 مايو ، عندما قرر 500 عامل من عمال الوردية الثالثة المسائية عدم مغادرة المصنع بعد انتهاء فترة العمل، والاعتصام أمام مبنى الإدارة.

وقد تجمع العمال أمام المبنى بدايةً من الساعة السادسة صباحاً بعدما تسلم عمال الوردية الأولى العمل على خطوط الانتاج حتى لا يتوقف. ومع توافد عمال الوردية العادية إلى الشركة وعلمهم بالاعتصام، قرروا الانضمام إليه ليرتفع عدد العمال المعتصمين إلى 1000 عامل هم عمال الوردية المسائية والوردية العادية، مع استمرار الوردية الأولى في العمل حتى يحين ميعاد تسليم العمل إلى الوردية لتنضم إلى الاعتصام. ومع بلوغ الساعة الرابعة عصر يوم الأحد، كان عمال شركة الكوك بالكامل قد دخلوا الاعتصام بعد اكتمال توافد الورادي الأربعة إلى الشركة، ليصبح عدد العمال المعتصمين 2700 عامل.

المطالب:

وقد رفع العمال عريضة مطالبهم إلى رئيس مجلس الإدارة بعد أن تم مناقشتها في قلب الاعتصام لتتضمن مطالب كل فئات العاملين بالشركة. وقد جاءت المطالب على النحو التالي:

* زيادة نسبة حافز الانتاج الشهري 40%.
* تثبيت العمالة المؤقتة التي أمضت سنة في العمل على الكشف الطبي الأول.
* صرف حافز التصدير (تحقيق خطة الانتاج) بواقع 6 دفعات في السنة، 15 يوم كل 72 يوم عمل.
* زيادة بدل الوجبة إلى 150 جنيه أسوة بعمال ألمونيوم نجع حمادي.
* تحرير عقود عمل لعمال اليومية.
* صرف مكافأة نهاية خدمة 120 ألف جنيه أسوة بعمال الصلب.

وقد حاصر العمال مبنى الإدارة ورددوا هتافات ضد رئيس مجلس الإدارة، جمال الدين الشعشاعي، الذي كان متواجداً بالإدارة، مثل "مش عايزينه مش عايزينه.. الشعشاعي مش عايزينه". في حين ردد العمال الشباب هتافات تطالب بحقهم في التثبيت ورفع الحافز، مثل "التعيين.. التعيين" و"الكشف مرة واحدة"، وذلك لأن إدارة الشركة تقوم بإجراء الكشف الطبي على العامل مرة ثانية بعدأن يكون قد مضى سنوات على اجتياز الكشف الطبي في المرة الأولى، فإذا ظهر أنه مصاب بمرض تقوم الإدارة بفصله رغم أن معظم الأمراض التي يُصاب بها العمال تنتج من العمل في المصنع.

وقد ارتفعت حدة الهتافات مع بداية المفاوضات التي تجريها النقابة وممثلي العمال مع الإدارة في حضور أعضاء مجلس الشعب، سعد الدين الجمال عن دائرة الصف، وعلي فتح الباب ومصطفى بكري عن التبين و15 مايو.

وقد هدد العمال بتحويل الاعتصام إلى اضراب وتعطيل الانتاج في حال رفضت الإدارة الاستجابة لمطالبهم. وفي الساعة التاسعة والنصف قبل أن يحين وقت بداية تسلم الوردية الثالثة، خرج أعضاء مجلس الشعب بمنشور وافقت الإدارة فيه على مطالب العمال، وهي:

1. رفع نسبة حافز الانتاج الشهري 20%.
2. عودة حافز التصدير بواقع 15 يوم كل 72 يوم عمل.
3. تثبيت العمالة المؤقتة التي أمضت سنة في العمل.
4. تحرير عقود عمل لعمال اليومية.
5. زيادة الوجبة الجافة على النحة التالي:

– إضافة 1/2 كيلو سمنة لتصبح 2 كيلو.

– إضافة 3 كيلو سكر لتصبح 6 كيلو.

– إضافة 3 كيلو أرز لتصبح 7 كيلو.

قابل العمال المعتصمون المنشور بالهتاف والتهليل فرحاً بانتصارهم وتحقيق مطالبهم، خاصةً عمال العقود المؤقتة أصحاب المبادرة في الاعتصام.

الانتصار السريع:

إن الانتصار السريع الذي حققه عمال الكوك يعيد الاعتبار للطبقة العاملة المصرية ونضالاتها، وقد أثبت أن الطبقة العاملة التي تدير وسائل الانتاج تستطيع فعل الكثير. ولا شك أن اعتصام الكوك قد استفاد بشكل مباشر من اتساع الحركة الاحتجاجية المتصاعدة، ومن الظرف السياسي الذي تمر به عملية التغيير في الوقت الراهن. ولكن أهمية الاعتصام تكمن في فتح الباب لدخول قطاعات من عمال صناعات استراتيجية على طريق الاحتجاج، وهي قطاعات لا تستطيع الدولة تحمل اضراباتها ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتجاهلها.

وعلى مستوى منطقة حلوان -قلعة الصناعة الثقيلة- يمثل الاعتصام أهمية خاصة واستثنائية؛ حيث لم تشهد القطاعات العمالية بها اضرابات مهمة منذ اعتصام 1989 في الحديد والصلب. والآن يعود عمال حلوان للنضال بعد التراجع لفترة طويلة.

وإذا كان 700 عامل قد اعتصموا مطالبين بحقهم في التثبيت، فإن هناك 300 عامل يعانون نفس المشكلة في الحديد والصلب، بالإضافة لعمال الشركات الأخرى (مثل المطروقات المصرية والمعادن وشركة سيماف لتصنيع معدات القطارات، وغيرها…).

الكوك والصلب:

لقد حافظ العمال أثناء الاعتصام على استمرار العمل بالمصنع، بل وقد عملوا على زيادة الانتاج ليثبتوا أولاً أنهم أصحاب حقوق ورغم ذلك لم يعطلوا الانتاج ولم يتسببوا في خسائر كبيرة، لأنهم كما قالوا "أصحاب المصنع ومش ممكن يخربوه". إلا أن توقيف المصنع كان متاحاً في أي لحظة في الاعتصام إذا لم تبدي الإدارة مرونة تجاه مطالب العمال، وأن الاضراب التام كان خطوة تصعيدية قادمة في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.

أما السبب الآخر لاختيار العمال تكتيك الاعتصام وليس الاضراب، هو اعتماد الحديد والصلب بشكل أساسي على فحم الكوك في صهر الحديد بالأفران العالية، حيث يتم نقل فحم الكوك أولاً بأول وبشكل مباشر على السيور وعلى عربات القطارات إلى شركة الحديد والصلب. وبالتالي كان أي توقف عن العمل قد يترتب عليه تعطل الانتاج في الحديد والصلب، وقد رأى العمال أن توقف الانتاج بالمصنعين سوف يتسبب في خسائر فادحة قد تضر بوقعهم في الاعتصام. هذا بالإضافة إلى حساسية الدولة تجاه الحديد والصلب، والذي كان يمثل الهاجس الأساسي للأمن والإدارة أثناء اعتصام مصنع الكوك خوفاً من انتقال العدوى إليه، وعندها سوف تكون الأمور أكثر صعوبة إذا انضم هذا الصرح العملاق، الذي يضم 13 ألف عامل، إلى الاضراب.

إن الارتباط الوثيق بين الصناعتين، صناعة الصلب وصناعة الكوك، هو ما خلق هذا الارتباط بين مصالح واحتجاجات العمال في كلٍ من المصنعين، فالجدير بالذكر أن آخر اعتصام لعمال الكوك كان اعتصاماً تضامنياً عام 1989 مع اعتصام الحديد والصلب، الذي ترك آثاره في نفوس العمال على كلا الجانبين، ولم يشهد الكوك والصلب أية احتجاجات تُذكر من بعدها. إلا أن أموراً كثيرة قد تغيرت، وقد حدث تحولاً هاماً في طبيعة ونوع العمالة في قلعتي الصناعة في حلوان –الكوك والصلب.

الشباب يعود لمصانع حلون:

التحول المقصود هو دخول أجيال جديدة شابة إلى هذه القلاع… أجيال لم تشهد النهايو الدموية لاعتصام 89، وبالتالي هي غير متأثرة بتلك الخبرة السلبية، والاضراب والاعتصام بالنسبة لها لا يسترجع ذكريات إطلاق الرصاص مثلما يذكر العمال القدامى. فبعد خروج أعدا كبيرة من العمال على المعاش المبكر، تم تشغيل عمال جدد من الشباب بعقود مؤقتة ينالوها بعد فترة عذاب أثناء العمل باليومية، ويبلغ عدد العاملين بعقود عمل مؤقتة الذين تجاوزوا ثلاث سنوات في العمل، نحو 700 عامل. في حين أن هناك 700 آخرين يتم تشغيلهم باليومية عن طريق المعاول.

وتتراوح أجور العمال المؤقتين بين 450 و550 جنيه شامل في الشهر، بينما يحصل عمال اليومية على أجر يومي من 11 : 16 جنيه يومية ودون الخضوع لأي قواعد في علاقات العمل من أي نوع، ولا تأمينات اجتماعية، ولا تأمين صحي، ومعظمهم قد أنهى العمل على هذا النحو لأكثر من ثلاث سنوات ولم يحرر لهم عقود عمل. أما إذا أصيب أحدهم بإصابة بدنية أو مرض، لا تتكفل االشركة بعلاجه مما قد يترتب عليه عجزه الكامل عن العمل.

إن هذا التحول الكبير في طبيعة العمالة سواء في الكوك أو الصلب يبشر بإمكانيات كبيرة كي يتصدر عمال حلوان المشهد النضالي للحركة العمالية المصرية المتصاعدة. وإن انتصار عمال الكوك في تحقيق مطالبهم، خاصةً مطالب العمالة الشابة، في ظل الارتباط الوثيق بين الصناعتين والمصنعين، يفتح الباب أمام نضالات أخرى قد شهدها الصلب، بعد أن حملت سيور فحم الكوك رسائل الانتصار معها إلى عمال الصلب.

مصنع الكوك 1964:

يقع مصنع الكوك للكيماويات الأساسية بحلوان بجوار مصنع الحديد والصلب، في تداخل بين خطوط الانتاج بين المصنعين. ويُعتبر مصنع الكوك من أهم وأقدم مصانع الكيماويات في مصر؛ حيث ينتج المصنع أكثر من 119 نوع من المواد الكيماوية الأساسية، منها: فحم الكوك، القطران، الميتازول، الصودا، الأمونيا، البلتيس، النشادر، الصابون، السماد،… إلخ.

وتحقق الشركة ملايين الجنيهات شهرياً، نظراً لأهمية منتجات الشركة. في حين لا ينعكس ذلك أبداً على أجور العمال المتدنية للغاية، أو على ظروف عملهم الصعبة في غياب مهمات الأمن الصناعي واشتراطات السلامة والصحة، وعدم وجود تأمين صحي لائق.

وفي الفترة الأخيرة قامت الشركة القابضة ورؤساء مجلس إدارة سابقين، بفصل قطاع صنااعة السماد عن الشركة وتحويله إلى شركة قطاع خاص استثمارية، هي شركة سماد حلوان التي تم إقامتها على أراضي الكوك، واستولت على مصنع السماد مقابل 10% من المبيعات للكوك. وبعد أن كان مصنع الكوك ملكاً لقطاع السماد، أصبح مالكاً لـ 10% فقط من انتاجه والباقي للشركة الاستثمارية التي تم إقامتها على أراضيه، ويديرها رؤساء مجلس إدارة سابقين للكوك.

الإدارة والأرباح:

في الوقت الذي لا يحصل العمال،الذين يديرون المصنع بشكل فعلي، على ما يسد رمق العيش أو بكفل حياة كريمة، نجد أن السيد رئيس مجلس الإدارة يحصل على 5% من إجمالي الوديعة المجنّبة، التي بلغت ككل مليار و120 مليون جنيه، كما يحصل على نسبة 2% من منتجات الشركة، حيث يحصل على 2% على الفحم الخام الداخل و2% على الكوك الخارج، وهكذا.

البطاريات:

وفي المصنع الذي يضم 4 بطاريات، يعمل عمال البطاريات في ظروف عمل غاية في السوء لا تتوافر فيها أدنى اشتراطات السلامة والصحة المهنية، حيث يقوم العمال بشحن الأفران بالفحم يدوياً، ويكون على عمال الوردية العاملين على خط انتاج البطارية الثالثة والرابعة بشحن 35 فرن في كل بطارية وشحن 10 أفران في كل بطارية من البطاريات الأولى والثانية، ويقوم العامل بفتح أبواب الأفران يدوياً وسط تصاعد النيران من كا مكان حيث تمر عربة الشحن التي تسير على القضبان الحديدية فوق سطح الفرن يقودها عامل ويعاونه اثنين من العمال يسيران بجانبها على سطح الأفران، والتي قرر العمال أن درجة الحرارة في بطن الفرن تصل إلى أكثر من 1000 درجة مئوية، وعندما تستقر عربة الشحن فوق فتحات أبواب الأفران، يقوم العامل بفتح هذه الأبواب يدوياً حتى يتم إفراغ الفحم الخام داخل الأفران، ليتم "تكويكه"، وذلك وسط تصاعد كثيف لأتربة الفحم لتغطي المكان بأكمله حتى لا يستطيع العامل الرؤية لأبعد من مترين وهو معرّض لسخونة الأفران وسخونة السطح. بينما يرتدي العامل "قبقاب" جزمة نعلها من الخشب السميك لحماية قدميه ن النيران الشديدة التي يسير عليها، وأفارول لا يقلوم الحرارة الشديدة وسريع الاشتعال، ولا تتوافر نظارات لحماية العين من الحرارة والأتربة الكثيفة. ناهيك عن الدخان والغازات المتصاعدة من الأفران، والتي يستنشقها العامل في كل لحظة مما يعرضه لأخطر الأمراض المزمنة والمنتشرة بالفعل بين عمال المصنع، في الوقت الذي ترفض فيه الإدراة علاج المرضى منه.