كيف تفتح أزمات نظام السيسي فرصاً للعمل السياسي
رؤيتنا: انعدام التوازن المحلي في عالم بلا خطوط حمراء

في الجزء السابق ناقشنا كيف أدت أزمات الليبرالية الجديدة إلى تصاعد الحراكات اليمينية واليسارية عالمياُ وكيف يؤدي ذلك إلى استمرار سياست التقشف مع دخول مؤسسات الدولة في الاقتصاد. وناقشنا أيضاً تغير الهياكل السياسية في نظام السيسي عن نظام مبارك، وغياب المؤسسات السياسية ذات الظهير الشعبي التي كانت تستقبل الاحتجاجات الشعبية.
في هذا الجزء نناقش تصاعد أزمات الليبرالية الجديدة والإمبريالية. وتأثير ذلك على تصاعد الصراع الإمبريالي والإمبرياليات الإقليمية وتلاشي الخطوط الحمراء الجيوستراتيجية التي كان يعتمد عليها نظام السيسي. إلى جانب الاحتجاجات الاقتصادية يظهر نظام السيسي بشكله المتخاذل أمام الإبادة في غزة بشكل غير مسبوق، وتتزايد تبعيته للإمبرياليات الإقليمية. نناقش هنا في الجزء الثاني من المقالة المطولة فترة العقد الثاني من الألفية منذ الجائحة وحتى حرب أوكرانيا والإبادة في غزة.
1.كورونا واوكرانيا: تحديات لنموذج العولمة
جاءت الجائحة في 2019 لتضيف مزيد من التحديات لنموذج العولمة الرأسمالية. كان أحد أهم نتائج العولمة هو تداخل سلاسل الإنتاج واندماجها بين مختلف البلدان، بشكل عابر للحدود، بل للقارات. لم يعد الإنتاج الصناعي، كما كان في السابق قائماً على مستوى الدولة الواحدة إنتاج كل مكونات السلعة في نفس البلد ، بل أصبح قائماً على تنويعة واسعة من مواقع الإنتاج في مختلف أنحاء العالم، وكانت الصين في القلب من هذا الشكل الجديد من تقسيم العمل الدولي.
كانت النتيجة الأولى للجائحة هي تجميد التجارة العالمية. وقد أظهر ذلك بشكل مباشر مدى اعتماد الاقتصاد الأمريكي والأوروبي على الصين وغيرها من مراكز الإنتاج الجديدة. أصبح واضحاً للجميع أن أي “فك ارتباط ” مع الصين خصوصاً سيؤدي إلى شلل تام للاقتصاد الأمريكي والأوروبي على مستوى الصناعة والخدمات والأسواق الاستهلاكية. وقد أعطت تلك التجربة المزيد من الوقود لليمين الشعبوي هذا إلى جانب هوس نظريات المؤامرة والأفكار الفاشية حول مخاطر التطعيم وغيرها من خزعبلات اليمين المتطرف.
كان اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بمثابة لكمة إضافية لما تبقى من استقرار المنظومة الرأسمالية العالمية. فقد فضحت الحرب على سبيل المثال، الاعتماد الأوروبي الكبير على صادرات البترول والغاز الطبيعي الروسيين. ومن جانب آخر تسببت الحرب في صدمة كبيرة في أسواق السلع الغذائية عالمياً، كون أوكرانيا وروسيا ينتجان نسب كبيرة من الحبوب القمح والذرة والشعير ومن الزيوت الغذائية.
شكلت الحرب أيضاً تحدياً كبيراً للمنظومة الدفاعية التي أسستها الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فخلال الحرب الباردة، كان الافتراض هو أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا يمنع الاتحاد السوفيتي من التفكير في التوسع مجدداً في القارة الأوروبية.
وحتى مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتوسع حلف الناتو في أوروبا الشرقية، كان الافتراض هو أن روسيا ستكون أضعف وأفقر من أن تحاول منع ذلك التوسع. وبالتالي جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا كتهديد وجودي للاتحاد الأوروبي وكتحدي جسيم للهيمنة الأمريكية وقدرتها على حماية حلفائها الأوروبيين.
إذا نحن أمام عدد من التحولات طويلة المدى والتي حدثت عبر العقود الثلاث الماضية، أهمها تراجع الهيمنة الامبريالية الأمريكية وصعود الصين كقوة إمبريالية كبرى، ونحن أيضاً أمام عدد من الصدمات التي شكلت تحديات رئيسية للنظام الرأسمالي العالمي بقيادة واشنطن، وهي أزمة 2008 المالية وما تلاها من كساد كبير، وجائحة الكوفيد في 2019، والحرب الروسية على أوكرانيا.
2. تأثير تلك التحولات على المستوى الجيوستراتيجي
ربما كان أول وأهم تأثير هو استعداد الامبريالية الأمريكية للمجازفة بتغيير التحالفات وتجاوز ما كان يعتبر خطوط حمراء في الفترة السابقة تنطلق الرؤية الجديدة من الرغبة في استخدام القوة والهيمنة الحاليين في إعادة تشكيل توازنات القوة عالمياً الصالح المواجهة طويلة المدى مع العملاق الصيني. فقد رأينا على سبيل المثال إدارة بايدن تسلح أوكرانيا بشراسة وتدفع التحدي مع بوتين نحو إمكانية حرب عالمية ثالثة. وكان أحد أهم أهداف ذلك هو إخضاع القوى الأوروبية بشكل كامل للهيمنة الأمريكية كما كان الوضع في أوج الحرب الباردة، والتأكيد من جديد أن أمريكا وحدها القادرة على حماية أوروبا من الخطر الروسي.
ولكن هذه السياسة، شديدة الخطورة، قد فشلت تماماً، فرغم التسليح والدعم الأمريكي والأوروبي لأوكرانيا، فقد ظلت روسيا ليس فقط بعيدة عن الهزيمة، بل ظلت تبتلع المزيد من الأراضي الأوكرانية ببطء، ولكن بثقة”. القدرة الروسية على الاستمرار في الحرب رغم الخسائر الفادحة في الأرواح لها تاريخ طويل سواء في روسيا القيصرية في مواجهة نابليون، أو روسيا الستالينية في مواجهة هتلر
وقد غير ترامب الاستراتيجية الأمريكية تحديداً بسبب التقدم الروسي رغم كل الدعم الذي كان بايدن قد قدمه الأوكرانيا. يراهن ترامب على جذب بوتين بعيداً عن تحالفه مع الصين تماما كما عزل نيكسون الصين عن روسيا في سبعينات القرن الماضي). والهدف الثاني لسياسة ترامب الجديدة هو دفع الأوروبيين لسباق تسلح ولتحمل نفقات الدفاع عن المصالح الأوروبية بدلاً عن الولايات المتحدة. لا يوجد خلاف استراتيجي بين سياسة بايدن وسياسة ترامب من بعده. يظل الهدف في الحالتين هو الاستعداد لمواجهة إمبريالية طويلة المدى مع الصين.
3. كيف أثرت تلك التحولات على السياسات الأمريكية في منطقتنا؟
فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد كانت هناك، سواء في فترة الحرب الباردة أو في فترة الهيمنة الأمريكية التي تلتها، خطوط حمراء تضعها الإمبريالية الأمريكية نفسها، لا يسمح للدولة الصهيونية تجاوزها. كان وجود الاتحاد السوفيتي والتوازن الاستراتيجي بينه وبين الولايات المتحدة يضع حدوداً لما يمكن أن يحدث للشعب الفلسطيني ومقاومته. وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة ملتزمة، على الأقل رسمياً وشكلياً بحل الدولتين، ومنع الإبادة والتهجير.
ولكن، وكما في حالة حرب روسيا في أوكرانيا، فقد تم إزالة تلك الخطوط الحمراء. هناك مجازفة أمريكية بتغيير شروط اللعبة وإعادة تشكيل المنطقة تحت هيمنة أمريكية – إسرائيلية مشتركة. فقد تبنت الولايات المتحدة، سواء خلال إدارة بايدن أو الآن مع ترامب، المشروع الصهيوني الذي يستهدف القضاء على القضية الفلسطينية والتخلي بالتالي عن مشروع الدولتين بما يتضمن ذلك من تأييد الإبادة الجماعية وتدمير غزة والتهجير واستيطان ما تبقى من الضفة الغربية.
4. السابع من أكتوبر 2023
أحدث طوفان الأقصى في أكتوبر 2023 في حد ذاته تحولاً نوعياً في المنطقة. فقد كانت بلا شك مبادرة شديدة الشجاعة والذكاء من المقاومة لتغيير التوازن وإعادة القضية الفلسطينية إلى الصدارة. هناك من يشكك الآن بعد كل ما حدث في حرب غزة من قتل وتدمير في جدوى أو حكمة تلك المبادرة. والسؤال الذي يطرحه هؤلاء المشككين هو: ماذا جنى الشعب الفلسطيني من ذلك الهجوم سوى الموت والدمار والهزيمة ؟ ولماذا لم تضع المقاومة في اعتبارها أن توازن القوى لم يكن في صالحها؟
إن منطق التشكيك هذا، والذي امتد تأثيره إلى قطاعات من اليسار المصري والعربي، هو منطق انهزامي ومعادي للثورة والمقاومة بشكل عام. وهو منطق ليس جديداً، بل له جذور تاريخية طويلة. فعلى سبيل المثال، في أعقاب الثورة الروسية الأولى عام 1905 ، طرح بعض مثقفي اليسار مقولة: “كان يجب عليهم عدم حمل السلاح”: كانت ثورة 1905 ثورة شعبية بقيادة الطبقة العاملة في مواجهة الاستبداد القيصري. وقد تسلح العمال خلال الثورة وواجهوا النظام القيصري، ولكنهم هزموا وقد قتل وجرح الآلاف من العمال واعتقل عشرات الآلاف وعاش الشعب الروسي أهوال ثورة مضادة أكثر استبداداً وظلماً من الوضع قبل الثورة. فخرج بعض المثقفين الليبراليين واليساريين من جحورهم ليقولوا: “كان عليهم عدم حمل السلاح” والمنطق كان نفسه منطق المشككين الحاليين توازن القوى بين الطبقة العاملة الروسية وبين النظام القيصري لم تكن في صالح العمال وبالتالي لم يكن من “الحكمة” أو “العقلانية” المبادرة بالثورة في تلك الظروف.
إن أي مبادرة في المقاومة أو الثورة هي بالضرورة مجازفة أو رهان. فلا يمكن التنبؤ بكيف سيكون تأثير المبادرة نفسها على توازن القوى. وفي حالة 7 أكتوبر ، هل كان من الممكن التنبؤ برد فعل الجماهير العربية ؟ هل كان يمكنهم أيضاً التنبؤ بدور ومصير المقاومة اللبنانية؟ وغيرها الكثير من المتغيرات التي كان من الممكن أن تأخذ مساراً آخراً.
كل عمل ثوري هو بالضرورة رهان على المستقبل لا يمكن ضمان نتيجته بشكل مسبق. أما الذين يدعون ضرورة الضمان المسبق بالنجاح بأثر رجعي” فهم يعادون العمل الثوري والمقاوم ويريدون للمقاومة الفلسطينية، بل الشعب الفلسطيني ككل أن يبقى صامتاً وأن يقبل المصير الذي ترسمه له الصهيونية والامبريالية الأمريكية دون مقاومة – فالمقاومة بالنسبة لهؤلاء لن تؤدي إلا المجازر والدمار. وهذا تماماً ما يطرحه مثل هؤلاء حول الثورة في منطقتنا العربية. فالثورة لن تؤدي إلا للفوضى والحرب الأهلية وبالتالي فعلينا أن نطرح مطالبنا بشكل مهذب في حوارات وطنية في أروقة النظم الحاكمة.
يقتضي المنطق الثوري أن نراهن على أساس أن الشروط الموضوعية تجعل نجاح المبادرة الثورية ممكناً وأن علينا فعل كل ما بوسعنا لاستثمار تلك الشروط من أجل النصر. ولكن أن يكون مطلوباً “ضمان نجاح مسبق، فهذا لا يعني إلا القبول المسبق للهزيمة.
وهذا كله لا يعني بالطبع أن نمتنع عن انتقاد حماس أو غيرها من فصائل المقاومة، في تكتيكاتها أو استراتيجيتها، ولكنه يعني فقط أننا نقف مع المقاومة ومع مبادراتها. نحن نقف بشكل مبدئي في صف المقاومة الفلسطينية، حتى لو انتهت هذه المبادرة أو تلك بالهزيمة.
يجب أيضاً أن نضع في الاعتبار أن تاريخ المقاومة الفلسطينية هو تاريخ من الهزائم، بل هو بالضرورة هو تاريخ من الهزائم وإلا لكانت فلسطين محررة من البحر إلى النهر. إن موجات الثورة الفلسطينية، منذ ثورة 1936 لم تنجح حتى الآن. ويشمل ذلك حرب 1948 وأيلول الأسود في الأردن 1970 وحصار بيروت 1982 والانتفاضة الأولى 1987 والثانية 2000 وطوفان الأقصى 2023.
وقد واجهت المقاومة الفلسطينية بتشكيلاتها المختلفة، ليس فقط الصهاينة بل القوى الإمبريالية الكبرى، من بريطانيا وفرنسا حتى حرب 1967 والإمبريالية الأمريكية منذ ذلك الحين. والعجيب في تاريخ الثورة الفلسطينية ليس أنها لم تنتصر حتى الآن، ولكن العجيب هو قدرتها على الصمود وإعادة البناء بعد كل مذبحة والعودة إلى المقاومة من جديد، وذلك رغم كل التضحيات ورغم حجم التحديات. لم ير العالم مقاومة مثل هذه منذ المقاومة الفيتنامية في القرن الماضي .
قتل أكثر من 100 ألف في حرب غزة وخسرت المقاومة أعداد لا تحصى من القيادات والمقاتلين. ولكن هذا هو مصير الكفاح المسلح في حركات التحرر الوطني تاريخياً. ولنتذكر أن ما بين نصف مليون إلى مليون قتلوا في حرب تحرير الجزائر ولنتذكر أيضاً أن ما يقارب 2 مليون قتلوا في حرب فيتنام، وقد كان الاستعمار الأمريكي يحرق القرى بأكملها بقنابل النابالم. ما حدث ويحدث في فلسطين هو كارثة بكل المقاييس، ولكن هذه هي طبيعة الاستعمار والإمبريالية التان ستظلان معنا طالما ظلت الرأسمالية. هذه الوحشية هي جانب أصيل وباقي من نمط الانتاج الذي نناضل من أجل الاطاحة به.
5. رغم الهزائم
لا يجب الاستهانة بالتحول السياسي الذي أحدثته حرب غزة عالمياً. فقد جذبت حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني والمقاومة مئات الآلاف من الشباب في مختلف أنحاء العالم، خاصة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. حركات التضامن هذه يلعب فيها اليسار الراديكالي والثوري دوراً محورياً في القيادة والتعبئة وبلورة المواقف. ولم ير اليسار العالمي مثل هذه الحركة منذ حرب فيتنام حتى حركات مناهضة الحرب في العراق في 2003 لم تدم سوى شهور ولم تشهد درجة الاستمرارية والراديكالية التي تتميز بها حركة التضامن مع فلسطين اليوم). وقد تحولت إسرائيل إلى “عدو” للشعوب كما كان حال جنوب أفريقيا في ثمانينات القرن الماضي. وحتى عندما تنتهي حرب غزة، ستظل القضية الفلسطينية والعلم الفلسطيني أحد ركائز اليسار عالمياً لسنوات إن لم يكن عقود قادمة. هذا التحول هو نقلة نوعية بالنسبة لمشروعنا ولكل من يضع قضية تحرير فلسطين في القلب من برنامجه.
إن انتصار المقاومة المسلحة الفلسطينية وحدها، أو حتى في تنسيق مع باقي حركات المقاومة هو أمر مستحيل. طالما كان موقف الاشتراكيين الثوريين واضحاً تجاه هذه القضية. لن تتحرر فلسطين إلا من خلال ثورات عربية تطيح بالأنظمة البرجوازية في المنطقة. هذه الأنظمة البرجوازية هي الحامي الرئيسي لبقاء إسرائيل. نقدم دعمنا النقدي غير المشروط للمقاومة المسلحة ونفعل كل ما بوسعنا للربط بينها وبين الحراك الجماهيري في بلداننا ببساطة – القاهرة لن تتحرر في وجود وبقاء إسرائيل وفلسطين لن تتحرر في وجود وبقاء نظام السيسي.
6. صعود الإمبرياليات الإقليمية وتغيير توازنات القوى في منطقتنا
صعدت خلال العقود الثلاث الماضية مراكز هامة للتراكم الرأسمالى مثل تركيا، وإيران والسعودية والإمارات. هذه المراكز أصبح لها مصالح حيوية وامتدادات في كل بلدان المنطقة وبالتالي في تنافس وأحيانا صراع إقليمي فيما بينها. وتحتاج هذه الدول إلى ترجمة قوتها الرأسمالية إلى تواجد عسكري وسياسي واقتصادي في مختلف بلدان المنطقة، وهناك معارك دائمة على تقسيم وإعادة تقسيم مناطق النفوذ فيما بينهم سوريا وليبيا والسودان أمثلة حية وفجة لهذا التنافس).
وفي هذا السياق من المهم توضيح أن مصر وإسرائيل لا تلعبان أدواراً مماثلة في المنطقة. أما مصر. فقد أصبحت أضعف كثيراً من أن تلعب أي دوراً مستقلاً في المنطقة، بل أصبحت هي نفسها مسرحاً للتنافس بين الإمبرياليات الإقليمية، خاصة السعودية والإمارات. أما إسرائيل، فكما ظهر جلياً خلال العامين الماضيين أنها امتداد مباشر للإمبريالية الأمريكية ومصالحها، وبالتالي فهي ذراع عسكري أمريكي في المنطقة وليست بأي شكل من الأشكال إمبريالية إقليمية مستقلة ولو بشكل نسبي.
7. سوريا نموذجاً
كانت عملية الإطاحة بنظام بشار الأسد في نهاية العام الماضي عملية مليئة بالتناقضات. فلا شك أن إخراج حزب الله من المعادلة بعد الحرب الاسرائيلية عليها وعلى لبنان هو ما سمح بالإطاحة بنظام الأسد وصعود الشريع إلى السلطة. وبالتالي فهذا التحول هو نتيجة مباشرة لتراجع المقاومة في هذه المرحلة. ولكن الإطاحة بالأسد ونظامه هي أيضاً نتاج طويل المدى للثورة السورية والتي اندلعت ضده في 2011. وبالتالي فالوضع السوري شديد التناقض والهشاشة وهو ما يجعله مسرحاً نموذجياً للصراع بين الإمبرياليات الإقليمية، إلى جانب إسرائيل وأمريكا وروسيا. فقد رأينا دعم تركيا للشرع وحركته الإسلامية السنية، ورأينا السعودية تتبناه وتقدمه كهدية لترامب في الرياض، ورأينا كيف توسعت إسرائيل عسكرياً في سورية دون مقاومة تذكر وكيف تحاول روسيا الإبقاء على وجودها العسكري في ميناء طرطوس.
8. التأثير على النظام المصري
وقد وضعت كل هذه التطورات العالمية والإقليمية النظام المصري في معضلة كبيرة. فقد كان استقرار النظام المصري إقليمياً يقوم على توازنات و اتفاقات وخطوط حمراء. كل ذلك قد تم نسفه خلال العامين الماضيين. وبدأت تظهر التوترات في علاقة النظام بحلفائه الاستراتيجيين – إسرائيل والولايات المتحدة. فهناك خلاف حول تسكين الفلسطينيين في سيناء وخلاف حول تمادي إسرائيل في حربها بما يهدد الاستقرار في المنطقة والمصالح الاقتصادية الحيوية للنظام، وخلاف حول قناة السويس ودور مصر في تأمينها كشريان تجاري حيوي، إلخ. وكما هي العادة، كلما شم كثير من المثقفين مجرد رائحة خلاف بين النظام المصري من جانب وإسرائيل وأمريكا من الجانب الآخر، نجدهم إذ فجأة يطرحون ضرورة الاصطفاف مع النظام ونجدهم يتحولون من معارضين للنظام إلى مستشارين يعرضون النصائح حول أفضل السبل لإدارة الخلاف مع إسرائيل وأمريكا. ونجد من يحيي بياناً من الخارجية المصرية (بسبب انتقاد خفيف للحليف الإسرائيلي)، ونجد من يقول إن “الكرة في ملعبنا الآن” – أي “أننا” أمام فرصة لبلورة سياسة خارجية أكثر استقلالاً. فجأة ينسى هؤلاء طبيعة النظام في مصر. وهو نظام قائم أصلاً على اتفاقات كامب ديفيد والتحالف الاستراتيجي والتاريخي مع إسرائيل والولايات المتحدة. وينسى هؤلاء أيضاً المواقف المخزية لنفس هذا النظام تجاه غزة سواء في مشاركة إسرائيل في الحصار منذ 2007 أو في دورها المباشر في دعم حرب الإبادة من خلال إحكام السيطرة والإغلاق المعبر رفح. وينسون أيضاً أن مصر – السيسي – ظلت طوال الحرب تستورد الغاز الطبيعي من إسرائيل وتبقي على علاقاتها التجارية وتنسيقها الأمني والدبلوماسي مع إسرائيل.
هذا المرض مرض الاصطفاف وراء النظام له مع الأسف تاريخ طويل في اليسار المصري. فقد اصطف قطاع واسع من اليسار المصري وراء عبد الناصر في الستينات لأنه كان يواجه الإمبريالية، واصطف وراء مبارك لأنه كان يواجه الفاشية الإسلامية، واصطف وراء السيسي في انقلاب 2013 لأنه أنقذنا من خطر أخونة” مصر، ونفس هذا القطاع من اليسار يصطف وراء السيسي اليوم بحجة أن “مصر” في خطر.
9. أزمة اقتصادية دائمة
هناك سؤال يجب أن يسأله كل من يفكر في إمكانية الثورة في مصر. هذا السؤال هو: لماذا حدثت أصلاً ثورة في مصر – عام 2011، بغض النظر عن مصيرها . لماذا حدثت ثورة جماهيرية أسقطت النظام ولو مؤقتاً في مصر. بالذات وليس المكسيك أو تركيا على سبيل المثال؟
تبدأ الموجات الثورية في النظام الرأسمالي العالمي عند أضعف حلقاتها، كما طرح لينين منذ أكثر من مئة عام. أي في البلدان التي تفشل في التحول إلى مراكز رأسمالية قادرة على التراكم التنافسي. وهذا تماماً ما فشلت فيه الرأسمالية المصرية. فقد فشلت التجربة التنموية المصرية، سواء في حقبة رأسمالية الدولة، أو في حقبة الإصلاح الاقتصادي والليبرالية الجديدة في بناء مركز صناعي وخدمي قادر على التنافس في السوق العالمي. وقد نتج عن ذلك الفشل حالة من الأزمة المالية والاقتصادية الدائمة. فمصر على سبيل المثال هي ثاني أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين، زميلة الرأسمالية المصرية في الفشل. وقد بدأت مفاوضات الحكومات المصرية المتتالية منذ فشل الخطة الخمسية الأولى في منتصف ستينات القرن الماضي ولم تتوقف منذ ذلك الحين.
والسؤال المحوري بالنسبة لنا اليوم هو: ماذا حدث منذ انقلاب 2013 هل تمكن نظام السيسي من حل الأزمة الدائمة؟ هل حول مصر إلى مركز مستقل للتراكم التنافسي القادر على التنافس في السوق العالمي؟ لن أثقل هذه الورقة السياسية بالأرقام والإحصاءات الاقتصادية موجودة كلها في أوراق سابقة، ولكن يمكننا تلخيص حالة الرأسمالية في ظل حكم السيسي كالتالي:
أ- حاول السيسي إخراج النظام من أزمته الدائمة من خلال مزيج من السياسات القائمة على التوسع في الاقتراض من الخارج، الاستثمار المكثف في البنية التحتية والتخفيض غير المسبوق في الإنفاق العام من خلال التقشف. وبالطبع كان اللاعب الرئيسي في الاستثمار العام هو القوات المسلحة بمختلف أجهزتها. أي أن خطته قامت على مشروع من رأسمالية الدولة العسكرية بتمويل من رأس المال الخليجي وبتعاون مع رأس المال المحلي الكبير مع إفقار عنيف للغالبية العظمى من السكان بحجة تقليص الإنفاق العام.
ب- هذه الخطة لم تنجح إلا في الجانب الأخير منها وهو الإفقار المنظم للغالبية العظمى، فنحن نتحدث عن مضاعفة نسبة السكان تحت خط الفقر في أقل من عشرة سنوات. أما التوسع الاستثماري، فلم يتمكن من خلق قاعدة صناعية أو زراعية للتصدير، ولم يطور من سوق العمل من حيث المهارات والامكانيات، ولم يحول البلاد إلى مركز لجذب الاستثمارات الأجنبية، أو حتى في زيادة ذات شأن في النشاط السياحي والتجاري.
ج- وقد ظل النظام في دعايته يتهم مؤامرات الإخوان كسبب للفشل، ثم الزيادة السكانية، ثم كورونا وبعدها حرب أوكرانيا وأخيراً حرب غزة. وفي كل حملة من تلك الحملات الدعائية، يفقد المزيد من الشرعية والمصداقية لدى قطاعات السكان التي كانت تؤيد الانقلاب.
د- أصبح النظام ينفق الجزء الأكبر من القروض الجديدة لدفع أقساط الديون والفوائد الأقدم في دوامة كارثية لا مخرج نهائي منها. ولا ينقذه من الإفلاس في السنوات الثلاث الماضية إلا بيع ورهن وتأجير الأصول المملوكة للدولة رأس الحكمة، قناة السويس، إلخ. هذا الى جانب مراكمة المزيد من القروض وفرض المزيد من التقشف على الفقراء وعلى الطبقة الوسطى.
هـ – كلمة اشتدت الأزمة ، كلما زاد اعتماد النظام على خدمة مصالح أسياده فى المنطقة، سواء الولايات المتحدة وإسرائيل في المشاركة في في حصار وإبادة الشعب الفلسطيني، أو الاتحاد الأوروبي في وقف الهجرة الأفريقية لأوروبا بالقتل والقمع، أو السعودية والامارات في مصالحهم الإقليمية ليبيا والسودان والبحر الأحمر واليمن وسوريا، إلخ.
10. المقاومة الاجتماعية والمعارضة السياسية
لا يوجد علاقة ميكانيكية بين ازدياد عمق الأزمة الاقتصادية وصعود المقاومة الاجتماعية، حتى في حالة تأكل ما تبقى من شرعية النظام. الأزمات الاقتصادية تؤدي إلى زيادة ضخمة في البطالة وهذا يعني زيادة في مخاوف العمال من فقد وظائفهم ومصدر رزقهم، وهذا بدوره يجعل كثير من العمال غير راغبين أو قادرين على الاحتجاج، رغم صعوبة الظروف. وأحياناً يكون العكس هو الصحيح، فمع فترة من الانتعاش الاقتصادي تتقلص البطالة ويصبح من الصعب على الرأسمالي الاستغناء عن العمال، وهو ما يزيد من ثقة العمال في قدرتهم على الاحتجاج والإضراب.
جانب آخر من مسألة توقيت اندلاع الحراك العمالي والاجتماعي يتعلق بالحالة السياسية العامة والسياق السياسي والتاريخي. لابد من أن نضع في الاعتبار أن مرارة هزيمة ثورة 2011 والثورة المضادة منذ 2013 ، تجعل العامل أو الطالب أو حتى الناشط السياسي يفكر ألف مرة قبل أن يبادر بأي فعل احتجاجي أو معارض. هناك أيضاً حالة من الفراغ السياسي الحاد وغير المسبوق في الواقع المصري. فغياب الإخوان المسلمين، وضعف ما يسمى بالمعارضة المدنية وفقدان غالبيتها للشرعية السياسية بالنسبة للجماهير بحكم مهادنتها للنظام، كل ذلك يجعل من يريد أن يحتج لا يجد القناة التي يحتج من خلالها.
ما العمل
إذا كانت هناك حتمية في التاريخ، فهي حتمية اندلاع المقاومة الاجتماعية والسياسية ولو بعد حين. والواقع المصري رغم كل ما سبق، أصبح مؤهلاً لصعود جديد في الصراع الطبقي، سواء في شكل حركات عمالية، أو حركات تعبر عن مطالب قطاعية أو مهنية، أو ميلاد جديد للحركات الطلابية والشبابية.
هذا الحراك قادم لا محال في الأعوام القليلة القادمة. لماذا هذه الثقة ؟ أولاً لأن طبيعة وسرعة تأكل شرعية نظام السيسي بحكم فشله واعتماده المطلق على القمع، لم تعد تسمح للنظام في البقاء دون تنازلات ما. وثانياً لأننا نقترب سريعاً من معركة تغيير الدستور، كما طرحنا سابقاً، وهذه المعركة ستظهر بالضرورة حالة من الارتباك والانقسام في النخبة الحاكمة، وبينها وبين حلفائها الإقليميين والدوليين. هذا الارتباك سيفتح آفاق أمام الحركة من أسفل . وقد رأينا بشائر الحراك خلال الشهور القليلة الماضية، سواء في تحركات المحامين، أو المستأجرين، أو الإضرابات العمالية التي بدأت في التزايد رغم القمع الوحشي.
لكن كما نعرف نحن أن احتمالات موجات من الحراك الجماهيري والسياسي المعارض بدأت تتزايد، يعرف النظام ذلك أيضاً ويزيد من قبضته الأمنية. ولكن تلك القبضة الأمنية، رغم نجاحها حتى الآن، لا يمكن أن تظل ناجحة دون ظهير اجتماعي ما للنظام، وهذا ما لم يتمكن النظام من خلقه منذ 2013.





