بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

وزيرة صحة البنك الدولي تقدم أوراق اعتمادها للسيسي

بتاريخ 13 يوليو 2013 صدر قرارا من مكتب وزير الصحة يحظر فيه (أي أفعال قد تؤدي إلى وقف العمل بالمنشآت أو الوحدات الصحية جزئيا أو كليا)، وفوض وكلاء الوزارة ومساعدي الوزير ورؤساء الهيئات باتخاذ اللازم لوقف هذه الأعمال فورا وإفادة مكتب الوزير.

لأول مرة نرى قرارا بحظر (الأفعال التي قد تؤدي إلى إضراب)، حتى مبارك في عز جبروته لم يجرؤ على اتخاذ مثل هذا القرار، فحين ارتفعت وتيرة الاحتجاجات والإضرابات ضده وضد حكومته وسياساته، قام رئيس وزرائه بإصدار قرار يجرم الإضرابات، ولكن في ظل حكومة السيسي نرى القائم بأعمال وزير الصحة الدكتورة هالة زايد تتفوق على مبارك نفسه لكي تقدم فروض الولاء للدولة العميقة.
 
بعد يومين من هذا القرار تم تكليف الدكتور مها الرباط بحقيبة الصحة في ظل حكومة حازم الببلاوي، في البداية بدأت البحث عن تاريخها، ولم أجد سوى أنها أستاذة للصحة العامة بكلية الطب جامعة القاهرة، وأنها تعمل منذ فترة تقارب 15 عاما كمستشارة للبنك الدولي، وهنا تذكرت اللقاء المغلق الذي جمعني بممثلي البنك الدولي، ومجموعة من مندوبي الأحزاب، وممثلي النقابات المستقلة منذ حوالي 3 أشهر بالجامعة الأمريكية في القاهرة، كنت قد حضرت اللقاء كمستمع، ولكن نظرا لحدوث ظروف طارئة لزميلي الدكتور محمد شفيق واضطراره للمغادرة، وجدت نفسي أكمل مكانه متحدثا ومناقشا الحضور، وحدثت مشادة كلامية بيني وبين ممثلة البنك الدولي حين انتقدتُ سياسات البنك في قطاع الصحة.
 
فقد بدأ البنك الدولي منذ نهاية التسعينات في فرض أجندته على وزارة الصحة، تلك السياسات الهادفة إلى رفع يد الحكومة من تقديم الخدمة الصحية المجانية للمواطنين، والتحول تدريجيا إلى دور المراقب للخدمة الصحية بدلا من مقدم للخدمة، وقد أسفرت هذه الضغوط عن إنشاء قسم فندقي أو اقتصادي في كل مستشفى يقدم خدمة مميزة قليلا وبرسوم أقل من القطاع الخاص. في البداية كان الأصل هو الخدمة الصحية المجانية وكان الاستثناء هو القسم الاقتصادي لمن يرغب، ولكن مع مرور الوقت انقلب الأمر، وأصبحت القاعدة هي عدم مجانية الخدمة الصحية والاستثناء هو المجانية، فأصبحت الفحوصات الطبية (أشعات وتحاليل) بمقابل مادي، وظهر نظام العلاج على نفقة الدولة، والذي كان هدية من الحكومة لنواب مجلسي الشعب والشورى من الحزب الوطني، وتطور الأمر لدرجة أن هيئات بعينها مثل (المستشفيات والمعاهد التعليمية، والمؤسسة العلاجية، والمراكز الطبية المتخصصة) أصبحت تقدم معظم خدماتها بمقابل مادي يكاد يصل إلى أسعار المستشفيات الخاصة في أمانة المراكز الطبية المتخصصة، أما المستشفيات العامة والمركزية فأصبحت العمليات المجانية لا تُجرى فيها إلا باستثناء من إدارة المستشفى، وحسب توفر الأموال اللازمة في صندوق وميزانية المستشفى، وأصبح الأصل هو العلاج الاقتصادي والعلاج على نفقة الدولة، فمن عام 2004 إلى عام 2008 انخفضت ميزانيات بعض المستشفيات إلى أقل من النصف، وتم الضغط على إدارات هذه المستشفيات لتوفير الفرق من عائد العلاج الاقتصادي.
 
وتحت مبدأ دس السم في العسل بدأ وزير الصحة السابق إسماعيل سلام في توجيه جزء كبير من ميزانية الصحة لإنشاء مستشفيات جراحات اليوم الواحد، ومستشفيات التكامل الصحي (قام بتنفيذ وتجهيز معظم هذه المستشفيات شركات مقاولات تابعة لجهاز المخابرات العامة) تحت شعار التوسع في تقديم الخدمات الصحية للمناطق غير الحضرية، وقام بتدريب العديد من الأطباء على طب الأُسرة، ولكن مع تولي حاتم الجبلي للوزارة بدأ التشكيك في مدى صلاحية مستشفيات التكامل، وتم وضع خطة لبيعها، ولحقت مستشفيات جراحات اليوم الواحد بأخواتها في أمانة المراكز الطبية المتخصصة لكي تقدم الخدمة الصحية بمقابل مادي، وكان أغلب العاملين بها من أساتذة الجامعة المتعاقدين لكي يجدوا مكانا أرخص من المستشفيات الخاصة لمرضى عياداتهم الخاصة، وبالفعل قام نفس الوزير بتوقيع برتوكول تعاون مع وزارة الصحة السعودية من أجل تسفير الأطباء الذين تدربوا على طب الأسرة لكي يقدموا خدماتهم للأسر السعودية والخليجية.
 
في خلال تلك السنوات حاولت الحكومات المتتابعة بمباركة من البنك الدولي تمرير قانون مشبوه للتأمين الصحي تحت مسمى “قانون تأمين صحي شامل” في ظل حكومات مبارك، وتحت مسمى “قانون تأمين صحي اجتماعي شامل” في ظل حكومات الإخوان، وهو قانون أقرب للتجاري منه للاجتماعي، يجعل القطاع الصحي العام المترهل في منافسة مع القطاع الخاص تمهيدا لإفلاسه وبيعه، كما أن المنتفع يقوم بسداد مبالغ مقابل الخدمات الطبية من (كشف، فحوصات،عمليات، أدوية) يصل في بعض الأحيان إلى الثلثين.

وكانت حكومة الدكتور هشام قنديل هي أشرس المدافعين عن هذا القانون في مسودته الرابعة عشر، وحاولت جاهدة تمرير القانون من خلال مجلس الشورى بأغلبية حزب الحرية والعدالة، ولكن في ظل مقاومة شرسة فشلت هذه المحاولات، وهنا اضطرت الحكومة والبنك الدولي للالتفاف على هذا الرفض الشعبي وتقديم المشروع في صورة قرار وزاري ينفَذ في 4 أو 5 محافظات في الصعيد، على أن يقدم البنك الدولي التمويل اللازم لهذا المشروع في أول عام فقط.
 
وكان قرار تنفيذ المشروع بقرار وزاري بالتعاون مع البنك الدولي هو جوهر المشادة الكلامية بيني وبين ممثلة البنك، وبعد عرض انتقادي للمشروع ولسياسات البنك انضم ممثلو النقابات المستقلة لوجهة نظرنا، كما انضم إليها أيضا ممثل حزب مصر القوية، وهنا توقفت ممثلة البنك عن الدفاع، وفي أثناء الاستراحة قالت أن المسئول عن القطاع الصحي هي د. مها، وأنها سوف تطلب منها الاتصال بي لعرض وجهة نظرهم، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن، وبعد الاستراحة كان الهجوم على ممثلة البنك الدولي في أشده، وهنا بدأَت هي في الحديث عن أن موظفي القطاع العام هم أكبر مشاكل الدولة، وأن معدل إنتاجيتهم هو 6 ساعات في الشهر، وأن الدعم هو العائق أمام الإصلاح الاقتصادي في مصر، وتراجعَت قليلا عندما بدأنا في الحديث عن دعم الطاقة المقدم للمصانع والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعندما تحدثنا عن الحد الأدنى للأجور وربطه بالأسعار.
 
فالبنك الدولي يرى جانبا واحدا للمشكلة الاقتصادية شأنه شأن المستثمرين ورجال الأعمال، يرى ضرورة وقف دعم الدولة للخبز والوقود، ويلتزم الصمت حول دعم الدولة للطاقة في المصانع الذي يمثل أضعاف دعم الخبز والوقود لعامة المواطنين، وبخصوص الأجور والعمال يرى البنك جانب واحد وهو ضعف إنتاجية العامل المصري، ولا يرى تدني أجور العاملين، ولا يرى حرمانهم من أبسط حقوقهم (تأمين صحي واجتماعي، تكوين نقابات، تحديد ساعات العمل، أجر عادل يكفي الملبس والمأكل والمسكن والترفيه).
 
ولذلك بعد 3 أسابيع من قدوم وزيرة الصحة الجديدة (الدكتورة مها الرباط) بدأ تعميم نشر منشور حظر الإضراب على المستشفيات، وبدأت الإدارات في إرهاب الأطباء لكي يوقعوا على المنشور بالعلم، وكان رد الوزيرة أنها لا تعلم شيئا عن هذا المنشور، وهو عذر أقبح من ذنب، فالإضراب حق تكفله المواثيق والأعراف الدولية التي وقعت عليها الدولة، وقد مارسه المصريين في ظل حكومات مبارك وما بعدها، وفي قطاع الصحة قام العاملين فيه بتنظيم إضراب جزئي في ظل حكومة المجلس العسكري، وآخر في ظل حكومة محمد مرسي، فجهلك بهذا المنشور ليس عذرا ولم نطلب منك التنصل منه، عليك فورا بإلغاء هذا المنشور والاعتذار عنه، والإعلان عن برنامجك وسياساتك الصحية للفترة القادمة، فصمت الوزيرة حتى الآن لا يعني سوى أنها قد جاءت بنفس أجندة سابقيها، وأن الوضع الصحي سيبقى على ماهو عليه من تردٍ تمهيدا لتمرير قانون التأمين الصحي الجديد، وخصخصة القطاع الصحي العام بعد إفقاره.
 
فللأسف نرى أن الوزيرة الجديدة تقدم أوراق اعتمادها للمجلس العسكري من خلال إبعاد قيادات الوزارة المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وسكوتها المؤيد لقرار حظر الإضراب في وزارة الصحة، وفي نفس الوقت تغض الطرف عن القيادات الفاشلة والفاسدة والفلولية في قطاع الصحة ودخولهم الخيالية، كما نراها صامتة بخصوص ميزانية الصحة المتدنية وبخصوص قانون كادر المهن الطبية.

فلسان حالها هو: يبقي الوضع الصحي على ما هو عليه من التدهور، وإن أراد المتضررين اللجوء إلى الإضراب فسأكون لهم بالمرصاد والفصل.