بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ورد البرلس وجناين مصر

يحكي رجال وشباب البرلس عن اعتصامهم من أجل مياه الشرب، والذي نظموه في شهر يوليو الماضي… استمع يا صديقي معي لروعة حديثهم:

«لقد حشدنا الناس بالآلاف في المكان الذي قررناه ساحة للاعتصام. كان جميع أهالي المدينة متضامنين مع الاعتصام، لكننا قررنا أن نحول التضامن من تضامن سلبي إلى فعل ومشاركة. ذهبنا إلى جميع أفران الخبز داخل المدينة، وشرحنا للرجال والنساء في طوابير الخبز أسباب وأهداف الاعتصام وتوقيته ومدته. طلبنا من كل إنسان يريد أن يتضامن معنا أن يحول تضامنه إلى شيء ملموس بأن يتبرع برغيفين من الخبز للمعتصمين الذين سيفترشوا الأرض لساعات طويلة في الاعتصام. وكانت أرغفة الخبز ما هي إلا رمز للمشاركة والدعم. وجمعنا الآلاف من أرغفة خبز التضامن (التضامن نور حارتنا) ثم ذهبنا بعد ذلك إلى سوق كبير ضخم يجاور مكان الاعتصام به حشد ضخم من النساء الذين يقمن ببيع الخضروات بالسوق لتدبير حال أسرهن الفقيرة، طلبنا منهن أن يشاركوا معنا في الاعتصام، فقالوا: وكيف يمكن لنا أن نشارك معكم؟ سؤال جميل.. قلنا لهم: حينما ينزل الأمن المركزي وقوات الشرطة لمكان الاعتصام شاركوا معنا إما بالتصفيق للمعتصمين، وإما بالصراخ والعويل في وجه الشرطة، أو بالزغاريد جينما يقبضوا على أحد المعتصمين (كأمهات الشهداء في فلسطين ولبنان والعراق)، يعني «يا تزعقوا يا تصوتوا يا تصفقوا».

اقتنعت البائعات بهذا الدور للتضامن مع الاعتصام، ولعبتن دورهن بمهارة شديدة (يا ميت فل على ستات مصر .. أجمل الأمهات).

وتوجهت مجموعة أخرى نحو النفق، ومجموعة ثانية نحو الطريق السريع. وحينما نزلت قوات الأمن لمحاصرة وتفريق المعتصمين وجدت نفسها محاصة بطوفان من البشر (معتصمون ومتضامنون). وقفت قوات الأمن كالعوضة بين المتجمهرين، لن تستطع أن تفض الاعتصام، وعجز جبروت القهر أمام: طوفان التضامن الشعبي، ودقة التنظيم الجماهيري، والإصرار على انتزاع الحق».

هذه كانت كلمات من قاموا بتنظيم ثورة العطش في البرلس. قيادات جديدة تنبت في الواقع المصري. ناس بسطاء شديدو الالتصاق بواقعهم. يقولون: إننا لا ننحاز إلا لشيء واحد هو مصالح الناس المباشرة، فلن يتحرر البشر إلا بنضالهم هم أنفسهم.

ورد بيفتح فوق أرض البرلس.. ورد بيشاور بوعي وبمسئولية على المستقبل.. ورد جذوره غارسة في طين الأرض .. ورد لا يعرف شيئاً عن الكارزمية والنخبوية ولغة الآليات والإشكاليات.. ناس عايزة تجيب العدل وتنتزع الحقوق المغتصبة، بس عارفة أن السكة مش سهلة. لكن ثقتها بنفسها وبالناس عالية وجميلة. ناس عارفة أن مشكلة العطش مش مشكلة أهل البرلس وحدهم.. هيه مشكلة ناس كثيرة في محافظات ومدن وقرى ونجوع كثيرة. فهل من استطاعوا أن يزرعوا التضامن الرائع بين أفران المخابز والأسواق ومكان الاعتصام يمكن أن يزرعوا التضامن بين مناطق العطش في البرلس والدقهلية والقليوبية؟ وهل يمكن لورد البرلس الذي ظهرت براعمه في ثورة العطش أن يمتد لجنانين مصر؟

هذا الشيء ممكن بالتضامن والتنظيم والوعي.

الخائفون والمرتعدون من حركة الناس في الشارع طوال الشهور التسعة الماضية ليس لخوفهم أي أساس موضوعي.

غريب أنت أيها المثقف، حينما لا يتحرك الناس ويكون هناك تراجع في الحركة الجماهيرية لا نجد سوى هلع وفزع وصراخ: «شعب جبان .. شعب خانع .. شعب لا يتحرك إلا بالكرباج».

وحينما يكون هناك نهوض جماهيري وعفوي بين الجماهير أيضاً لا نسمع سوى هلع وفزع وصراخ: «احذروا ثورة الجياع .. احذروا الانفجار الشعبي القادم الذي لا تحمد عقباه .. لقد بدأت أخاف على النظام والدولة .. أخاف من المستقبل …».

لا يدرك هذا المثقف الأجوف أن: الاعتصامات والمظاهرات والوقفات الاحتجاجية والإضراب عن الطعام (والمستمرة منذ 9 شهور) هي أدوات الناس في تنظيم صفوفها في المواجهة. الناس تسعى ببساطة إلى التنظيم وتوحيد حركتها. وهناك شغف حقيقي من كل جماعة أو فئة لأن تتعلم من تجارب وخبرة المجموعة الأخرى.

ورد البرلس يسأل عن أخبار الورد في المحلة، والمحلة تسأل عن ورد حلوان ومعركة بدل طبيعة العمل. وورد السكة الحديد بيسأل عن اللي حصل في مترو الأنفاق ولسائقي النقل العام.

الأمور لن تسير في اتجاه الانفجار المدمر. صحيح أن الناس ظهرها إلى الحائط في ظل نظام يحكم بالحديد والنار، نظام تجمد ومات أكلينيكياً، إلا أن الناس قد وعت بشكل غريزي تجربة 18 و19 يناير 1977. الناس تريد أن تصل إلى نتائج إيجابية، وعايزة تاخد حقوقها بالنضال وبدون تسول. الناس عايزة تنتصر في معاركها وتنتقل بخطوات وانتصارات أقل إلى خطوات أكبر وأوسع. كل نجاح تحرزه يعطي ثقة وقوة في تحقيق الخطوة التالية.

ومن الممكن أن تسير الأمور في اتجاه الانتفاضة الشعبية المنظمة والتي تتدرج من المطالب الاقتصادية والملحة والمباشرة إلى المطالب السياسية العامة.

العجين يختمر في كل مكان، وسيختمر العجين أكثر حينما نزرع شيئاً مهماً على أرض مصر .. شيئاً اسمه التضامن الشعبي. تضامن المقهورين مع المقهورين. المقهورين من العطش مع المقهزرين من السكن مع المقهورين في طاحونة الغلاء وطوابير الخبز مع المقهورين بنيران الديكتاتورية والبطش والتعذيب في أقسام الشرطة.

أنظروا إلى الشعار البسيط والعبقري الذي بدأ يظهر في مناقشات وحوارات العمال والذي يقول: «عايزين نوصل لخط الفقر».. حيث أن جميع المنظمات العالملية (بدءاً من الأمم المتحدة حتى صندوق النقد والبنك الدوليين) تقر بأن المواطن الذي يعيش على خط الفقر يلزمه 2 دولار يومياً، أي أن أسرة مكونة من أرلعة أفراد يلزمها 8 دولار في اليوم أي 240 دولار في الشهر. يعني أن هذه الأسرة لكي تصل إلى خط الفقر يجب أن يكون الحد الأدنى لدخلها 1300 جنيه شهرياً. هناك الملايين من الأسر المصرية والتي لا يقل عدد أفرادها عن 5 و6 أفردا لا يتعدى دخلهم أكثر من 280 جنيه شهرياً!!!! أي أنهم يعيشون في أعماق الأعماق تحت خط الفقر!!!

ألا يحق لهؤلاء (مظاليم العهد المنسيين) أن يتحركوا ويقاتلوا من أجل أن يصلوا لخط الفقر؟ّ!! حقاً لقد جاوز الظالمون المدى. إن العمال والموظفين وفقراء المهنيين لو وحدوا صفوفهم جميعاً تحت شعارات مثل: «حد أدنى للأجور 1300 جنيه شهرياً لأسرة مكونة من أربعة أفراد»، أو «عايزين نوصل لخط الفقر»، أو «أجر عادل ونقابة حرة»، يمكنهم أن يزرعوا مجرى جديد للنضال، ومجرى جديد للتضامن الشعبي. إذا نجح العمال في انتزاع مطلب الحد الأدنى ومعهم الوطفون والمهنيون فإنهم حتماً سينجحوا في انتزاع نقابات مستقلة عن قبضة الدولة لأن النجاح في المعركة الأولى سيمهد الطريق للنجاح في المعركة الثانية.

وصباح الخير على الورد اللي فتح في البرلس وفي جناين مصر.