بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة الرأسمالية وحركة عمال النسيج

يمثل عمال النسيج أحد أهم الفصائل المكافحة في الطبقة العاملة المصرية. فقد لعب العمال، على مدى عقود عديدة، أدوارًا قيادية رئيسية في الحركة العمالية خلال موجات مدها المختلفة.

وفي السنوات الأخيرة – وفي سياق محاولات إعادة هيكلة الرأسمالية المصرية المأزومة – شنت الطبقة الحاكمة هجومًا شرسًا على أجور وشروط عمل عمال النسيج من أجل “تعويم” صناعة الغزل والنسيج المنهارة تقريبًا. ويعد الهجوم الرأسمالي على جبهة عمال النسيج الهجوم الأكثر ضراوة على مستويات معيشة العمال في ظل سياسات ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي التي تتبعها البرجوازية المصرية، بشكل رسمي، منذ 1991. وقد كان لهذا الهجوم – وأيضًا لما سبقه من تحولات عميقة في بنيان صناعة الغزل والنسيج والصناعة على وجه العموم – آثارًا عميقة على الدور الكفاحي لعمال النسيج الذين أنهكتهم الأزمة الممتدة للقطاع الصناعي الذي يعملون به.

فلننظر أولاً في ظروف المرحلة التاريخية التي تبلور فيها عمال النسيج كفصيل طليعي في الطبقة العاملة المصرية، وذلك قبل الانتقال إلى تحليل ملامح الوضع الراهن.

عمال النسيج يصبحون طليعة الحركة العمالية:
بزغ عمال النسيج، في أواسط الأربعينات من هذا القرن، كرأس حربة للحركة الكفاحية للطبقة العاملة المصرية. فقد نصب هؤلاء العمال، بنضالاتهم المجيدة، أنفسهم كقادة لا منازع لهم لموجة المد الكفاحي الثانية التي اندلعت في أواخر الحرب العالمية الثانية وبعدها.

وعبر انتقال مركز الثقل في الحركة العمالية من عمال النقل والخدمات – الذين قادوا موجة المد الأولى في أوائل هذا القرن – إلى أيدي عمال النسيج، في جانب أساسي منه، عن التطور العميق الذي أحدثته سنوات الثلاثينات والنصف الأول من الأربعينات في الصناعة المصرية. فقد نشأت وتوسعت في غضون هذه السنوات، وخاصة أثناء الحرب، قلاع صناعية كبرى كانت غالبيتها الكبرى تتخصص في صناعة الغزل والنسيج. فمن بين 316.144 عاملاً في الشركات الصناعية في 1945 كان 117.272 منهم (أكثر من الثلث) يعملون بصناعة النسيج، وهي الصناعة التي لم تكن تباريها صناعة أخرى في درجة تمركز العمال. فعلى سبيل المثال، كانت شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى تستخدم – في 1945 – 25 ألف عامل. أما شركة الغزل الأهلية بالإسكندرية، فقد وصل عدد عمالها في نفس العام – 1945 – إلى ما بين 8-10 آلاف عامل. في حين وصل عدد عمال شركة مصر للنسيج والغزل الرفيع في كفر الدوار إلى 9 آلاف عامل في 1952. هذا عدد كبير آخر من الشركات التي تراوح عدد عمالها ما بين آلاف و3 آلاف عامل، والتي انتشرت في عدد من المناطق الصناعية الناشئة، خاصة شبرا الخيمة. ولم يكن ينافس شركات الغزل والنسيج في درجة تمركز العمال إلا 3 شركات، كانت كل واحدة منهم تستخدم فقط 4000 عامل: مصنع السكر بالحوامدية والشركة الشرقية للدخان ومعمل شل لتكرير البترول.

وقد اندلعت في أواخر الحرب العالمية الثانية وبعدها، من داخل قلاع صناعة الغزل الكبرى بالمحلة الكبرى وكفر الدوار والإسكندرية وشبرا الخيمة، موجة عارمة من الإضرابات عكست حالة من التجذير الحاد في الحركة العمالية. إذ أنه مع حلول منتصف الأربعينات، كانت الظروف الذاتية والموضوعية الدافعة في اتجاه صعود حركة عمالية مقاتلة في أوساط أكبر وأهم تكتل عمالي في مصر – عمال النسيج – قد نضجت. فمن ناحية أولى، نجحت خبرة العمل القاسية على مدى سنوات في المصانع الرأسمالية الكبرى في خلق وترسيخ مشاعر التضامن والوحدة الطبقيين في أوساط عمال النسيج الذين كانوا في معظمهم فلاحين ظلوا ينظرون لواقعهم الجديد كبروليتاريين على أنه واقع مؤقت اضطرتهم إليه ظروف الإفقار في الريف. ومن ناحية ثانية، أدى انخفاض الأجور (الذي سببه التضخم الحاد أثناء الحرب) وشروط العمال القاسية إلى تزايد السخط على الرأسماليين وإلى التمرد على العلاقات “الأبوية” السائدة في مصانع الغزل والنسيج – خاصة تلك التابعة لبنك مصر في الدلتا.

وبالفعل، شهدت سنوات منتصف الأربعينات موجة من الإضرابات الكبرى كانت ذروتها في الفترة من 1946 على 1948. ففي يناير 1946 نظمت نقابة عمال النسيج الميكانيكي بشبرا الخيمة (وهي من مناطق التركز الرئيسية لمصانع النسيج متوسطة وصغيرة الحجم) إضرابًا عاما لكل النسيج احتجاجًا على محاولات البوليس حل النقابة. وفي الشهر التالي – فبراير – شاركت النقابة وعمال نسيج شبرا في اللجنة الوطنية للطلبة والعمال التي تشكلت لقيادة موجة الإضرابات والمظاهرات التي هزت البلاد في شتاء 1946. وبعد شهرين، في مايو، اندلع إضراب كبير آخر لعمال النسيج في شبرا الخيمة التي أصبحت المعقل الرئيسي للحركة العمالية.

في هذه الأثناء، كانت شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى تموج بالغليان. فبين عامي 1946 – 1947 خاض العمال في هذا الموقع عددًا من النضالات. وفي سبتمبر 1947 دخل العمال إضرابًا كبيرًا طالبوا فيه حل النقابة التابعة للإدارة، وبتأسيس نقابة جديدة، وبإلغاء لائحة الجزاءات. ويوقف سياسة تسريح العمال.

انتقلت العدوى أيضًا إلى الإسكندرية. فقد أضرب عمال شركة الغزل الأهلية وعمال الشركة المصرية لصناعة المنسوجات في سبتمبر 1947. ثم تلاهم عمال شركة سباهي للغزل الذين أضربوا في فبراير 1948.

وقد أستمر موجة المد العمالي التي شارك فيها إلى جانب عمال النسيج الطليعيين عمال شركة شل وعمال شركة قناة السويس وممرضات القصر العيني – حتى ابريل 1948؛ ثم هدأت لوهلة قصيرة في العامين الأخيرين من الأربعينات بسبب نشوب حرب 1948 وتصاعد القمع. ومع مقدم الخمسينات – عندما عاد الوفد للحكم مرة أخرى – تصاعدت من جديد الإضرابات حتى بداية 1952 – العام الذي وصل فيه الضباط الأحرار للسلطة.

وتؤكد إحصاءات عامي 1947 و1950 – وهما عامان شهدا تصاعدًا حادًا في النضالات- فقد كان عمال النسيج الفصيل القائد للحركة العمالية. ففي عام 1947 كان إجمالي الإضرابات الرسمية المسجلة 137 إضرابًا بينهم 88 إضرابًا (66%) في صناعة النسيج في عام 1950، فقد سجل 49 إضرابًا رسميًا منهم 33 إضرابًا (67%) في صناعة النسيج وبغض النظر عن احتمال كون الأرقام الرسمية أقل من عدد الإضرابات الحقيقي، إلا أن النسب والاتجاهات تدل – بما لا يدع مجالاً للشك – أن عمال النسيج كانوا هم الفصيل الأكثر نشاطًا وكفاحية في الحركة العمالية بأسرها.

تطور الرأسمالية وأحوال عمال النسيج:
كانت سنوات النصف الثاني من الأربعينات وأوائل الخمسينات تمثل بحق “العصر الذهبي” لعمال النسيج. فقد كان هؤلاء هم القادة الأساسيين والطليعة لحقيقة للكفاح العمالي في مرحلة مد ما بعد الحرب العالمية الثانية التي ربما لم تشهد مصر مرحلة توازيها في التجذير والعمق والاتساع منذ اندلاعها وحتى الآن. بعد انقضاء هذه المرحلة، وبسبب سلسلة من التحولات الكبرى، حدثت تغيرات أساسية في الوزن النسبي للدور الكفاحي لعمال النسيج. ولكن، وبالرغم من أن عمال النسيج لم يعودوا هم القيادة الوحيدة للنضالات العمالية في مراحل المد اللاحقة التي شهدتها مصر، إلا أنهم ظلوا يلعبون أدوارًا أساسية جنبًا إلي جنب مع فصائل عمالية بازغة أخرى، كعمال الصناعات الهندسية والمعدنية وغيرهم. أما في المرحلة الراهنة، فإن ظروف الجزر في الحركة العمالية مع تهاوى صناعة النسيج قد ساهما في تأكل جز كبير من التراث النضالي لعمال النسيج. وتستحق منا كل هذه المسائل أن ننظر لها بتفصيل أكبر.

1- تحولات بنية عمال النسيج:
ليس معروفًا على وجه الدقة ما هي الآن – في 1997 – نسبة عمال النسيج إلى إجمالي العمال الصناعيين العاملين في الصناعات التحويلية في مصر. الأمر الأكيد هو أنها لا تزيد بأية حال من الأحوال، عن 30% (الأرجح أنها أقل من ذلك). وفي تعداد 1986 للمنشآت – وهو آخر تعداد ظهرت نتائجه – كانت نسبة عمال الغزل والنسيج والملابس إلى إجمالي الطبقة العمالية الصناعية قد هبطت إلى 33.8% (268493 عامل)، بعد أن كانت حوالي 39.2 (191754 عامل) في التعداد الذي سبقه بعشر سنوات (1976). ومعنى ذلك الوزن النسبي لعمال النسيج قد هبط بمقدار 5.4% وعددهم المطلق بمقدار 41.3%، في العشر سنوات من 1976إلى 1986. أما في الستة عشرة سنة التي سبقت 1976، فقد انخفض الوزن النسبي لعمال هذا الفرع الصناعي من 52.4% في 1960 (وهي أعلى نسبة يصل إليها عمال نسيج في تاريخهم)، إلى 44.3% في 66 – 1967، إلى 39.2% (الرقم الذي ذكرناه من قبل) في 1976. هذا بالرغم من تزايد عددهم المطلق في نفس الفترة (1960 – 1976).

تؤكد كل هذه الأرقام أن وزن عمال النسيج النسبي إلى إجمالي عمال الصناعة يتناقص باطراد منذ أوائل الستينات وحتى يومنا هذا. هذا التناقص كان يعكس في مرحلته الأولى – حتى منتصف السبعينات تقريبًا – النجاح المتوسط الذي حققته سياسات التوسع في فروع الصناعات المعدنية والهندسية والكيماوية وغيرها، التي اتبعتها رأسمالية الدولة المصرية، أكثر مما كان يعني الفشل والتدهور في صناعة الغزل والنسيج ذاتها. فعلى الرغم من تزايد الأعداد المطلقة لعمال النسيج خلال الستينات، إلا أن وزنهم النسبي تناقص بسبب نشوء وتوسع مصانع الحديد والصلب، والسيارات، والسلع المعمرة، والأسمنت، والأجهزة المعدنية والكهربية… الخ، والتي استوعبت مئات الآلاف من العمال الجدد (على سبيل المثال، ارتفع الوزن النسبي لعمال الصناعات المعدنية من 5.3% في 1960 إلى 18.2٪ في 1976).

إلا أنه مع مقدم النصف الثاني من السبعينات، بدأ تدهور الوزن النسبي، والعدد المطلق، لعمال النسيج تعكس ليس فقط توسع القطاعات الصناعية الأخرى على حساب قطاع الغزل، وإنما أيضًا – وبصورة متزايدة – الأزمة الهيكلية لصناعة الغزل والنسيج (والرأسمالية العصرية بوجه عام). ضربت الأزمة بشكل عميق المصانع الاحتكارية الكبرى في القطاع العام؛ وبدأت هذه المصانع تغلق وأبوابها في وجه التعيينات الجديدة بدءًا من أوائل الثمانينات. ورأينا تبعًا لذلك أن عمال شركة الغزل الرفيع بكفر الدوار قد تقلصوا من 26 ألف من منتصف الثمانينات إلى ما لا يزيد على 20 ألف في الوقت الراهن. أمام الشركة اسكو بشبرا الخيمة، فقد انخفض عدد عمالها من 17 ألف إلى 7 آلاف في غضون السنوات العشر الأخيرة. نفس الشيء حدث، بدرجة أو بأخرى، في كل مصانع الغزل والنسيج بالقطاع العام.

أما مصانع نسيج القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة فهي تعيش أسوأ مراحل تاريخها على الإطلاق وعمال هذه المصانع تقلصوا لدرجة لا تصدق. وسبب هذا واضح، فإذا كانت الأزمة أدت بالمصانع الكبرى إلى الاستدانة وتقليص العمالة ومحاولة زيادة معدلات الاستغلال، فهي قد أدت إلى إغلاق عدد كبير من المصانع الصغيرة وتسريح عمالتها بالكامل! أما المصانع المتبقية فهي تعمل شهور قليلة كل عام، وهو ما يعني أنها تستخدم فقط عمالة مؤقتة. المثل الأوضح على هذا التدهور هو شبرا الخيمة التي ظلت حتى السبعينات منطقة زاخرة بمصانع النسيج الصغيرة والمتوسطة (ولاد عشوش، أبو شعير، صبري عمارة، محمد المرشدي، محمد المازني، عاطف خليل، إبراهيم الجيزاوي، محمد غباشي.. وغيرهم كثير) ثم حدث في السنوات الأخيرة أن أغلق عدد كبير من مصانعها أو قلص نشاطه.

وقد توازن مع ظاهرة تقلص وزن وعدد عمال الغزل والنسيج والملابس الجاهزة ظاهرة أخرى لا تقل عنها في الأهمية وهي ظاهرة تزايد نسبة عمال فرع الملابس الجاهزة إلى إجمالي عمال هذه الصناعة (على حساب وزن عمال الغزل، وبدرجة أكبر، النسيج). فقد حدث على مدى العشرين سنة الماضية (ومنذ تدشين الانفتاح) أن شهدت صناعة الملابس الجاهزة انتعاشًا نسبيًا أدى إلى فتح عدد كبير من المصانع في مناطق مثل شبرا الخيمة، قليوب، بشتيل… الخ. وقد اعتمدت هذه الصناعة – وهي في معظمها قطاع خاص – على عمالة نسائية كثيفة، سواء في المشاغل الصغيرة أو المصانع الكبيرة كمصر تايوان (40000 عاملة)، وفابلوس (7000عاملة)، وبرزي، وموباكو… الخ. وتشير بعض الإحصاءات أن نسبة العمالة النسائية في مصانع الملابس الجاهزة قد تصل إلى 90%، بينما هي في مصانع الغزل والنسيج لا تزيد عن الثلث في أحسن الأحوال. وتعني هذه التطورات أن التحولات في بنية الغزل والنسيج والملابس الجاهزة لم تقتصر فقط على تقلص وزن وعدد عمال هذا القطاع، أو على زيادة وزن عمال الملابس الجاهزة داخلهم. وإنما أيضًا على زيادة عمال القطاع الخاص، وزيادة نسبة العمالة في داخلهم.

2- أزمة صناعة النسيج:
كانت تحولات العشرين سنة الأخيرة في بنية وتكوين عمال النسيج تمثل، بدرجة كبيرة، انعكاسًا للأزمة المزمنة التي يعاني منها قطاع الغزل والنسيج. ومن الجدير بنا أن ننظر، باختصار، لمظاهر ومضمون هذه الأزمة لأن لهما أثارًا عميقة على الدور النضالي لعمال هذا الفرع الصناعي الأساسي.

وقع قطاع الغزل والنسيج المصري تحت وطأة الأزمة في سياق تأزم رأسمالية الدولة المصرية التي لم تستطع أن تصمد أمام شراسة المنافسة العالمية في ظروف كساد ممتد يضاعف من شراسة المنافسة. وفي سنوات الثمانينات والتسعينات (خاصة التسعينات التي دخل فيها سوق النسيج العمالي في كساد بدءًا من 1991) استحكمت أزمة قطاع الغزل والنسيج بعد تراجع الانتعاش لمالي الذي غذته الديون السهلة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج في السبعينات وأوائل الثمانينات. يمكننا ملاحظة أثار هذه الأزمة إذا ما تتبعنا معدلات إغلاق مصانع الغزل والنسيج المتوسطة والصغيرة المملوكة للقطاع الخاص. إذ تشير الإحصاءات (وهي إحصاءات قدمها أصحاب مصانع النسيج لوزير التجارة مؤخرًا) إلى أن حوالي 500 مصنع قد توقفوا عن الإنتاجي بينما يعمل 1200 مصنع آخر بنصف طاقاتهم، هذا من أصل 2400 مصنع غزل ونسيج قطاع خاص يشغل كل واحد منهم أكثر من 10 عمال. بعيدًا عن الإحصاءات، فإن التدهور في مصانع نسيج شبرا الخيمة الذي أشرنا إليه قبل قليل يؤكد ما نقول. فقد تحول عدد وافر من مصانع هذه المنطقة الصناعية إلى خرابات لأن أصحابها هجروها، إما لأنهم أفلسوا، أو لأنهم انتقلوا لقطاعات صناعية أخرى أكثر ربحية.

أما قطاع رأسمالية الدولة – صناعة الغزل والنسيج بالقطاع العام – وهو القطاع الذي يتحكم، وفقًا لإحصائيات 1994، في 10% من صناعة الغزل و7% من صناعة النسيج، فقد تعرض مؤخرًا – بالرغم (أو بالأحرى بسبب) موقعة الاحتكاري – لما يشبه الانهيار. إذ زادت مديونياته عن 4 مليارات جنيه (مليار منهم لشركة كفر الدوار وحدها)، بينما وصلت خسائره على 600 مليون جنيه سنويًا، وأصبحت 29 من شركاته الـ31 في وضع مأساوي يتطلب – وفقًا لتقديرات خبراء الرأسمالية المصرية والعالمية – “التدخل الحاسم والسريع”.

الفرع الوحيد في صناعة النسيج الذي حقق توسعًا نسبيًا في العقدين الأخيرين هو فرع صناعة الملابس (هذا مع استثناء فترة تراجع حاد قصيرة في النصف الثاني من الثمانينات). ورغم هذا فإن شروط المنافسة العالمية – انخفاض تكاليف الإنتاج في دول النمور. سياسات الحمص وإغلاق الأسواق القومية – تهدد بانتقال أزمة الغزل والنسيج إليه. وقد أكدت دراسة أجريت مؤخرًا بأكاديمية البحث العلمي – وهي مؤسسة أبحاث تابعة للدولة – أن شروط الإنتاج وتكاليفه في الملابس الجاهزة ليست كفؤا للدخول في المنافسة العالمية الحادة. وهو ما يعني انتعاش الرأسمالية النسبي في هذا الفرع يقوم على أسس هشة يمكن أن تنقلب في يوم وليلة، خاصة في ظل تقلب وكساد الرأسمالية العالمية.

هذه، باختصار، هي مظاهر الأزمة التي مر بها الآن صناعة الغزل والنسيج المصرية (وهي الأزمة التي دفعت الصحافة البرجوازية للتهليل والصياح مطالبة بالدفاع عن وبحماية “قلاع الصناعة الوطنية”!)،

فما هو إذن مضمون هذه الأزمة؟ إن المضمون الأساسي لهذه الأزمة يكمن في انخفاض معدلات أرباح صناعة النسيج كنتيجة لفشل الرأسمالية المصرية في تخفيض التكاليف ورفع الإنتاجية، وبالتالي فشلها في الوقوف أمام المنافسين العالميين في الأسواق الدولية. ففي ظل الكساد العالمي وتقلب الأسواق، وفي ظل ازدياد النزوع نحو تدويل الإنتاج، بات من الضروري على كل رأسمال قومي – إذا أراد أن يعيش – أن يخفض تكاليف إنتاجه بأقصى قدر حتى يستطيع طرد منافسيه، أو على الأقل البقاء في السوق. ولكن بسبب هذا الكساد ذاته، فإن حظ الرأسماليات القومية الأكثر تأخرًا – والأقل قدرة بالتالي على الاستفادة من التدويل (مثل مصر) – من النجاح تكون أقل كثيرًا. وهو الأمر الذي يعكس نفسه، في أحيان كثيرة في انقلاب نجاح سياسات إعادة الهيكلة وتخفيض التكاليف إلى فشل بين عشية وضحاها، مما يدفع بالرأسمالية إلى التوحش أكثر فأكثر في اتجاه تخفيض التكاليف ورفع الإنتاجية، أي في اتجاه تشديد معدلات الاستغلال.

والواقع أن صناعة النسيج المصرية كانت أكثر قطاعات الصناعة المصرية تأثرًا بهذه التطورات؛ أولاً بسبب شراسة المنافسة وظهور مزاحمين أقوياء في السوق الدولي، وثانيًا بسبب ارتباطهم العضوي بالسوق العالمي (في 1986 كان أكثر من نصف الصادرات ما عدا النفط الخام – 51% بالضبط – من المنتجات النسيجية)، وأخيرًا بسبب تأخرها الشديد في تطوير قوي الإنتاج. فقد أدى ارتفاع التكاليف الإنتاجية – الذي وصل إلى حد زيادة أسعار المواد المساعدة المستخدمة في الصناعات النسيجية بنسبة 160% في العشر سنوات الأخيرة – إلى فشل الرأسماليين في فتح وتوسيع الأسواق، ومنقل قدرة ثم إلى تراجع الأرباح وانهيار الصناعة. وقد دفع هذا بالطبقة الحاكمة إلى تحميل عمال النسيج ثمن الأزمة عن طريق ما يطلق عليه “الإصلاح الاقتصادي” وإعادة الهيكلة والخصخصة. لما فشلت هذه السياسة في أن تأتي بأي ثمار في ظل كساد سوق النسيج العالمي (إذ زادت الديون وتراجعت الإنتاجية كما ذكرنا… وانخفضت الصادرات النسيجية العام الماضي وحده – 95 / 96 – بنسبة 36% – بحسب أقوال محمد فريد خميس الرأسمالي المصري ورئيس اتحاد الصناعات) اتجهت الرأسمالية إلى المزيد من تشديد معدلات الاستغلال. حيث طالب رجال الأعمال العاملين في صناعة النسيج الحكومة مؤخرًا – بـ”تخفيض الضرائب ودعم الصناعة بطرق لا تتعارض مع اتفاقية الجات”، وطالبوها بـ”ترشيد الأوضاع في صناعة الغزل بالقطاع العام حيث أن أجور العمال المصريين مرتفعة!” وإنتاجهم في انخفاض مستمر (هذا حسب تصريحات رجال الأعمال للصحف).

3- تدهور أجور عمال النسيج:
تشير الإحصاءات القليلة المتوافرة أن عمال صناعة الغزل والنسيج المتدهورة – على النقيض من ادعاءات الرأسماليين وأذنابهم – هم أكثر فصائل الطبقة العاملة المصرية تعرضًا للهجوم والاستنزاف على جبهة الأجور. ففي ظل التراجع العام في الحركة العمالية، وفي ظل هجوم الطبقة الحاكمة من اجل تشديد معدلات الاستغلال، كان عمال النسيج يخضعون لأكبر عملية إفقار في تاريخهم وفي تاريخ الطبقة العاملة المصرية.

ففي القطاع العام، ومنذ أوائل السبعينات، كانت أجور عمال النسيج هي الأقل بين كافة العمال في هذا القطاع. فقد كان متوسط الأجر السنوي لعامل الغزل والنسيج عن الفترة 1972 إلى 1978 يساوي 380 جنيهًا، في حين كان نفس هذا المتوسط يساوي 390 جنيهًا لعمال الصناعات الغذائية، 491 جنيهًا لعمال صناعة الكيماويات، و496 لعمال الصناعات الهندسية. أي أن فارق الأجر في هذه الفترة – 72 / 1978 – بين عامل الغزل والنسيج (أقل قطاعات العمال أجرًا)، وعمال الصناعات الهندسية(أعلاهم أجرًا) كان 30.5% أما بحلول 1980، فقد وصل الفارق في الأجر بين عمال الغزل والنسيج والصناعات الهندسية – الذين ظلاً على حالهما في ترتيب مستويات الأجور في القطاع العام – إلى 36.6% (أصبح متوسط الأجر السنوي لعامل النسيج وعامل الصناعات الهندسية 775 جنيهًا على التوالي).

وللأسف الشديد، لا توجد بين أيدينا الآن أي أرقام عن تطور التباين في معدلات الأجور بين عمال النسيج غيرهم من العمال في القطاع العام بعد عام 1980. إلا أننا سنقتبس فقرة من تقرير عن صناعة القطن والنسيج الذي أصدرته غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة (معقل الرأسمالية الكبيرة في مصر) في أواخر 1994 يوضح ما آل إليه التدهور في أجر عمال النسيج. الفقرة تقول: “منذ 1984 وزيادة الأجور في صناعة النسيج أقل من مثيلتها في صناعة القطاع العام بوجه عام. ونتيجة لذلك، انخفضت مستويات التوظف في صناعة النسيج بأسرع مما حدث في الصناعات الأخرى. مع التدهور الملحوظ في الأجور الحقيقية، انخفض عدد العمال الموظفين في النسيج من 300.000 عامل في أوائل الثمانينات إلى 230.000 عامل في التسعينات”. نفس هذا التقرير يذكر أيضًا أن متوسط الأجر الشهري لعامل النسيج المصري في 89 / 1990 كان 260 جنيهًا (أي ما يساوي 50 سنت أمريكي في الساعة)، هذا مقارنة به 59 و83 و792 و1380 سنت في الساعة لعمال النسيج في باكستان والند وتايوان والولايات المتحدة وسويسرا على التوالي!! معنى ذلك أن أجور عمال النسيج ليست فقط الأقل بين عمال القطاع العام في مصر، وإنما أيضًا الأقل بين النسيج في العالم (وبرغم ذلك يتبجح الرأسماليون ويتحدثون عن ارتفاع الأجور في مصر!).

وتشير كل الشواهد والأمثلة مؤخرًا إلى تدهور الأجور بأقسامها المختلفة في صناعة الغزل والنسيج بالقطاع العام قد وصل إلى ما يقرب الكارثة. وقد رصدنا في احد المقالات في هذه المجلة (الرأسمالية والطبقة العملة سياسات الأجور – “الشرارة” – العدد 7) بعض هذه الأمثلة. ففي شركة اسكو بشبرا الخيمة لا تتجاوز مخصصات الأجور 32 مليون جنيه، وفي نفس الوقت لا يحصل العمال على أي حوافز إنتاج. كل الذي حصل عليه عمال الشركة هذا العام هو أرباح سنوية 22 يومًا بحد أقصى 100 جنيه زائد 8 أيام بدون حد أقصى. أما في شركة وولتكس، فالوضع أفضل نسبيًا، إذ يصرف العمال حوافز شهرية بنسبة من 30% إلى 50%. وقد صرفوا أيضًا 100 جنيه (مخصوم منهم 10 جنيه تأمينات)، بالإضافة إلى عشرة أيام على حساب أجر 30 يونيو 1996. وفي عدد آخر من الشركات – القاهرة المنسوجات، مصر للحرير الصناعي، مصر للغزل بكفر الدوار، سجاد المحلة.. الخ – وصلت معدلات الأجور والحوافز الحقيقية إلى أقل مستوياتها في السنوات الأخيرة بسبب توقف الإنتاج أو تحقيق خسائر.

هذا بالنسبة للقطاع العام؛ أما في القطاع الخاص – المتخصص بدرجة أكبر في صناعة الملابس الجاهزة – فالوضع ليس أفضل كثيرًا – إذ أن الغالبية العظمى من مصانع الملابس الجاهزة (قطاع خاص) تقوم – كما ذكرنا من قبل – على أكتاف العمالة النسائية الصغيرة السن بالأساس (90% من العمالة). معظم عمال هذه المصانع هن فتيات غير متزوجات في المرحلة العمرية من 17 إلى 25 سنة. وتقوم المرأة بكافة الأدوار الإنتاجية تقريبًا (القص، الخياطة، التشطيب، الفرز، الكي، التعبئة). أما الذكور فينحصر دورهم غالبًا في الإشراف والخازن والصيانة (مع نسبة قليلة جدًا تعمل على الماكينة).

في ظل هذه الشروط – نعني الكثافة العالية للعمالة النسائية – تكون معدلات الاستغلال الرأسمالي أكبر بكثير من “الظروف العادية”. إذ نجد أن أجور العاملات دائمًا أقل من أجور زملائهن العمال الذين يقومون بنفس العمل في صناعة الملابس الجاهزة (تتراوح أجور العاملات بين 80 إلى 170 جنيه، بينما تتراوح أجور العمال ما بين 170 إلى 300 جنيه – هذا من واقع بيانات عينة من المصانع في شبرا الخيمة). ونجد أيضًا أن سياسة الجزاءات للعاملات تكون على درجة أعلى من القسوة. ففي شركة مصر تايوان، على سبيل المثال، تكون عقوبة الغياب بإذن هي خصم يوم، أما عقوبة الغياب بدون إذن فهي خصم يومين أو أكثر (حسب الظروف). وفي شركة فابلوس تكون عقوبة أي خطأ في الإنتاج هي خصم من يوم إلى يومين بالإضافة إلى خصم ما يسمى “بالانتظام” (ومقداره 20 جنيه). “والانتظام” هو تكتيك استغلالي جديد ابتدعته إدارة الشركة لاستعباد العاملات، وهو حافز يعطي للعاملة فقط إذا لم تغب أو تخطأ مطلقًا طوال الشهر.. أما إذا أخطأت خطأ واحد يرفع عنها الحافز. وبذلك يضمن الرأسمالي الخضوع الكامل للعامل أملاً في الحصول على “الانتظام”.

على هذا المنوال يمكن أن نعدد الأمثلة بدون توقف على تدهور مستويات الأجور وشروط العمل في أوساط عاملات (وعمال) الملابس الجاهزة بالقطاع الخاص وهو القطاع الذي يتزايد وزن عماله النسبي إلى إجمالي عمال الغزل والنسيج والملابس الجاهزة في مصر. ولكن يجدر بنا الآن أن ننظر في العلاقة المتبادلة بين التغير في تكوين ومستويات معيشة هؤلاء العمال والتحول في دورهم النضالي داخل الحركة الكفاحية للطبقة العاملة المصرية.

كفاحات عمال النسيج في المرحلة الأخيرة:
ذكرنا أكثر من مرة في ثنايا هذا المقال أن عمال النسيج لم يعودوا للعب دور الطليعة الوحيدة والأساسية في الحركة العمالية بعد انقضاء عصرهم – وعصر النضال العمالي – “الذهبي” في الأربعينات. ذكرنا أيضًا أن هذا لم يكن معناه توقف هؤلاء العمال عن لعب دور كبير الأهمية في مراحل المد التالية في العقود الأخيرة.

ويمكننا أن ننظر لتطورات الثلاثين سنة الأخيرة نفهم المعنى الملموس لهذه الأحكام العامة.

فمع نهاية الستينات – وبعد انقضاء ما يقرب من عقدين من الخمول النسبي في الحركة العمالية – أظهر التصاعد الجديد للاحتجاجات العمالية كيف أن مركز الثقل في الطبقة العاملة قد تغيرت كثيرًا. فقد أصبحت حلوان – وليشب شبرا أو بدرجة أقل الإسكندرية أو المحلة – هي القائدة الأساسية للحركة في موجة المد في الفترة من 1968 وحتى 1977. فمن المصانع الحربية بحلوان خرجت الشرارة الأساسية لمظاهرات 68 ضد أحكام الطيران ومن مصنع الحديد والصلب بحلوان خرج أهم اضطرابات 1971 احتجاجًا على تخفيض الأجور ومن حلوان خرجت اضطرابات ومظاهرات العمال في يناير 1975 ومن حلوان وادي حوف اندلع أيضًا اضطراب النصر للسيارات في 1976 هذا إضافة إلى عدد مهم من الاضطرابات والاعتصامات الأصغر والأقل شانا وقد كان احتلال حلوان لموقع الصدارة في حركة العمال آنذاك علامة على ظهور فصيل آخر مقاتل في الحركة العمالية تمركز بدرجة أكبر في هذه المنطقة الصناعية الجديدة هو عمال النسيج المعدنية والهندسية والذين فازوا بل وتفوقوا على عمال النسيج في الكفاحية والاستعداد للنضال ظهور هذا الفصيل كان نتيجة للتحول في بنية الطبقة العاملة الذي أحدثته رأسمالية الدولة الناصرية على مدى الخمسينيات والستينيات والذي افرز تكتل عمالي ممركز جديد في صناعات حديثة ومتوسعة. إلا أن كل هذا لم يعن انطفاء دور عمال النسيج في الدلتا والإسكندرية وشبرا بل وفي حلوان أيضًا الذين ظلوا يحتلون موقعًا هامًا في التحركات العمالية أبان هذه الموجة ففي ربيع 1972 اندلعت موجة من الاضطرابات في مصانع النسيج الخاصة بشبرا الخيمة احتجاجًا على تدهور الأجور على مدى 1971 والقسم الأعظم من 1972 وفي سبتمبر 1974 احتل عمال شركة حرير حلوان في حلوان مصنعهم احتجاجًا على الاقتطاع الإجباري من الأجر لصالح المجهود الحربي حيث أن الحرب قد انتهت وبدأت مفاوضات فك الاشتباك ونجح العمال في تخفيض الاقتطاع بـ60% وفي قصره فقد على العمال الذين تزيد أجورهم على 30 جنيه شهريًا وفي 1975 احتل عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة المصنع مطالبين بحصول المجندين العائدين من الجبهة على أجورهم كاملة عن فترة تجنيدهم بل أن شرارة انتفاضة يناير 1977 بدأت بمسيرة لعمال أحد مصانع الغزل في حلوان مصر حلوان للغزل والنسيج قادوا فيها عمال المصانع المجاورة هاتفين بإلغاء قرارات رفع الأسعار هذا عن الموجة 1968 – 1977 أما الموجة التي تلتها – 1984 – 1989 – فقد شهدت أيضًا وقوف عمال النسيج كتفًا بكتف إلى جانب عمال الصناعات المعدنية والهندسية وغيرهم فإلى جانب التحركات الاحتجاجية في النصر للمواسير (1984) وشبرا للصناعات الهندسية (1984) والنصر للسيارات (1984) وأتوبيس شرق الدلتا (1985) والسكة الحديد (1986) والنقل الخفيف (1987) والحديد والصلب (1989)…. وغيرها إلى جانب هذه التحركات نجد نسيج كفر الدوار (1982، والانتفاضة الكبرى في 1984) والنسيج المحلة (1985 و1986 والمظاهرات الهامة في 1988) ونسيج الدقهلية (1984) وسيراتكس (1985) والمنيا للغزل (1983)…الخ.

وبعيدًا عن التشابه بين موجتي المد (في 1968 – 1977 و1984 – 1989) في مسألة بزوغ الدور الطليعي لعمال الصناعات العدنية والهندسية – الخ مع استمرار كفاحية عمال الغزل والنسيج وبعيدًا عن هذا التشابه إلا أنه كان هناك اختلاف مهم فيما بين هاتين الموجتين. فقد أتت الموجة الثانية في ظل احتدام حاد لأزمة الرأسمالية المصرية (صدمة النفط الثانية، أزمة الديون، … الخ)، بينما ارتبطت الموجة الأولى (خاصة في جزئها الأخير) بمرحلة الانتعاش والرواج الماليين الذين شهدتهما مصر في السبعينات وهذا معناه أن الموجة الثانية قد اندلعت في مرحلة كان هامش المناورة والتراجع لدى الرأسمالية المصرية – وقدرتها على تحمل التنازلات الاقتصادية – محدودًا جدًا بسبب الكساد وتراجع الأرباح، تلك كانت الفترة – بعد خبرة 1977 – التي بدأت الطبقة الحاكمة المصرية تبلور فيها بشكل مكتمل سياساتها الهجومية القائمة على التفتيت والعزل (والتي شرحناها في مقال الحركة العمالية والجزر الراهن – الشرارة العدد 6). وهكذا نجد أن الرقم القياسي للأجور الحقيقية للعمال قد زاد في الفترة من 1973 إلى 1977 (النصف الثاني من الموجة الأولى) من 100 إلى 108 في القطاع العام ومن 100 إلى 115 في القطاع الخاص؛ وانخفض في الفترة من 1984 إلى 1978 – (الأربع سنوات الأولى منا موجة الثانية) من 128 إلى 99 في القطاع العام ومن 147 إلى 115 في القطاع الخاص. يدل هذا على أن نضالات أعمال في الموجة الأولى قد استطاعت رفع الأجور إلى أعلى، بينا لم تستطع في الموجة الثانية – وفي ظل الأزمة وتصميم الرأسمالية على الهجوم – أن توقف التراجع في الأجور على هذا الأساس وحده يمكننا أن نفهم لماذا تكثفت وتبلورت، بأكثر الدرجات نقاء السمات الرئيسية للحركة العمالية المصرية في مرحلتها الأخيرة (الـ 15 سنة الماضية) في أوساط عمال الغزل والنسيج بالذات. سبب ذلك هو أن قطاع صناعة النسيج كان، كما سبق وأن ذكرنا، أكثر قطاعات الصناعة المصرية تعرضا للأزمة. وهو ما عنى أن عمال النسيج كانوا أكثر فصائل العمال تعرضا للسياسة الهجومية الجديدة للطبقة الحاكمة لأن هذه الأخيرة كانت أكثر تصميمًا – واضطرارًا – لإتباع تكتيكاتها الهجومية معهم.

لذلك وجدنا أنه بالرغم من أن بعض من أهم احتجاجات عمال النسيج في الفترة من 1984 إلى 1989 كان هجومًا (على سبيل المثال إضراب إسكو 1986 الشهير الذي نجح في أن يحقق. لكل عمال النسيج مطلب احتساب الجمع أيام عمل بأجر)؛ بالرغم من ذلك إلا أن الطابع الدفاعي للنضالات كان قد بدأ في التزايد (مظاهرات المحلة 1988 – إضراب كفر الدوار 1984). أيضًا وجدنا في هذه الفترة أن السمات الأساسية الأخرى للنضالات المالية كانت تظهر أول ما تظهر في أوساط عمال النسيج: القمع الشديد من جانب النظام تعبيرًا عن عدم القدرة على تحمل أي تصاعد في النضال العمالي (كفر الدوار 1984)؛ العداء من جانب العمال للنقابات المصنعية التي بدأت في ظل التأزم تأخذ جانب الإدارة (كفر الدوار 1984)؛ تكرار الإضرابات في الموقع العمالي الواحد للحصول على مطلب لا يتحقق (كفر الدوار 82، 84، المحلة 85، 86، 88)… الخ.

في السنوات الأخيرة – وبعد انحسار موجة التصاعد في الحركة العمالية بعد 1989 بدأت سمات الدفاعية والتشتت في نضالات عمال النسيج تأخذ أبعادًا جديدة أكثر عمقًا: وهذا أمر مفهوم تمامًا. فمع اشتداد وطأة الأزمة، ومع ظهور قانون قطاع الأعمال 203 في 1991 (وهو القانون الذي قنن التفاوض المستقل مع الشركات القابضة والتابعة على الأجور… أي الذي قنن سياسات العزل والتشتيت، لم يعد الهجوم على عمال النسيج – بالذات في القطاع العام – أكثر ضرورة وإلحاحًا فقط، وإنما أصبح، بدرجة ما، أقل صعوبة (بسبب تقلص عددهم، وسيادة الجزر والإحباط في أوساطهم…الخ).

وهكذا كان الهجوم يتكثف، في نفس الوقت الذي كان فيه نضال العمال يأخذ طابعًا أكثر دفاعية، أكثر فجائية وانفجارًا، أقل تنظيمًا وتراكما. الأمر الأكيد، في هذا الشأن، هو أنه بينما كانت الانفجاريات النضالية المجيدة لعمال النسيج تضع العصا في عجلة الهجوم الرأسمالي، إلا أنها لم تعكن تعكس الاتجاه من الدفاع إلى الهجوم. إذ كانت الرأسمالية تعيد الكرة مرة أخرى بعد هدوء العاصفة (وهو ما يعكس بدرجة كبيرة – كما سبق وإن قلنا – أزمة الرأسمالية في صناعة النسيج).

نستطيع أن نتلمس المعنى الواقعي لتصميم الرأسمالية على الهجوم، إذا ما نظرنا إلى مثال مصنع سجاد المحلة الشهير كعينة. فلقد اندلعت في هذا المصنع في العام الماضي وحده 4 إضرابات واعتصامات (ما يمثل نسبة 45% من احتجاجات عمال النسيج في 1996)، إضافة إلى اعتصامات جديد هذا العام. ولكن بالرغم من كل هذه الاحتجاجات (الدفاعية) ضد سياسات تخفيض الحوافز والمنح… الخ، إلا أن الإدارة مضت على عزمها في تنفيذ هذه السياسات (مع قليل من التنازلات). بل أن الصحف طالعتنا في الأيام الأخيرة بأخبار عن صفقة حكومية “لإنفاذ” المصنع. تتضمن الصفقة تسريح 586 عامل من عمال المصنع بطرق مختلفة (300 سيسون معاشهم، 236 سيحولون إلى التحكيم الطبي لإحالتهم للتقاعد، 150ستنهي عقودهم المؤقتة). أي أن أكثر من ربع عمال المصنع (وعددهم 2100) سيفقدون وظائفهم من أجل إنقاذه – ونستطيع أن نقول شيئًا مماثلاً عن عدد كبير آخر من مصانع النسيج إذ، لم تستطيع الحركة العمالية حتى الآن أن تفعل أكثر من أبطاء الهجوم، وبالطبع لا أحد يستطيع أن يتوقع بالضبط ما هو الشكل الذي سيأخذه التصاعد القادم في الحركة العمالية. ولكن المؤشرات والظروف التي حللناها في هذا المقال تشير إلى أنه إذا ظلت أزمة الرأسمالية في قطاع النسيج على حالها، فسوف يكون من الصعب توقع أن تأتي مبادرة الهجوم على الرأسمالية من أوساطهم بسبب عدم قدرة الرأسمالية على إعطائهم أيه تنازلات. الأغلب، وهذا بالطبع أمر غير أكيد، أن تأتي المبادرة من أوساط فروع صناعية أقل تأزمًا (مثلاً صناعة الملابس الجاهزة، أو الصناعات الغذائية بالقطاع العام والخاص، أو صناعة السيارات المتوسعة..) ولكن بالطبع مع اشتداد عود التصاعد، وبدء بوادر انقلاب في الميزان الطبقي لصالح العمال فسوف يلحق عمال النسيج برفاقهم في القطاعات الأخرى.

ولكن بغض النظر عن مدى صحة أو خطأ هذا التوقع المحتمل، فإن الأمر الأكيد هو ما ذكرناه في نهاية مقال الحركة العمالية والسياسة الثورية في ظل الجزر الراهن من أن “الحاجة إلى منظمة ثورية أكثر إلحاحًا الآن من أي وقت مضى”. وهذا لأن تصميم الرأسمالية على المضي قدمًا في سياسات تشديد الاستغلال سيفرض علينا معارك صعبة الانتصار فيها سيعتمد بدرجة كبيرة على “وجود قوة سياسة منظمة تناضل من أجل ربط المعارك الجزئية ببعضها البعض، من أجل إعطاء هذه المعارك طابع سياسي طبقي”.