بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيان الاشتراكيين الثوريين

خطاب أوباما: بضاعة قديمة في غلاف جديد

لماذا كل هذه الضجة حول خطاب أوباما في جامعة القاهرة؟ لماذا صفق الحضور أكثر من عشرين مرة في خطاب لم تتجاوز مدته خمسون دقيقة؟ هل أعلن أوباما عن تغييرات جوهرية في السياسات الخارجية الأمريكية تجاه منطقتنا تستدعي كل ذلك الترحيب والحماس والذي استمر دون توقف منذ إلقاء الخطاب، في الصحافة والإعلام وفي مقالات وتصريحات وتحليلات أتباع نظام مبارك وكثير من معارضيه؟ للإجابة على تلك الأسئلة علينا أن نميز بين ما قاله أوباما في الخطاب وكيف قاله – أي بين الشكل والمضمون.

فعلى مستوى الشكل إمتلأ الخطاب بالمديح للدين الإسلامي وللمسلمين ولحضارتهم وحكمة وتسامح قرآنهم وتجاوز لغة صراع الحضارات والأديان. ويمثل هذا “الشكل” الجديد، إلى جانب رمزية لون بشرته واسمه، تغييراً ملحوظاً عن لغة وشكل الخطاب الأمريكي الرسمي في عهد بوش بخشونته وعنصريته وربطه الدائم بين الإرهاب والإسلام.

ولكن ماذا عن الجوهر أو المضمون؟ ماذا قال الرجل فعلياً إذا ما جردنا كلمته من تلك اللغة الناعمة والرموز الخادعة؟ قال أولاً أن الحرب في أفغانستان وامتدادها في باكستان حرباً ضرورية ضد “العنف المتطرف” وهو نفس موقف بوش مع تغيير كلمة “الإرهاب” إلى تعبير “العنف المتطرف”. وفي خلال الشهور الخمس الأولى لولايته أضاف أوباما أكثر من عشرون ألف جندياً أمريكياً لقواته في أفغانستان ويشرف بشكل مباشر على المذابح التي يقوم بها الجيش الباكستاني في سوات والمناطق الحدودية المتاخمة لأفغانستان والتي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين وشردت أكثر من ٢ مليون شخص، وقال ثانياً أن علاقة بلاده الاستراتيجية والتاريخية مع الكيان الصهيوني غير قابلة للاهتزاز أو التغيير وواهماً من يتصور غير ذلك وتحدث عن الضحايا “الإسرائيليين” من صواريخ وعمليات المقاومة الفلسطينية دون أن يذكر حتى بشكل رمزي أو غير مباشر مذابح غزة والتي لم يمر عليها سوى بضعة أشهر وقد صفق الحضور كثيراً عندما أعلن تأييده لقيام دولة فلسطينية على الرغم من أن بوش وإدارته كرروا هذا التأييد عشرات المرات من قبل. وصفقوا أكثر عندما أعلن رفضه للتوسع الإستيطاني ولنتذكر جميعاً أن الإدارة الأمريكية الوحيدة التي فرضت عقوبات على الكيان الصهيوني بسبب المستوطنات كانت إدارة بوش الأب، في حين لا يبدو في الأفق أي إتجاه لدى أوباما وإدارته لوضع ضغوط ذو شأن على الصهاينة بهذا الصدد وتماماً كما فعل سابقه، طالب أوباما من المقاومة المتمثلة في حماس أن تعترف بـ”إسرائيل” وأن تلقي سلاحها وتنبذ العنف حتى يكون لها دور في مفاوضات المستقبل وأعلن أوباما من جديد إلتزامه بالإنسحاب الكامل من العراق بحلول عام ٢٠١٢ – تصفيق حاد – ولكن هذا الإلتزام لم يأت بسبب تغيير استراتيجي في السياسة الخارجية الأمريكية أو التخلي عن طموحاتها العسكرية، ولكن بسبب شراسة المقاومة العراقية من جانب وغضب قطاعات واسعة من الجماهير الأمريكية تجاه تلك المغامرة القائمة على الأكاذيب والفاشلة في تحقيق أي نتائج على الأرض سوى الموت والدمار من الجانب الآخر، أما الديمقراطية وحقوق المرأة والأقليات في العالم الإسلامي فحدث ولا حرج، فيوم واحد قبل خطابه يشرب القهوة مع ملك السعودية المعروف طبعاً بديمقراطية حكمه وبإحترامه الشديد للحقوق، خاصة حقوق المرأة، ويعلن عن إحترامه وإمتنانه الشديد لذلك الطاغية الفاسد. وفي مصر يعانق ديكتاتورها ويشيد بحكمته وبمتانة العلاقة معه ويعتبره قوة استقرار في المنطقة! ثم يحدثنا بعد ذلك عن عمق إيمانه بالديمقراطية وحقوق الإنسان هل علينا تناسي كل هذه التفاصيل لمجرد أن الرجل أسمر ويعلن إحترامه للإسلام والمسلمين؟ نحن نعرف جيداً أن أوباما وصل إلى الحكم في أمريكا على أساس موجة عارمة من الغضب خاصة في صفوف الشباب الأمريكي الفقير تجاه سياسات الإدارة الجمهورية السابقة، سواء الخارجية أو الداخلية وأن وصوله إلى سدة الحكم قد أشعل آمال وطموحات الملايين تجاه العدالة والتغيير.

ولكننا نعلم أيضاً أنه جزء لا يتجزأ من المؤسسة الأمريكية الحاكمة بحزبيها الجمهوري والديمقراطي وبشركاتها العملاقة ومؤسساتها العسكرية ومصالحها المحلية والعالمية. وهذه المصالح هي التي تحدد إستراتيجيات الإدارة الأمريكية سواء كان رئيسها جورج بوش العنصري الغبي أو باراك حسين أوباما الخطيب البارع والأسمر الوسيم المحب للإسلام والقرآن أوباما يريد تنفيذ هذه الإستراتيجيات من السيطرة على منابع النفط إلى الهيمنة العسكرية والاقتصادية والدعم المطلق للكيان الصهيوني ولكن بشكل أكثر ديبلوماسية وحنكة وذكاء بعد الفشل الذي مني به بوش والمحافظون الجدد. هو يريد إمبريالية بوجه “إنساني” وبمشاركة أوروبية وبتعاون أكبر مع الديكتاتوريات العربية. وهو بالتالي لا يمكن أن يكون سوى العدو اللدود للجماهير العربية ولمصالحها وللمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، مهما زين كلماته بمفاهيم احترام الآخر ومهما استشهد بآيات القرآن. ولنتذكر نابليون بونابرت وهو يشهر إسلامه في القاهرة في حين تستعمر جيوشه البلاد.

منظمة الاشتراكيين الثوريين