بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

يوميات ملحمة الضرائب العقارية

أحد عشر يوما، هي مدة اعتصام موظفي الضرائب العقارية الأخير أمام رئاسة مجلس الوزراء بشارع “حسين حجازي”. سطر الموظفون في هذه المدة عدة ملاحم، يصعب علي أي أحد، حتى المتابع بدقة، أن يدرك كافة هذه الملاحم، والدروس رفيعة المستوى، التي ألقى بها 55 ألف موظف في سجل نضال الطبقة العاملة المصرية.في السطور القليلة الآتية سنحاول تسجيل بعض هذه الدروس، لنحني لها رأسنا، ونتعلم منها .

بدأت ليلة اليوم الأول بعد انطلاق بيان أصدرته “اللجنة العليا للإضراب”، تحدثت فيه عن كافة المواقف التي ظهرت في ثنايا الثلاثة اعتصامات الماضية، والتى كان أولها يوم 11 سبتمبر أمام مجمع مصالح الجيزة، والذي كان يشمل موظفي محافظة الجيزة فقط، و الثاني كان يوم 21 أكتوبر والذي اتسع ليشمل عدة محافظات، وهو الاعتصام الأول الذي يظهر فيه الموظفون قوتهم الكبيرة، واستعدادهم لخوض صراعات شرسة، عند قيامهم بالانتقال من أمام وزارة المالية بمدينة نصر إلى رئاسة مجلس الوزراء سيرا علي الاقدام، ورفضهم طلب أمن الدولة باستخدام اتوبيسات النقل العام. وكان الاعتصام الثالث يوم 13 نوفمبر الماضي أمام مبنى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وكان أول مرة يعلن فيه الموظفون مبيتهم في الشارع مقابل استكمال مسيرتهم النضالية.

كذلك عبر بيان الموظفين بدقة عن أحد أهم الأسباب استفزازية، والتي لعبت دورا مهما في التعبئة للاعتصام الأخير، حيث ندد بموافقة “يوسف بطرس غالي” علي طلب مدير مكتبه “ممتاز السعيد” بزيادة رواتب العاملين بديوان الوزارة بمقدار (78) مليون جنية شهريا، ورفع حوافزهم الشهرية من 900% الي 1100%، هذا في ذات الوقت الذي كانت ترفض فيه الوزراة مطالب 55 ألف موظف بزيادة حوافزهم لتصل الي 400% فقط!!

بدأ الموظفون اعتصامهم بقوة، قامت قوات الأمن المركزي بتدبير فخ عن طريق حصارهم مع سيارات السكان داخل كردون أمني، لكن الموظفون أدركوا الخدعة وقاموا بحراسة السيارات حتي تم إخراجها.

في اليوم الثاني حاول أعضاء التنظيم النقابي إثناء الموظفين عن الاعتصام وعلي رأسهم رئيس النقابة العامة للعاملين بالبنوك فاروق شحاتة، ورفض أن يدعم الاعتصام بالمواد الغذائية والأغطية فقاموا بطرده من مقر الاعتصام، واندست عناصر لجهاز أمن الدولة من أجل إقناعهم بفض الاعتصام.

ثم زارهم حمدين صباحي للتضامن مع قضيتهم، وفي اليوم الثالث: كان التضامن أكثر قوة، بتعاقد كمال خليل مدير مركز الدراسات الاشتراكية سعد عبود عضو مجلس الشعب ووفد من أمانة العمال والمهنيين بحزب التجمع للتضامن معهم.

والأهم كان زيارة وفد من موظفي الضرائب العقارية التابعين لوزارة المالية للتضامن معهم رغم أن الاعتصام في الأساس كان من أجل المساواة بهم.

ثم قرر الموظفون تصعيد الأمر بتنظيم مسيرة حاشدة حتي ديوان رئاسة الجمهورية لعرض المشكلة علي «مبارك» نفسه، كما شهد اليوم نفسه انضمام مأموريات جديدة للاعتصام في دشنا وكفر الزيات والدقهلية وبورسعيد، وفي اليوم الرابع تأكد تماسك الموظفين عندما قام «عبدالرحمن خير» رئيس النقابة العامة للعاملين بالإتناج الحربي بتقديم عرض للموظفين بفض الاعتصام مقابل حصولهم علي عمولة تحصيل من إجمالي متحصلات كل محافظة، لكن الموظفين رفضوا ذلك العرض الذي اعتبروه ظالماً حيث تتفاوت نسبة المتحصلات من محافظة لأخري وفي نفس اليوم صعد الموظفون شكل الاعتصام في اشارة واضحة علي تمسكهم بمطالبهم فقاموا بنصب خيام في الشارع، وتركيب مكبرات صوت كي يسمع صوتهم بشكل أعلي، مع اتفاقهم مع الأهالي علي عدم استخدامهم لهذه المكبرات بعد العاشرة مساءً تجنباً لازعاجهم بعد تعاطف الأهالي معهم الذين فتحوا بيوتهم للنساء بل إن أحد الأهالي ألغي رحلته للحج وأعطي تكاليف الحج للموظفين.

وفي اليوم الخامس قام آلاف الموظفين بصلاة الجمعة في الشارع، في مقر الاعتصام، والتي شهدت خطبة دعت للتمسك بالمطالب والاستمرار في الاعتصام ورفض جميع المسكنات المعروضة عليهم، حاولت المصلحة «رشوة» الموظفين عندما قاموا بصرف 20 يوماً لموظفي الشرقية بمناسبة عيد الفطر الذي مر عليه أكثر من شهر ونصف و«15» يوماً منحة عيد الأضحي، ولكنهم ردوا علي هذه الخطوة بارسال المزيد من الموظفين لمقر الاعتصام كما قام العشرات من النشطاء الاشتراكيين من مؤتمر «أيام اشتراكية» بزيارة الاعتصام، وتحدثوا مع الموظفين حول أهمية اعتصامهم، وصمودهم أمام تعنت الدولة.

كما قام الشاعر «عبدالرحمن يوسف» بإلقاء عدد كبير من القصائد الوطنية للموظفين في مقر الاعتصام، كما توجه الإعلاميان «محمود سعد» و«حسين عبدالغني» للاعتصام والتضامن مع الموظفين.

وفي اليوم السابع، تم استدعاء وفد مفوض من المعتصمين لمقابلة مسئول هام برئاسة مجلس الوزراء، وعندها قابل «يوسف بطرس غالي» الموظفين، وعرض عليهم زيادة حوافزهم إلي 400% لكن علي ثلاث مراحل تنتهي بعد إصدار قانون الضرائب العقارية الجديدة، لكن الموظفين رفضوا هذا القرار واتفقوا علي إجراء تصويت علي قرار الوزير في اليوم التالي، وقام بعضهم بمبادرة لرفض وعد الوزير بتعليق أحبال لنشر غسيلهم عليها، وفي اليوم الثامن قام الموظفون بإجراء التصويت، وكانت نسبة الموافقين علي وعد الوزير «صفر%»، وشهد اليوم التاسع انجاب زوجة أحد الموظفين لتوأم فقاما بتسمية أحدهما «كمال» والآخر «أبوعيطة» حباً في قائد الاعتصام، كمال أبوعيطة» كما توفيت أم أحد الموظفين والذي رفض ترك الاعتصام، وأخذ العزاء ولكن وافق بعد ضغط الموظفين عليه، والذين وقفوا دقيقة حداداً علي روحها، وقرأوا الفاتحة بصوت عال جميعاً.

وفي اليوم العاشر عرف المعتصمون بنية بعض القوي السياسية والعمالية بعمل وقفة تضامنية معهم في اليوم التالي، فقاموا بالاتصال بجميع زملائهم في المحافظات للاعلان عن كون اليوم الحادي عشر هو «الليلة الكبيرة» بحيث يتعدي عددهم في هذا اليوم الـ«15» ألف معتصم وبعد إعلانهم عن هذا القرار، قام وفد من مباحث أمن الدولة بالهرولة، وطلب الوفد المفوض من الموظفين، وأبلغهم قرار الوزير بصرف شهرين مكافأة لهم، وإصداره قرار ضمهم لوزارة المالية في أول يوم عمل بعد انتهاء إجازة عيد الأضحي، وكان هذا انتصاراً لإرادة الموظفين والذين أعلنوا تعليق الاعتصام صباح اليوم الحادي عشر، قبل اعتراف «يوسف بطرس غالي» بالهزيمة بساعات، وإصداره قرار ضمهم لوزارة المالية، ومساواتهم بموظفي الضرائب العقارية بالقاهرة.