بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عودة السياسة انطلاقاً من المحلة!

يعتبر الإضرابان العظيمان اللذان نظمهما عمال غزل المحلة في ديسمبر 2006 وسبتمبر 2007 هما النضالان الأكثر بروزا في موجة صعود النضالات الاجتماعية والاقتصادية خلال العام الأخير. وقد وضع هذان الإضرابان عمال المحلة، وعمال الغزل والنسيج، والطبقة العاملة الصناعية عموما، في موقع قيادة الحركة الاحتجاجية في مصر، وألقيا على عاتق هذه الطبقة بشكل غير مباشر عبء دفع الحركة السياسية إلى مستوى آخر، أعلى نوعيا، من التأثير والفعالية.

أسعى في هذا المقال إلى ربط هذين الإضرابين بالسياق الأوسع للصراع الطبقي في مصر، وأحاول أن أستخلص على هذا الأساس بعض المهام العملية الضرورية للتفاعل مع صعود الحركة المطلبية.

2005: صعود السياسة

إذا حاولنا تلخيص ما حدث في مصر في السنوات الثلاثة الأخيرة يمكننا أن نقول إن بلدنا مرت خلال عام 2005 بـ”لحظة سياسية” خاطفة ومركزة، تطورت في 2007، من خلال عملية معقدة ومتناقضة، ولأسباب كثيرة يمكن فهمها، إلى “لحظة اجتماعية” ممتدة ومتوسعة.

ففي 2005 كان المشهد الرئيسي في ساحة الصراع الطبقي هو “التكثيف السياسي الهائل” الذي انعكس في صعود حركة التغيير الديمقراطي في صورة حركة كفاية وحزب الغد والإخوان المسلمين. وقد ظهرت آثار تلك الحركة سواء في ازدياد وتيرة مظاهرات الشوارع والأحياء، أو في تطورات المنافسة ونتائجها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وبدون الدخول في تفاصيل، فإن الذي حدث هو أن حركة المعارضة السياسية المطالبة بتغيير النظام السياسي، تلك الحركة التي التفت حولها قطاعات من الطلاب وأبناء الشرائح الحديثة من الطبقة الوسطى، لم تنجح في الخروج من شرنقتها الطبقية-السياسية والتحول إلى حركة شعبية جماهيرية أوسع.

وبحلول عام 2006 بدأت الحركة في الانحسار. وظهر واضحا خلال هذا العام كيف أن كل من الطبقات الشعبية الأوسع (العمال والفلاحون الفقراء وفئات البرجوازية الصغيرة والعاطلون) من ناحية، وطبقة رجال الأعمال الجدد من ناحية أخرى، كل منهما لأسباب مختلفة كثيرا، لم يلتفا حول حركة التغيير الديمقراطي.

فلا الجماهير الشعبية تلقفت مطلب “لا للتوريث.. لا للتمديد” وسارت وراء كفاية أو أي من القوتين الأخرتين، ولا الرأسماليون اقتنعوا بأن كفاية أو أيمن نور أو الإخوان المسلمون هم بدائل قادرة على التعبئة والحشد والانتصار على النظام.

على العكس، الذي حدث هو أن الحركة ظلت سجينة الفئة الطبقية التي انطلقت منها – قطاعات من الطبقة الوسطى – وهو ما أدى إلى سهولة حصارها ثم إلى انحسارها. فالطبقتين الرئيسيتين ذوي الثقل في المجتمع لم تتم تعبئتهما، طبعا لأسباب متناقضة تماما، في معركة تغيير نظام مبارك وإسقاطه.

2006: أزمة السياسة

لماذا لم تتطور حركة التغيير الديمقراطي إلى حركة شعبية واسعة؟ هذا سؤال هام، بالذات لأن البعض يعتقد أن له إجابة بديهية هي أنه لم يكن ممكنا أبدا أن تتطور حركة تخرج من هذه الفئات السياسية والطبقية إلى حركة جماهيرية!

هذه إجابة خاطئة، بل وأيضا خطيرة، ليس فقط لأنها غير قادرة على فهم كيف تتطور الحركات السياسية وتنمو، بل أيضا لأنها تقلل من قدرة الحركات ذات المنشأ البرجوازي أو البرجوازي الصغير على التأثير الشعبي، أي تزرع الوهم حول عدم قدرة حركات من هذا النوع على السيطرة على الجماهير وقيادتها.

الحقيقة أن المجتمعات المأزومة، أو التي تفقد أدوات السيطرة السياسية والطبقية السائدة فيها صلاحيتها جزئيا أو كليا، تصبح شبيهة ببرميل البارود الذي يحتاج لأصغر شرارة حتى ينفجر. في هذه المجتمعات ليس ضروريا أبدا أن يبدأ الانفجار بحركات شعبية (عمالية أو فلاحية) من أسفل، بل ربما يبدأ بحركة طلابية (وهذا نموذج متكرر كثيرا)، أو بحركة لفئة مضطهدة ومهمشة في المجتمع (مثلا السكان الأصليين في المكسيك)، أو ربما بحركة سياسية من أوساط الطبقة الوسطى والنخب السياسية القديمة (تماما ككفاية وغيرها من جبهات التغيير).

هذه الحركات هذه الاندفاعات من جانب الطلبة أو الطبقة الوسطى تكون لها في مثل تلك الظروف قيمة أكبر من قيمتها المطلبية أو من حدودها الاجتماعية. لماذا؟ لأنها يمكن أن تلعب إذا توفرت شروط معينة دور نقطة الارتكاز لتكثيف وبلورة الغضب والمرارات المتراكمين على مر السنين.

حركة التغيير الديمقراطي، وقبلها حركتي التضامن مع الانتفاضة ومناهضة الحرب ضد العراق، ينطبق عليها، مع بعض التعديلات، هذا التحليل. فلقد لعبت، لوهلة، دور نقطة الجذب والمركز المحتمل لتجميع وتعميم المرارات الطبقية والسياسية المتراكمة. ومن هنا فقد كان الانخراط فيها، والتركيز عليها من منظور دفعها لتجاوز حدودها الطبقية والسياسية، موقفا صحيحا من جانب القوى السياسية الجذرية التي تبنت هذا الموقف.

لكن ما حدث كان أن الحركة لم تف بوعودها ولم تحقق هذا الاحتمال. والأسباب كثيرة، بعضها ذاتي وبعضها موضوعي، ويمكن تلخيصها في ثلاثة مسائل جوهرية: انقسام الحركة بين جناح شبه علماني (كفاية) وجناح إسلامي (الإخوان المسلمون) والتنازع الذي خلقه هذا الانقسام؛ غلبة التردد على القيادات السياسية للحركة وعدم قدرتهم على إطلاق عملية التعبئة الجماهيرية؛ تماسك الطبقة الحاكمة والرأسماليين الجدد وراء نظام مبارك بسبب التغير المفاجئ في موقف الإمبريالية الأمريكية، وطبعا بسبب ضعف البدائل المطروحة.

من هنا بدأ الانحدار السريع للحركة الذي تزامن، بالطبيعة، مع دورة هجوم جديدة للنظام الذي كان رجال لجنة السياسات قد سيطروا على المواقع الرئيسية فيه. من هنا أيضا بدأت “اللحظة السياسية” في التأزم، وبدأ الشك يتزايد فيمن كانوا قد طرحوا أن المعركة هي بالضرورة فقط، ولا يصح أن تكون إلا، معركة سياسية ضد النظام ورأسه، وأن أي رجوع إلى المطالب الجزئية هو ارتداد للوراء غير مقبول.

2007: صعود الحركة الاجتماعية

ولكن إذا كانت اندفاعة النخبة السياسية والطبقى الوسطى في 2005 لم تنجح في أن تتحول إلى حركة شعبية، فإنها – ودون قصد – ساهمت في تأجيج الحركة المطلبية وتطويرها نوعيا. طبعا من التدليس القول أن الحركة المطلبية ولدت بفضل كفاية أو حركة التغيير، فهذا ينافي الحقائق المعلومة. لكن من الممكن القول إن الحركة انتقلت إلى مستوى أعلى بفضل الثغرات التي فتحتها حركة التغيير في جدار السلطة الديكتاتورية والشروخ التي أحدثتها في هيبتها وجبروتها.

أعوام النضالات الوطنية والسياسية والديمقراطية، خاصة عام التغيير، كانت لها مساهمة واضحة في تفكيك آليات الهيمنة التي كانت قد استقرت خلال عقود والتي منعت الحركة الجماهيرية المطلبية من الصعود ومن إحداث تأثير واسع كما كان الحال في السبعينات. والعلاقة الجدلية بين النضال المطلبي-الاقتصادي والنضال السياسي تنمو أمام أعيننا: كل نضال في جانب يغذي النضالات في الجانب الآخر؛ كل انتصار في ساحة يفتح أبوابا غير مباشرة للانتصار في الساحة الأخرى.

هنا بالضبط يأتي دور إضرابات المحلة. قيمة إضرابات المحلة تنبع من تجاوز تأثيرها لأسوار المصنع الذي انطلقت منه. إضرابات المحلة ليست الوحيدة، وليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، بين النضالات الاجتماعية التي تملأ مصانع ومزارع وقرى وأحياء مصر. لكنها لعبت، وتلعب، دور الطليعة، أي دور النضال/المثل الذي يصنع حركة أوسع منه، أو ينتقل بحركة موجودة إلى مستوى كفاحي أعلى.

فقد كان إضراب المحلة الأول هو نقطة البداية في موجة إضرابات في قطاع الغزل والنسيج وقطاعات صناعية أخرى. وقد أدى انتصاره إلى طفرة هائلة في عدد الاحتجاجات العمالية (حسب مركز الأرض: ما يقترب من 400 احتجاج في النصف الأول من عام 2007 مقارنة بـ200 إضراب طوال العام السابق)، وإلى نقلة نوعية في التأثير القومي والسياسي للحركة العمالية (درجة التفاف النخب السياسية والنشطاء حول الحركة العمالية غير مسبوقة منذ عشرين عاما تقريبا).

أما إضراب المحلة الثاني في سبتمبر الماضي فهو سيؤدي إلى نقلة أخرى في هذه العملية في الأغلب، أي أنه محطة إضافية ستسهم في وضع النضال الاجتماعي – بالذات العمالي – في قلب المشهد السياسي المصري، خاصة أنه يأتي بعد عام حفل بانفجار كرنفالي في النضالات الاجتماعية من كل حدب وصوب.

المستقبل: سياسة جديدة؟

من آثار صعود النضال الاجتماعي – في مراحله الأولى – تغييب السياسة وإضعافها. فالنضالات المطلبية تميل إلى المحلية، أي إلى الارتباط بالفئة والموقع اللذين تندلع فيهما. عمال المحلة يطلبون مطالب تخصهم هم؛ ربما ستمس عمال النسيج، وربما ستؤثر على العمال الصناعيين عموما، لكنها ليست مطالب مرتبطة مباشرة بحياة الشعب المصري بأسره. هكذا الحال بالنسبة لمنتجي وعمال الدواجن، أو القرى العطشى، أو سكان المناطق المعرضة للإزالة.

محلية النضالات المطلبية والتصاقها بمن يطرحونها تؤدي إلى تفتيت الحركة بين عشرات المطالب لعشرات الفئات. هذا أحيانا يحبط “الساسة المحترفين” الباحثين عن معركة كبرى فاصلة ونهائية! وربما تدفع الحماقة بهؤلاء الساسة إلى الإصرار على خوض المعركة الفاصلة وحدهم بعيدا عن المعارك “الجزئية” للجماهير “المغيّبة” التي لا تعلم أن “أس الفساد هو النظام السياسي”.

لكن هذا المنهج خطأ وأكبر خطأ. الحقيقة أن تفتت المعركة – بهذا المعنى وفي هذا السياق – هو خطوة للأمام في عملية جدلية شديدة الأهمية تجري أمام أعيننا ويمكننا أن نسهم فيها بقدر. ما نراه اليوم هو أن الجماهير العريضة بدأت تتحرك وتنفض عن نفسها غبار نوم طال لسنوات. وهذا أكبر مكسب حققته أوضاع التجذير والحراك السياسي التي بدأت في مصر قبل سبع سنوات تقريبا. هو أكبر مكسب لأن “الردة على السياسة”، وهي غالبا مؤقتة كما سنتحدث حالا، حدثت لصالح إعادة اكتشاف العنصر الجوهري في أي معادلة للتغيير – نعني الطبقات الكادحة والشعبية – لقوته وقدرته على الكفاح الجماعي ضد الظلم والاستغلال والتهميش.

الاحتفاء بهذا التطور واجب على كل مناضل تعلّم شيئا من تجربة 2005 وفهم سبب انحسارها. لكن من ناحية أخرى عدم إدراك حقيقة أن هذا التطور هو لحظة ومرحلة يمكن الانطلاق منها إلى عملية تسييس جديدة ممكنة خطأ كبير. فهناك للأسف من بين النشطاء من كفروا بالسياسة، بعد الإحباط الذي عاشوه بعد آمال 2005 العريضة، وبدأوا يميلون إلى تأليه الحركة المطلبية كغاية نهائية، كما لو أن التسييس في حد ذاته خطيئة!

المطلوب هو عودة السياسة مرة أخرى، ولكن على أسس جديدة وبمعانى مختلفة. لماذا نريد عودة السياسي؟ لماذا لا نقول “تحيا النضالات المطلبية” إلى الأبد؟ السبب هو أنه رغم أن النضالات المطلبية شيء رائع – شيء رائع حقا أن تبدأ الجماهير في التحرك الجماعي المنظم من أجل مطالبها القطاعية والجزئية – لكن الأروع أن تتطور “المطالب القطاعية” إلى “مطالب طبقية”، أي أن تترابط المطالب القطاعية وتتوحد؛ أن تتحول النهيرات المتكاثرة إلى نهر واحد يكون قادرا – بقوته ووعيه الطبقي الشامل – على مواجهة جذور المشكلة التي نعاني منها، وليس فقط آثارها ومظاهرها الجزئية هنا وهناك.

ثم أن الاتجاه ناحية استعادة السياسة انطلاقا من النضالات الاجتماعية هي عملية لها دوافع موضوعية أكبر من رغباتنا الشخصية. فأولا النضالات الاجتماعية لا تدور في فراغ، بل في مجتمع يحتدم فيه الصراع السياسي والتناحر الطبقي. غضب المعارضة، وأزمة نقل السلطة بالتوريث، وتآكل القاعدة الاجتماعية للنظام، وصعود حركات الأقليات والمضطهدين، والصراعات الإقليمية، والدور المصري المخزي فيها، كل هذه عوامل كانت قد فتحت الباب في البداية لتصاعد النضالات الاجتماعية، وستلعب أدورا في ربطها بالسياسة الأوسع وصراعاتها.

لكن ربما يكون العنصر الأهم الذي يعزز الميل إلى عودة السياسة على أساس تصاعد النضالات الاجتماعية هو التطورات الداخلية لتلك النضالات نفسها. ففي غمار ممارستها للإضراب والاعتصام والتظاهر تكتشف الجماهير قوتها وتأثيرها في مجرى الأحداث، وتدفعها احتياجاتها النضالية إلى البحث عن وسائل لتوحيد نضالها وتنظيم حركتها (مثلا عمال الأسمنت في أكثر من شركة قاموا بتأسيس رابطة موحدة لمواجهة الإدارة الأجنبية الواحدة المالكة لشركاتهم)، ثم أنها تدخل في مواجهات مع الدولة الديكتاتورية وجهاز أمنها وبيروقراطييها تظهر من خلالها الخلفيات السياسية للمعارك المطلبية. كل هذه الآثار المتداخلة لممارسة النضال الجماعي تدفع في اتجاه تسييس الحركة، أي في اتجاه تجاوزها للمطالب الفئوية الضيقة والانتقال إلى مطالب أعلى ووعي أشمل.

إذن فهناك ما يدفع النضالات الاجتماعية إلى التسيس. الأسئلة الجوهرية هنا هي: إلى أي مدى ستتحرك تلك النضالات في هذا الاتجاه؟ وأي عوامل وضغوط مضادة ستعرقل هذه العملية وربما ستفشلها؟ وأي سياسة ستسيطر على الحركة العمالية والجماهيرية بقطاعاتها المختلفة؟ الإجابة على تلك الأسئلة لا ترتبط فقط بالتطورات الداخلية للنضالات المطلبية – ذلك أن السياسة لا تنبع مباشرة بشكل بسيط من النضال اليومي – بل بعوامل أشمل مثل حالة القوى السياسية وتوازن القوى بينها، والتطورات الأوسع في الصراع الطبقي والسياسي. إذ ستتنافس، كما سنرى جميعا في الأغلب، قوى إصلاحية ووسطية وجذرية متنوعة من أجل كسب مواقع وتأمين نفوذ شعبي وإحداث تأثير على الحركة الصاعدة. وسيتم حسم هذا التنافس – إن حدث وتطورت الأوضاع في هذا الاتجاه – في إطار عملية صراع سياسي مركبة المفترض أن نشارك فيها جميعا.

في هذا السياق لا شك أن واجب القوى الجذرية، الاشتراكية منها بالذات، هو أن تسهم بقدر المستطاع في بلورة تيار سياسي جذري مزروع في قلب الحركة الاجتماعية الصاعدة؛ تيار يعيد طرح الأولويات ويبدأ من الحركة ليصل إلى برنامج الحد الأقصى وليس العكس؛ تيار يدفع في اتجاه التنظيم والوحدة ويطرح الشعارات الجذرية النابعة من إمكانيات الحركة في منعطفاتها المختلفة؛ تيار يسعى مع نضجه وتطوره إلى قيادة الحركة بعيدا عن الوسطية والتردد والإصلاحية.

وإذا كان هناك سؤال يستحق الإجابة عنه في الأيام القادمة، فهو كيف وبأي شروط وبأي درجة يمكن ربط وتنظيم وتسييس الحركة الاجتماعية الصاعدة؟ كيف يمكن خلق قيادة جذرية تدفعها إلى الأمام؟ وأي جبهات يمكننا المساهمة في إنشائها للقيام بهذه الأدوار؟ وفي أي توقيتات؟ وكيف نتعلم من تجارب البلدان الأخرى ومن تجاربنا السابقة في هذا السياق؟

عودة السياسي هذه المرة، إن حدثت، ستكون جد مختلفة. ما نحتاجه – نحن المناضلون الجذريون من أجل التحرر الاجتماعي والسياسي – هو أن نكون جزءا من العملية الجارية وطرفا فيها، وليس مجرد متفرجين لا حول لهم ولا دور.