بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) - 19 أغسطس 2019

اتفاق السودان: هزيمة أم انتصار؟

من يتابع التغطية الإعلامية وتحليلات المعلقين والخبراء حول اتفاق الوثيقة الدستورية في السودان يتصور أننا أمام انتصار للثورة السودانية، ووثبة نحو الديمقراطية والسلام والتقدم في بلد عانى لعقود من الاستبداد والحروب والفساد والفقر المدقع لغالبية سكانه. يُصوَّر قادة قوى الحرية والتغيير على أنهم يمثلون نموذجًا للحكمة والتعقل؛ فالتمادي في المطالب الثورية ومحاولة إحداث تغييرات جذرية لا يؤدي سوى إلى الفوضى والهزيمة. أما التفاوض الدائم والبحث عن حلول وسط والمساومة مع النظام القديم يمكن أن يؤدي إلى خطوة إلى الأمام مهما بدت بسيطة ومحفوفة بالمخاطر. يبدو أن هذا هو المنطق المهيمن.

ولكن من يتأمل حفل توقيع الاتفاقية ومن يقرأ بنود الاتفاق لا يمكنه إلا أن يصل إلى استنتاجات معاكسة لتلك الرؤية الإعلامية الوردية.

لنأخذ خطوة إلى الوراء ونتذكر أسباب وأهداف الثورة السودانية. فالثورة بدأت بمظاهرات في ديسمبر الماضي ضد ارتفاع الأسعار (في مدينة عطبرة العمالية) وضد السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي أفقرت غالبية السودانيين لمصلحة طبقة من كبار رجال الأعمال والعسكر ورجال الدولة الفاسدين.

كان ذلك المحور الأول للثورة السودانية: محور العدالة الاجتماعية، انتفاضة جماهيرية واسعة النطاق شارك فيها العمال والعاطلين وفقراء المدن والطلاب.

أما المحور الثاني فكان ضد الاستبداد العسكري الإسلامي في السودان. ثلاثون عامًا من الديكتاتورية العسكرية بواجهة أيديولوجية وسياسية إسلامية، لم تكن في حقيقتها سوى آلة ضخمة للقتل والاغتصاب والحرق والاعتقال باسم الدين ولمصلحة كبار العسكر وحلفائهم. محور الديمقراطية وإنهاء الديكتاتورية العسكرية كانت في القلب من التعبئة الجماهيرية الواسعة، خاصة من قبل تجمعات المهنيين وطلاب الجامعات السودانية.

المحور الثالث للثورة كان انتفاضة القطاعات المهمشة من الشعب السوداني -إثنيًا وثقافيًا ودينيًا وجغرافيًا. فالثروة والسلطة في السودان تتركزان في المنطقة الشمالية وينعكس ذلك في تركز الخدمات التعليمية والصحية والاستثمارات الاقتصادية وشبكات الكهرباء والمواصلات. وينعكس أيضًا في محاولة عنصرية للسلطة العسكرية في الخرطوم لفرض الهيمنة الثقافية والدينية واللغوية على جميع قطاعات الشعب السوداني باستخدام كافة السبل، من التطهير العرقي إلى فرض الشريعة الإسلامية بقوة السلاح. ثورة المهمشين في دارفور والنيل الأزرق وكردفان وجبال النوبة وشرق السودان والجنوبيين الذين مازالو يعيشون في الشمال هي مكون رئيسي من مكونات الثورة السودانية.

اتفاق الوثيقة الدستورية التي يُحتَفَى بها اليوم لا تلبي بأي شكل من الأشكال أيًا من هذه المحاور الثلاث للثورة السودانية.

فأولًا السياسات الاقتصادية ستستمر كما هي، بل من المرشح أن تُكثَّف بحجة إعادة السودان للمجتمع الدولي، أي تكثيف نفوذ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبالتالي صندوق النقد والبنك الدوليين. هذا يعني، وكما هو الحال في مصر، استمرار سياسات الإفقار والتقشف وإلغاء الدعم لصالح الشركات الكبرى ورجال الأعمال، بحجة ضرورة الإصلاح الإقتصادي وإخراج السودان من “عنق الزجاجة” والمضي قدمًا في خطط التنمية. وقد بدأت بالفعل النداءات من قبل قادة تحالف الحرية والتغيير لضرورة العودة إلى العمل لبناء السودان الجديد، بنفس السياسات ومن أجل نفس المصالح التي أفقرت غالبية الشعب السوداني في السودان القديم والتي فجرت ثورته العظيمة.

وماذا عن الديمقراطية وإنهاء سلطة العسكر؟ الجواب بسيط، فالمجلس السيادي الذي سيحكم السودان في الفترة الانتقالية والذي تنص عليه الاتفاقية سيكون نصفه من نفس عسكر البشير، بل من قلب النظام القديم، بما في ذلك من أمروا ودبروا وخططوا مذبحة اعتصام القيادة العامة، والتي كان من أهم مطالب الثورة خلعهم من السلطة ومحاكمتهم. البرهان وحميدتي ورفاقهم من قتلة البشير سيظلون في المجلس السيادي للسنوات الثلاث القادمة، بل أن رئاسة المجلس ستكون لهؤلاء العسكر للشهور الـ21 الأولى! بالله عليكم كيف يكون ذلك انتصارًا للديمقراطية في السودان؟

ولعل ما يؤكد أن ما نشهده اليوم في السودان هو استمرار للنظام القديم مع بعض التنازلات الشكلية للأحزاب “المدنية” التقليدية هو ما يحدث في محاكمة عمر البشير نفسه. فهو لا يُحاكَم على أي من جرائمه التاريخية في حق الشعب السوداني. لا مجازر دارفور ولا حربه القذرة ضد الجنوب، ولا سياساته العنصرية. يُحاكَم اليوم فقط على تهم فساد تتعلق بثروته الشخصية، ومن المؤكد أن المحاكمة سيتم تسويفها وستنتهي بأحكام هزلية كما في حالة حسني مبارك. أم أنكم تعتقدون أن القضاء مستقلًا في السودان وليس تحت سيطرة العسكر كإخوانهم في مصر؟

أما العنصر الثالث، انتفاضة الأقاليم السودانية المهمشة فيكفي الإشارة إلى أن الجبهة الثورية الممثلة للقوى السياسية والمسلحة للأقاليم السودانية لم تشارك في التوقيع على الاتفاق. بل أن الأحزاب البرجوازية التقليدية السودانية (صادق المهدي وأمثاله) يمثلون نفس مصالح النخبة الشمالية التي يمثلها شركائهم العسكريين. أي أن الاتفاق ليس مرشحًا لإنهاء الحرب على الأقاليم المهمشة وبالتأكيد لن يعيد توزيع الثروة والسلطة بين مختلف الأقاليم السودانية. بل من المرجح أن تكثف النخبة الشمالية العسكرية المدنية من قبضتها على الأقاليم السودانية بحجة الحفاظ على وحدة السودان.

إذن ما الذي يتغير مع هذا الاتفاق؟ وهنا يظهر على الفور أسباب الإحتفاء الإعلامي والإقليمي. الاتفاق يمثل تخلي العسكر في السودان عن تحالفهم مع القوى الإسلامية لصالح تحالف جديد مع القوى “المدنية”. استبدل العسكر القناع الإسلامي بقناع مدني. الكثير سيعتبرون هذا انتصارًا في حد ذاته، فإخراج الإسلاميين من معادلة السلطة في السودان بعد تحالف دموي مع العسكر دام ثلاثين عامًا يبدو على الأقل فرصة أمام القوى السياسية الأخرى لبناء تواجد ونفوذ في الشارع السوداني. ولكن هذه الرؤية لا تضع في الاعتبار طبيعة الأحزاب التقليدية الكبرى في السودان. فتلك الأحزاب ليست بعيدة عن الإسلاميين في استخدام الدين، بل أنهم تاريخيًا تحالفوا مع الإسلاميين مرارًا وتكرارًا لمواجهة اليسار والحركات الإقليمية والتحديات القادمة من أسفل بشكل عام. الإسلاميون لم يخرجوا من المشهد السياسي السوداني وسيظهرون بقوة عندما يبدأ المجلس التشريعي (غير المنتخب) في مناقشة وضع الشريعة الإسلامية في الدستور السوداني “الجديد”.

هل يعني كل ذلك أن الاتفاق يمثل هزيمة ونهاية للثورة السودانية؟ هذا السؤال ستجيب عليه الجماهير السودانية. ففي كل المنعطفات الهامة للثورة أثبتت الجماهير أنها أكثر جرأة وصلابة واستعدادًا للنضال والمواجهة من القيادات في قوى الحرية والتغيير.. من تلبية دعوات الاعتصام الجماهيري للإضراب العام للعصيان المدني لتنظيم اللجان في الأحياء وأماكن العمل أثبتت الجماهير أنها على استعداد لمواجهة مصيرية مع النظام القديم.

ولكن كلما أخذت الجماهير خطوة إلى الأمام، أخذت القيادات خطوتين إلى الخلف؛ إما بحجة الخوف من الفوضى أو المزيد من التقسيم في السودان أو الانزلاق في حروب أهلية، وكلها حجج تخفي ورائها خوف عميق من أن تتجاوز الجماهير تلك القيادات وتطيح بها هي أيضًا.

الجماهير السودانية تحتاج إلى قوى ثورية مستقلة عن الأحزاب التقليدية (إسلامية ومدنية) وقادرة على إدارة المعركة حتى تحقيق انتصار حقيقي وليس شكليًا. كانت القوة السياسية الوحيدة المرشحة لذلك الدور هي الحزب الشيوعي السوداني. فكان ذلك الحزب خلال الثورة السودانية بلا أي شك الأكثر مبدئية ونضالية في التعبير عن المطالب الرئيسية للجماهير (بمحاورها الثلاث). ولكن الحزب الشيوعي السوداني لم يتعافى قط من مرض الستالينية. ذلك المرض اللعين الذي منعه دائمًا عن الاضطلاع بدورٍ مستقل. فلم يتحرر قط من نظرية المرحلة الوطنية الديمقراطية للثورة والتي تُلزِمه مرة تلو الأخرى بتذيُّل الأحزاب البرجوازية السودانية وبعدم تجاوز سقف المطالب الجبهوية معها، وسط تخبط في المواقف وتصريحات متناقضة من رموزه وفي بياناته بشكل شبه يومي بأسلوب كاريكاتوري.. من المشاركة في التفاوض فعليًا ثم إصدار بيانات تندد بالتفاوض.. من المشاركة الفعلية في صياغة الاتفاق والموافقة عليه ثم ظهور تصريحات وبيانات تندد بالاتفاق ثم العودة للاحتفاء به مرة أخرى!

الثورة السودانية لم تنته، ولكن هذا الاتفاق يمثل خطوة كبرى إلى الخلف. فلننظر فقط على قائمة المدعوين لحفل التوقيع وعلى رأسهم ممثلين لمثلث الثورة المضادة في المنطقة (مصر والسعودية والإمارات).

ولكن رغم كل ذلك، فالشيء الذي يدعو بالفعل للتفاؤل هو تلك القدرة على الصمود والإبداع والوعي الذي رأيناه في الموجات المتتالية للثورة السودانية. إذا ما تبلور ذلك في تنظيم سياسي ثوري مستقل، سيكون هذا الاتفاق مجرد حبر على ورق وستتمكَّن الجماهير من خلال الموجات القادمة من الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات من تحقيق انتصارات حقيقية.