بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

عباس حليم:

وجه في تاريخ الحركة النقابية

وهو نبيل، ينتمي إلى فرع من الأمراء الساخطين على القصر، وعلى حكومة صدقي، وقد بدأ حليم في النشاط بين العمال منذ 1928، وفي نهاية 1930 تم تنصيبه رئيسا للاتحاد، لكنه لم يخرج عن الرؤية الإصلاحية السابقة. حاول حليم بناء “الاتحاد العام لنقابات عمال القطر المصري”، وصياغة “قانون” اقتصادي وتنظيمي وثقافي، وهذا القانون، أو اللائحة، لا تنم عن إدراك حقيقي لمشكلات العمال، وقد سعى هذا الاتحاد إلى إنشاء فروع إقليمية، بلغت 54 فرع ونقابة، حتى وجه إليه صدقي ضربة. واكتفى حليم باللجوء إلى القضاء وبعض المؤسسات الدولية،ومن هنا جاءته فكرة تأسيس حزب للعمال، إلا أنه تخلى عنها بسهولة باتفاق بينه وبين الوفد.  

لم تتوقف الحركة المطلبية العمالية، فوقع إضراب عنابر السكة ببولاق والورش الأميرية، الذي أسفر عن سقوط قتلى وفصل اربعمائة عامل. وفي قطاعات أخرى على الإضراب، مينا البصل وترام الإسكندرية وفوسفات القصير، والفحم والنحاس، وثونيكروفت للنقل العام، وهو الإضراب الدموي، الذي عاد حليم عن طريقه للنور، وقامت “الأهرام”بدور مشبوه لصالح الشركة، كما كانت الشرطة تتلقى أوامرها من مدير الشركة مباشرة. وصل حجم البطالة، حسب اللجنة الرسمية لحكومة صدقي 1931-1932 إلى 24 ألف عامل، وقد أوصت هذه اللجنة بتخفيض أيام العمل، والتوسع في أعمال البلديات، لكن هذه التوصيات، رغم عبثيتها، لم تُنفذ.

وقد تراخت قبضة صدقي في نهاية عهده، وقد تخلى القصر والإنجليز عنه، وظهرت الحاجة لحكومة ائتلافية، تصلح للتفاوض، وقد خلفه نائبه في حزب الشعب عبدالفتاح يحيى، الذي اتبع سياسة أستاذه بحذافيرها، وتم التعامل مع الاضرابات عن طريق الشرطة، التي كانت أحيانا تقوم بالتفاوض والفصل بين العمال وأصحاب الأعمال.حاولت حكومة عبدالفتاح يحيى، تلميذ صدقي وخليفته، تكوين “جمعية تضامن هيئات ونقابات العمال”، في الأسكندرية، ككيان مقابل للاتحاد العام، لكن المحاولة فشلت.  

أدت ملاحقة الشرطة لنشاط حليم، واعتقال الموالين له، ثم اعتقاله شخصيا، إلى ارتفاع مكانة “الاتحاد العام”، وقد أصدر حليم كتيبا بعنوان”العمال المصريين في العشرين سنة الماضية”، وفي نواح كثيرة منه ينم عن سطحية وارتجالية في رؤيته للقضايا العمالية. وبعد سقوط حكومة عبدالفتاح يحيى، أعاد حليم صياغة أفكاره بشكل أكثر واقعية، ولكنها لم تجد استجابة لدى الحكومة، وقد دأب حليم على إصدار بيانات في القضايا المعاصرة، وأعاد النشاط “الاتحاد العام”، الذي لاقى ترحيبا من العمال. 

دفع الوفد بعزيز ميرهم إلى ساحة الحركة العمالية، وكان ميرهم حريصا على الحفاظ على علاقة متوازنة مع حليم، لكن ذلك لم يرض الوفديين، فتحول الخلاف حول تقسيم العضويات إلى صراع عنيف ومصادمات ومحاولات الاستيلاء بالقوة على المقرات. وقد أعلنت معظم النقابات سحب ثقتهم من حليم وتأييدهم للوفد. 

تراجعت الحركة العمالية، لكنها عادت في المعركة ضد عقد العمل الفردي، الذي يلغي الحق في مكافأة نهاية الخدمة. وقد كان ذلك حافزا للعمال والاتحاد العام، للعودة للنشاط ضد هذا القانون، الذي برره جريفز بأن ظروف أصحاب الأعمال تحول دون دفع مكافأة نهاية الخدمة.  

طرح حليم فكرة ترشيح خمسة نواب عماليين غير حزبيين، بالتعاون مع الجبهة الوطنية، وعندما أسفرت الانتخابات عن تشكيل النحاس لحكومة وفدية، أصبح الوفد عاجزا عن تنفيذ وعوده للعمال، وهو ماكشفت عنه التحركات العمالية في عدد من الصناعات والمرافق. في نهاية الثلاثينيات، أراد حليم أن يعود للساحة مرة أخرى، لكنه لم يكن مستعدا للإنفاق كما مضى، كما أن نزعة استقلالية سرت بين صفوف الطبقة العاملة، التي لم تكن قيادتها الشابة أسيرة الانقياد الأعمى وراء الوفد، وتم تشكيل “الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية” فانهارت بقايا الاتحاد الموالي للوفد.

وكانت المهام المطروحة أمام الاتحاد العام هي إعادة توحيد الصف النقابي وخوض معركة من أجل تشريع عمالي، علاوة على التفاعل مع الحركة المطلبية، التي كلت باسلوب الاستجداء والالتماسات، وقام عدد من أعضاءها من العمال بإضراب عن الطعام، مطالبين بإصدار تشريع عمالي خلال خمسة عشر يومًا، وقد بدأت في يومه الثالث حملة لجمع التبرعات لصالح أسر المضربين، بينما ارسل صالح العشماوي رسالة باسم الإخوان ينصح العمال بالعدول عن الإضراب.

في الثلاثينات، كانت هناك اتصالات بين النقابات المصرية والاتحاد الدولي للعمال، إذ كان هناك قناعة أن الحركة النقابية الأوروبية، خاصة البريطانية، قادرة على التأثير في مجرى الأحداث في مصر. تتفق الأحزاب القديمة، الوفد والأحرار والاتحاد والوطني، في ان لوائحها تنص على عنايتها بالشأن العمالي، كما أنها، عدا الاتحاد، قامت بمحاولة لتشكيل اتحادات عمالية موالية. لكن علاقتها بالعمال كانت تتسم بالفوقية.

أما عن الأحزاب الجديدة، فقد سار حزبي “الشعب” و”العمال” على نهج الأحزاب القديمة، بينما خلت برامج كل من “مصر الفتاة” و”جماعة الإخوان المسليمين” من أي ذكر للعمال، وأثبتت المواقف نفورهما من العمل النقابي، حيث تتبنى فكر شمولي يرفض التحليل الطبقي. أما اليسار، قبل الأربعينيات، فقد أدت الظروف التي تعرض لها إلى تشتته وعجزه، بينما تحولت بعض الشخصيات اليسارية، غير المنظمة إلى أنشطة أهلية.