بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أحمد دومة أو كيف يُعاقَب الحالمون في زمن الثورة المضادة

فقر الخيال يُنتج فقر الحال، لأنّ الواقع في نهاية المطاف هو الابن الشرعيّ لما نجرؤ، أو لا نجرؤ، على تصوّره، وكلّ تجمّدٍ في الواقع يبدأ بتجمّدٍ في الذهن. واللحظة التي نميّز فيها بين الخوف والحكمة، بين العجز والتطبيع، بين النجاة والتمحور حول الذات… هي اللحظة التي يبدأ فيها الخيال باستعادة وظيفته الأخلاقية: فتح نافذةٍ في جدارٍ ظنناه قدرًا.

 

هكذا كتب شاعرٌ وكاتبٌ وثائرٌ مصري شاب؛ رجلٌ خاصمته الأنظمة المصرية المتعاقبة، واخرها بأن حُكم عليه بحبس لمدة سنة بسبب مقال، ولأنه ظل وفيًّا لفكرةٍ استقرت في وجدانه منذ الطفولة، ولم يساوم عليها يومًا. فكرة بسيطة في جوهرها، عصيّة في تحقيقها: أن يكون هذا العالم أقل قسوةً وأكثر اتساعًا للناس. عالمًا بلا احتلالٍ أو تعذيب، بلا سجونٍ أو قمع، بلا ظلمٍ أو جوع.

 

حلمٌ ظل يطارده ويطارَد بسببه، ويتمسك به كلما بدا أبعد منالًا، بل وكتب لنا من محبسه:

“ومفيش جبل عاصم

م اليأس غير الحلم

فاتمسّكوا بخطاه

مهما يبان مجنون

واتحسّسوا نوره

في عتمة الكوابيس”

ولكني أسبق الحدوتة، معلش.

فلنعد إلى البداية.

 

كان يا ما كان، في أحد مراكز البحيرة، وُلد طفل سُمّي أحمد. ترعرع في بيئة شجعته على البحث عن الحق، وتشكلت بوصلته مبكرًا مع انتفاضة الحجارة أولًا، ثم انتفاضة القدس، ثم غزو العراق. هكذا تُصاغ الأعمار في دوائرنا؛ لا بتاريخ ميلادنا، بل بالأحداث الجِسام — نكبةً كانت أو مقاومة، هزيمةً أو انتصارًا.

 

ولم يكن تكوين أحمد دومة مختلفًا عن ذلك أبدًا.

 

ولم يلبث ذلك الطفل أن وجد نفسه في قلب زمنٍ يغلي. كانت حركة كفاية قد خرجت إلى الشوارع حاملةً شعار التغيير، وبدأت أفكارها تمتد في كل اتجاه، حملت اسمها بين الطلاب والعمال والصحفيين. هكذا كانت السياسة تُغادر مقار الأحزاب المغلقة إلى الشوارع والجامعات والنقابات، وكانت أسئلة الحرية تجد طريقها إلى أجيال جديدة.

 

وفي تلك اللحظة التاريخية، كان أحمد دومة فتىً لم يبلغ العشرين بعد. في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، وربما قبل ذلك بقليل، كان يهتف في المظاهرات، ويوزع المنشورات، ويحضر الاجتماعات. يتعلم السياسة كما يتعلم أبناء جيله الحياة نفسها؛ بالمشاركة لا بالمشاهدة، وبالفعل لا بالفرجة.

 

ومع كل هتاف، وكل وقفة احتجاجية، وكل نقاشٍ امتد لساعات، كانت تتشكل لديه، ولدى الآلاف من أبناء جيله، قناعةٌ ستلازمه طويلًا: أن القدس والقاهرة ليستا قضيتين منفصلتين. وأن الطريق إلى الأولى يمر حتمًا عبر الثانية. فكما تشكل وعيه على صور الانتفاضة والحصار والمقاومة، أدرك مبكرًا أن معركة الحرية واحدة، وأن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير الإنسان.

 

لم يحصر دومة نضاله في فئة دون أخرى — فناصر الطلبة والعمال والمهنيين على حدٍّ سواء. حضر انتفاضة القضاة عام 2006، وساهم في ميلاد حركة 6 إبريل تلبيةً لنداء عمال المحلة عام 2008، فانتفض معهم ولهم وكان من أكثر كوادرها عملًا وانضباطًا… ثم دافع عن معتقلي الحركة الوليدة وعمال الإضراب.

 

كان دومة طالبًا بكلية الحقوق بجامعة طنطا حين اندلعت معركة الفرقان في غزة في ديسمبر 2008. ولأن فلسطين كانت دائمًا أساس بوصلته ومرتكز وعيه، هبّ لنصرتها ولَبّى نداءها. وفي يناير 2009، توجّه إلى غزة برفقة عدد من نشطاء مناهضة الحرب وأعضاء حركة كفاية، متضامنًا ومدافعًا ومحبًا.

 

وعند عودته إلى مصر عبر معبر رفح في 4 فبراير 2009، ألقت أجهزة أمن الدولة القبض عليه، واتُهم بمحاولة عبور الحدود الشرقية بصورة غير قانونية.

 

وبعد أيام قليلة، أُحيل إلى محاكمة عسكرية رغم كونه مدنيًا وطالبًا، وصدر بحقه حكم بالحبس لمدة عام مع غرامة مالية. وخلال نقله إلى السجن تعرّض لتعذيب شديد، شمل الضرب والتعليق من الذراعين، ما أدى إلى إصابة بالغة في أحد ذراعيه. ورغم تقديم شكاوى رسمية، لم تُفتح تحقيقات جادة بشأن الانتهاكات التي تعرّض لها.

 

ولم تتوقف معاناته عند ذلك الحد؛ ففي أواخر عام 2009، وأثناء مطالبته بالسماح له بأداء امتحاناته الجامعية، تعرّض مجددًا للتعذيب وسوء المعاملة داخل محبسه، وتعرض لتهديدات بإعادة محاكمته في قضايا جديدة استنادًا إلى اعترافات تُنتزع تحت الإكراه.

 

لم يسلب السجن حلمه، بل عززه، فخرج من المعتقل إلى الشارع “حدف”، كمن يخرج من الظلمة حاملاً الضوء.

 

أظن أنه عرف منذ البداية حقيقة السجن وموقعه فيه: موقعه هو، الثائر، وموقع السجن منه، الثمن.

 

أظن أنه أدرك منذ البداية واقع السجن وموقعه (موقعه هو، الثائر، وموقع السجن منه، الثمن). فقد عرف دومة عدوه منذ الصغر: الدولة. من حاصر وجوّع غزة؟ من قمع مظاهرات التضامن مع فلسطين ولبنان والعراق؟ من خطف الرفاق من بيوتهم وروع أهاليهم؟ من بطش بالعمال لحساب أصحاب رؤوس الأموال؟ من احتفل، لا مباليًا، أثناء غرق عبارة حملت مئات من المصريين؟ من خصخص وقشّف وأفقر وأمرض وعذّب وقتل الشعب؟

 

أدرك هو أن من يخون الشعوب باسم السلام ومن يقمع باسم الاستقرار سيبطش بكل من يعارضه. ثمن المعارضة التضييق أو الملاحقة أو السجن أو التعذيب أو القتل…أو خليط من هذه الأشياء. ومع ذلك، لم يكبّل هو لسانه يومًا. هل يقوم بوظيفة الدولة في القمع الممنهج للذات؟ أبدًا.

 

هو الذي حفر اسمه على جدران أحد معتقلات أمن الدولة بأظافره حتى سال دمه…آملًا أن يكتشف أحدهم يومًا أنه كان هنا، أن يقرأ في جرح الجدران قصة من لم يخضع.

 

فقولوا عنه ما شئتم: مجنون، طائش، فوضوي…لكنه لم يكن يومًا جبانًا.

 

كتب في سلسلة “لذا لزم التنويه” عن السجن:

“لا يبدو الأمرُ مستحقّا، سينقضي السجن حين ينقضي، والنجاة في تجنّب الصدام، الاختباء حتى تنتهي المأساة، فـ”كلّ رأسٍ بارزٍ سيقطع” كما قيل لي هناك، ويقال لي في كلّ وقت.

 

لكن فات القائلين والمصدّقين أنه لا يُدفن رأسه إلا ميّت، ولا أحد يعرف تحديدا النقطة التي سيبدأ فيها الانزلاق، فقط سيدرك -متأخّرا- وهو يسقط، أن خطوة ما سبقت أوصلته لهذا القاع، كانت تنازلا فاعتيادا، ثم سقوطا.

 

والتجنّب لا يجدي ولا يحمي، بل يجعلك أنت الضحيّة القادمة، ولو أوقفت الجريمة قبل أن تصل لغيرك لندر أن تصل إليك.

 

يشبه الأمر منطق “القُطريين” في استيعاب أمنهم القومي (داخل حدود كلّ قُطر)، والنتيجة معروفة للجميع، ويمكن مشاهدتها على الهواء وفي الواقع: أنت التالي؛ إذ لا طريقة للدفاع عن حقوقك لا يسبقها النضال من أجل الآخرين وحقوقهم، يستوي في هذا حقوقك السجنيّة، كما علاقتك مع الاحتلال.

 

ولولا اعتياد الانتهاكات، واعتياد الخنوع، واعتياد “كامب ديڤيد” واعتياد الوساطة الكذابة، واعتياد التنسيق الأمني، واعتياد حصار الأهل،[…] واعتياد القمع والحبس والتقتيل داخلا.. لولا هذه السلسلة من الاعتيادات، لو خاض الكلّ معركته الأخيرة/الوحيدة في انزلاقتنا الأولى، لما حصلت الإبادة ربّما، ولما كان الحال هو الحال.”

 

لا أعلم إن كان قد أدرك أنه سيخرج على مشارف أكبر ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث وأنه “هيحاسب على مشاريب” المئات تعذيبًا وسجنًا…ولكنني، كعادتي، أسبق الحدوتة.

 

في يونيو 2010، بعد أربعة أشهر من خروجه من السجن، قُتل خالد سعيد على يد شرطيين في سيدي جابر، الإسكندرية.

 

انضم دومة، فورًا، إلى المظاهرات التي اندلعت مطالبةً بالقصاص لخالد سعيد ومحاسبة قاتليه. وفي يوليو 2010 شارك في تأسيس حركة شباب من أجل العدالة والحرية، وكانت إحدى الحركات الشبابية المستقلة التي ضمت شباب من مختلف المعسكرات بهدف الضغط الشعبي لتحقيق العدالة والحرية، قبيل ثورة 25 يناير.

 

كما شارك دومة في الوقفات الاحتجاجية أمام مقرات الصحف القومية التي نشرت الرواية الكاذبة التي لقّنتها لها السلطة، كأن المعركة لم تكن على الحقيقة وحدها، بل على حق الناس في أن يسمّوا الأشياء بأسمائها.

 

وكان في الصفوف الأولى بين من دعوا إلى النزول يوم 25 يناير. بل كان من أوائل من حضروا إلى الشارع في ذلك الصباح الذي بدا عاديًا قبل أن يغيّر وجه البلاد. دخل ميدان التحرير، مثل آلاف النشطاء والمنظمين والعمال والطلاب، حاملين أحلامهم على أكتافهم كما يحمل المسافر زاده الأخير، هاتفين: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».

 

انخرط دومة في الجموع اختيارًا لا اضطرارًا. لم يختبئ خلف الهتاف، بل نزل إلى قلبه. وأخذ نصيبه ــ وزيادة ــ من الضرب والسبّ والسحل والرصاص. أينما كانت معركة، كان أحمد دومة. يهتف أحيانًا، ويقتلع بلاط الشارع أحيانًا أخرى. ينقل المصابين إن لم يكن هو المصاب، ويعود إلى الصفوف قبل أن يجف الدم عن وجهه. كان يحاول أن يحمي من حوله بجسده النحيل، كأنما يذود عن الحلم نفسه لا عن أصحابه؛ كأن سقوط جسدٍ أهون عنده من أن يسقط المعنى الذي خرجوا من أجله إلى الشوارع.

أنا كنت بحوط على حلمنا

بهتاف ببعته مع كسر بلاط

وأنا كلّي لسان

فـ دروعهم قد تمنع طوبي

لكن ولا مرة حدفت هتاف

وفشل في إهانة الظباط

أنا كلّي لسان، لكن برضه

مشهود لي فـ عمر ما 

خاب لي نشان”

ميدان التحرير يشهد ولاظوغلي يشهد ومحمد محمود يشهد ومجلس الوزراء يشهد…

ولم يكن طريقه بعد الثورة أقل وعورة مما كان قبلها.

 

في يناير 2012، اعتُقل دومة على خلفية مشاركته في اعتصام مجلس الوزراء. كان في الخامسة والعشرين من عمره، وما يزال يعتقد، مثل كثيرين من أبناء جيله، أن الثورة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد. خرج بعد ثلاثة أشهر، ثم عاد إلى الشارع، كما اعتاد دائمًا. لم يتعامل مع السجن باعتباره استثناءً في حياته، بل باعتباره أحد الأثمان المتوقعة لطريق اختاره بإرادته منذ سنوات.

 

وحين وصل محمد مرسي إلى الرئاسة، كأول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، لم يبدّل دومة موقعه. لم يكن من أولئك الذين يغيّرون بوصلتهم بتغيّر ساكن القصر الجمهوري. استمر في انتقاد السلطة الجديدة بالحدة نفسها التي انتقد بها من سبقوها، ودفع الثمن سريعًا.

 

في ربيع 2013، أُلقي القبض عليه بعد تصريحات هاجم فيها الرئيس المنتخب واتهمه بالمسؤولية عن العنف الذي شهدته البلاد آنذاك. وحُكم عليه بالحبس ستة أشهر بتهم من بينها إهانة الرئيس ونشر أخبار اعتبرتها المحكمة مضللة. قضى في السجن عدة أسابيع ثم خرج.

 

لكن السنوات التالية كانت أشد قسوة.

 

ففي ديسمبر 2013، وبينما كانت البلاد تدخل مرحلة جديدة من الإغلاق والقمع بعد انقلاب 3 يوليو، أُعيد اعتقاله ضمن موجة واسعة أعقبت صدور قانون التظاهر. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السجن مجرد محطة عابرة، بل صار زمنًا كاملًا يُقاس بالأبواب الحديدية والزيارات الممنوعة وعدّ الأيام.

 

قضى سنوات طويلة من الحبس الانفرادي. أكثر من اثنتين وعشرين ساعة يوميًا داخل زنزانة ضيقة. حرمان من العلاج، وعزلة ممتدة، وجسد يتآكل ببطء. آلام في الظهر والركبتين من قلة الحركة، ضغط دم مرتفع، أرق لا ينتهي، صداع دائم، اكتئاب ونوبات هلع. كأن العقاب لم يكن موجهًا إلى الحرية وحدها، بل إلى الجسد نفسه؛ إلى العظام والأعصاب والذاكرة.

 

ولم يكن الخلاف حول دومة يومًا مقتصرًا على السلطة. فبينما رأى فيه كثيرون واحدًا من أكثر أبناء يناير دفعًا للثمن، رجلًا ابتلعت السجون سنوات شبابه حتى بدا كأنه سجين العصور كلها، رأى آخرون أنه يدفع كذلك ثمن خياراته السياسية وأخطائه، وثمن رهاناتٍ خسرها كما خسرها كثيرون في تلك السنوات المضطربة.

 

لكن السجن، في النهاية، لا يفرّق بين التأويلات.

 

وقد انتهت القضية التي حوكم “بسببها”، المعروفة إعلاميًا بقضية «أحداث مجلس الوزراء»  بأحكام ثقيلة، بدأت الرحلة بحكمٍ بالمؤبد، قبل أن يُعاد نظر القضية ويُخفّض الحكم إلى خمسة عشر عامًا.

 

ثم، على نحوٍ لم يتوقعه كثيرون، خرج أحمد دومة من السجن في أغسطس 2023 بعفوٍ رئاسي، بعد ما يقارب عقدًا كاملًا خلف القضبان.

 

خرج إلى بلدٍ غير البلد الذي تركه.

 

وجد رفاقًا تفرقت بهم الطرق: هذا في السجن، وذاك في المنفى، وثالثًا أنهكه الاكتئاب، ورابعًا اختار العزلة بعد أن أثقلته الهزائم. وكان الحلم نفسه قد شاخ قليلًا؛ أقل صخبًا، وأكثر وحدة.

 

ولذلك اندهشت من أولئك الذين ظنوا أنه سيخرج مستعدًا لكسر سيفه، أو للتصالح مع ما قضى عمره في مقاومته، بذريعة «الحفاظ على حريته». كأنهم لم يفهموا يومًا أن الحرية التي تُمنح “من أعلى” وبأي شرط ليست حرية أصلًا، وأن الرجل عرف منذ البداية طبيعة الثمن الذي قد يدفعه مقابل كلماته.

 

“ولعلّ هذه الاختطافة التي تعرّضتُ لها بين حضور اللقاء مع ناصر [الأسير الفلسطيني المحرر ناصر أبو سرور] وبين الكتابة عنه برهانٌ على ما أودّ تناوله: أيّ وطنٍ هذا الذي يكلفك كتابة مقال فيه حرّيتك وسلامتك وأمنك وأموالك؟ وأفكّر الآن مرارًا قبل كتابة كلّ جملة “أيّ منها سيقتادني به إلى التحقيق أو السجن؟”.

 

ثم جاء طوفان الأقصى، بعد خروجه بأقل من شهرين. وبعده بأسبوع واحد فقط، كان أحمد دومة مرفوعًا على الأكتاف في جموع متظاهرين على سلالم نقابة الصحفيين، يهتف لغزة، وللقسام، كأن عشرين عامًا لم تمرّ، وكأن الزمن لم يتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام.

 

كان المشهد مفاجئًا لكثير من الشباب؛ وبدوره بدا هو نفسه كأنه يُفاجأ بهم. دهشة متبادلة، بين جيلٍ يظن أنه يبتكر غضبه من جديد، ورجلٍ سبق أن عاش الغضب نفسه بأشكال أخرى، في زمنٍ آخر ووجوهٍ أخرى.

 

هناك، في ذلك التلاقي العابر بين الأزمنة، بدا وكأن الانتفاضة الثانية تعود بصورة أخرى، وأن ما يحدث ليس بداية جديدة بقدر ما هو استئناف لحكاية لم تُغلق تمامًا.

 

وكأنه، فجأة، يجد نفسه يشهد ميلاد جيلٍ جديد من المكان نفسه الذي شهد فيه ميلاده هو قبل سنوات.

 

لا أظن أن أحدًا من صفوف “جيل يناير” أحبّ الأجيال “الصغيرة” كما أحبها أحمد دومة؛ العالقين منهم في هذه البلاد، والعالقين في المنافي، بكل تشتتاهم، وأثقالهم، وندوبهم الصغيرة والكبيرة….

 

كأنه، منذ خروجه، اختار عن قصدٍ وحسمٍ أن يكون جسرًا. لا بطلاً يقف في مواجهة الحكاية وحده، ولا شاهدًا يراقبها من بعيد، بل جسرًا يُضفِّر من خبرته، ووقته، وجهده، وذاكرته، وحتى من أنسجة قلبه المتعبة، طريقًا يعبرون عليه هم (نحن) إلى الحلم.

كتب لنا في فبراير:

“الحياة لا تنتصر بضربة قاضية، ولا بثورة مكتملة من أوّل محاولة، ولا بعبور واحد حاسم، بل تنتصر بسلسلة جسور قصيرة، مُنهكة، بعضها يتشقّق، وبعضها ينهار بعد أن يؤدي مهمّته، لكنها تظلّ متصلة. السؤال إذن ليس أخلاقيًا: من يضحي؟ ولا ذاتيًا: متى أستريح وأعيش؟ بل بنيوي: من يشغل موقع الوساطة حين تتطلّبه اللحظة؟ ومن يضمن ألا يتحوّل الانكسار إلى قطيعة كاملة؟

 

حين يغيب الجسر، لا تكون هناك هزيمة فحسب، بل انقطاع في إمكانية التعلّم، تجنّب الأخطاء، والبناء. وحين يوجد، حتى لو كان هشًا ومؤقتًا، حتى لو تحطّم تحت أقدام العابرين، تظلّ السلسلة قابلة للاستئناف.”

 

أدرك هو، كعادته، ما لم يدركه كثيرون من أبناء جيله. أن الهزيمة حقيقية، لكنها ليست قدرًا نهائيًا، وأن الحلم لا يبتعد بقدر ما يُثقل حين يُترك وحده، وأنه لا يحتاج سوى من يحمله في قلوبهم بصدق، ويسعون نحوه بخطوات ثابتة…وإن كانت بطيئة.

 

وبين قبضةٍ وأخرى، واستدعاءٍ وآخر — وقد كانت سبعة، كما لو أن الرقم نفسه صار علامةً على استمرار الحكاية — كان يخرج في كل مرة، لا كمن عبر تجربةً وانتهت، بل كمن لم يغادرها أصلًا، يطلّ منها كما يطلّ من نافذةٍ لم تُغلق، ليسألنا: “ها؟ عملتوا إيه؟”

 

يتحدث بعض رفاقه وأحبابه عنه اليوم، بعد القبض عليه في 6 إبريل الماضي بسبب مقال “من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن” ومحاكمته بتهم  نشر أخبار كاذبة داخل وخارج البلاد، بثنائية الأمل واليأس (التعيسة،المؤلمة)…ألم يتعلموا منه شيئًا؟ وقد صرخ فينا مرارًا وتكرارًا: “لا يأس ولا أمل، فقط أداء دور.”

 

أدّوا أدواركم. كلٌّ على متاريسه: تثقيفًا، وكتابةً، وتنظيمًا. لا حياد هنا، ولا مسافة آمنة من المعركة.

 

كل معركة، حتى حين تُقدَّم على أنها “إصلاحية”، هي معركتنا. وكل مواجهة ضد الظلم والاستغلال هي معركتنا، بلا استثناء ولا تأجيل.

 

المعارك ليست متفرقة كما يريدون لنا أن نراها. هي شبكة واحدة، جذرها واحد، وخصمها واحد، وإن تعددت أسماؤه وواجهاته.

 

معركة حرية دومة وسائر المعتقلين ليست قضية منفصلة، بل امتداد مباشر لإضراب عمال وبريات سمنود، ولصوت أهالي جزيرة الوراق، وللقبض على فتيات بتهم “خدش الحياء” و”قيم الأسرة المصرية”، ولغيرها من المعارك التي تُخاض في المصانع، وفي الشوارع، وفي الزنازين، وفي هوامش المدن.

 

كلها جبهات لحربٍ واحدة بين الثورة والثورة المضادة.

 

ولأجل راحة بالي (وخوفًا من توبيخه)، أردت أن أوضح أني لم أسعى هنا إلى صناعة أسطورة. أكره الأصنام، وأظنه يكرهها أكثر.

 

أختلف مع أحمد دومة في أشياء كثيرة. أعتقد أنه أضاع فرصًا ثمينة أحيانًا، وأن الغضب قاده في بعض اللحظات أكثر مما قادته الحكمة. وأرى أنه بالغ، مثل كثيرين من أبناء جيله، في الرهان على عفوية الجموع وقدرتها وحدها على إنجاز الحلم، دون ما يكفي من التنظيم أو البناء أو التراكم.

 

أخطأ. وأصاب. وألحق الأذى بغيره أحيانًا، كما نفعل جميعًا حين نحاول أن نشق طريقنا وسط التاريخ وهو يتداعى فوق رؤوسنا.

 

لكن ثمة أمرًا ظل يميزه في نظري. فعلى خلاف كثيرين في المعارضة المصرية، لم يتعامل مع المراجعة باعتبارها هزيمة، ولا مع الاعتراف بالخطأ باعتباره فضيحة. راجع نفسه علنًا، وتراجع عن مواقف رآها خاطئة، وتمسك بما ظل يراه حقًا. لم يبحث عن وسيلة ليبدو معصومًا، بل عن وسيلة ليصبح أكثر اتساقًا مع بوصلته.

 

ولهذا، إن سُئلت لماذا أحترم أحمد دومة، فلن أقول بسبب سنوات السجن، ولا بسبب الهتافات، ولا بسبب البطولة التي يحب الناس أن ينسجوها حول من يعجبون بهم. أحترمه لسببٍ أبسط من ذلك كله، وأندر منه: لأنه يحاول دائمًا أن يكون صادقًا.

 

الحرية لدومة…وللحدوتة بقية.