بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اغتيال نائب عام

عادة ما تحدث اغتيالات الشخصيات العامة حالة من التخبط وزوبعة من الدعاية والدعاية المضادة وتتصاعد نظريات المؤامرة والعنف والعنف المضاد. وبالطبع فاغتيال النائب العام في مصر يوم واحد قبل 30 يونيو قد خلق حالة غير مسبوقة من الذعر والهستيريا. فالنائب العام المغتال هو رمز لقضاء السلطة العسكرية والانقلاب. كل الكوارث منذ يوليو 2013 لعب فيها محامي الانقلاب دوراً مميزاً من مذابح الحرس الجمهوري ورابعة والنهضة والكثير غيرها وحتى التراس الزمالك وشيماء الصباغ مرورا بمئات الإعدامات وعشرات الآلاف من الاعتقالات والأحكام والبراءات لمجرمي الداخلية ومختلف الأجهزة الأمنية. في كل تلك الأحداث كان الرجل همزة الوصل الاساسية بين الحكم العسكري والقضاء . نعم هذا هو هشام بركات الذي اغتيل.

أما بالنسبة لمؤيدي الانقلاب العسكري والثورة المضادة فهو رمز للوطنية وحماية الدولة من الانهيار. مناضل صلب ضد الإرهاب وضد كل من يتآمر على مصر وعلى دولتها وامنها واستقرارها. بل “محامي الشعب” كما وصفته عناوين صحف الانقلاب الخاصة والعامة.

وكانت ردود الفعل لاغتياله مؤشر لطبيعة اللحظة السياسية في مصر اليوم في بداية العام الثالث للانقلاب. فالسيسي نفسه ألقى كلمة في جنازة “محامي الشعب” قال فيها أن دم “الشهيد” في رقبة الشرطة والجيش والقضاء والإعلام وأن “يد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين ولكننا سنعدل القوانين لنحقق العدالة بأسرع وقت” مؤكداً أنه سيتم تنفيذ احكام الإعدام بالقانون. أي أن كل ما هو آتي هو مزيد من التصعيد في القمع والقتل.

وبالطبع انطلقت موجة من الدعاية الهستيرية في مختلف وسائل الإعلام مطالبة بالفرم والإعدام ودعى مصطفى بكري بإعلان حالة الطوارئ والتوسع في المحاكمات العسكرية.

أما الإخوان فظلوا يرددون نفس نظرياتهم التآمرية حول أن النظام هو نفسه الذي إغتال نائبه العام ليبرر المزيد من القمع. وبالطبع خلفية هذا التحليل التآمري هو فكرة أن الانقلاب يترنح وأنه على وشك الإنهيار وبالتالي فقد فقد رشده.

من الطبيعي أن يستخدم قادة الإنقلاب وإعلامهم حدث الإغتيال كتبرير لموجة أكثر عنفاً من القمع والقتل والفتك ليس فقط ضد الإخوان المسلمين بل ضد أي معارضة للنظام. كان ذلك واضحاً في الهجوم الإعلامي والسياسي على من يصفونهم بالنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان وهي الصفة التي تستخدم لنعت معارضي النظام من غير الإسلاميين. فأي حديث عن الحقوق اليوم أي حقوق كانت إقتصادية أو اجتماعية أو بالطبع سياسية سيعتبر دعماً للإرهاب وأعداء الدولة والشعب.

النائب العام هشام بركات كان من أهم رجال نظام الثورة المضادة ولعب دوراً قذراً في تمكين السيسي من تحويل النيابة والقضاء إلى مجرد أدوات رخيصة في أيدي جنرالات الجيش والشرطة، وقضى حتى على الجانب الشكلي لاستقلال القضاء. القضاء لم يكن يوما مستقلاً عن مصالح الدولة والطبقة الحاكمة، ولكن الأنظمة المستقرة تحتاج لقضاء قادر على أن يبدو مستقلاً ومحايداً في عيون الجماهير. ولكن في ظروف الثورة المضادة يتم العصف بذلك كله وتخلع الأقنعة ويتولى أمثال هشام بركات والزند وغيرهم إدارة القضاء وكأنه أحد أفرع الجيش أو الداخلية.

يستحق هؤلاء أن يحاكموا محاكمات ثورية على جرائمهم ضد الشعب المصري وثورته. ولكن الإرهاب والاغتيال لا يخلصنا من كابوس الثورة المضادة ورجالها، بل أنه يزيد من جنونها وعنفها ويزيد من تأييد قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى لكافة الإجرائات القمعية بل والهمجية التي سيتخذونها ليس فقط ضد الإخوان بل ضد كل متظاهر أو مضرب أو معتصم وبالتأكيد ضد كل معتقل وسجين.

لقد رأينا في الساعات الأولى بعد عملية الاغتيال كيف سارع السيسي وإعلامه في التعبئة لتصعيد جديد للقمع غير المسبوق. فهشام بركات سيستبدل على الفور بمن هو أشرس وأقذر وأكثر فساداً.

ولكن ألا نستحق القصاص لشهدائنا وللآلاف من ضحايا هشام بركات؟ بالطبع ولكن الاغتيال لا يحقق القصاص بل يساعد أعدائنا على المزيد من التنكيل والقمع والقتل.

الاغتيال والارهاب الفردي عموماً حتى لو كان موجهاً ضد من أجرموا في حق الشعب والثورة لا تأثير له سوى المزيد من العنف من قبل الثورة المضادة والمزيد من الإحباط في أوساط الجماهير الطامحة لعودة المسار الثوري. فمن يقوم بعملية اغتيال لأحد قادة الثورة المضادة وكأنه يقول للجماهير لا نحتاج لمظاهراتكم واعتصاماتكم واضراباتكم. إبقوا أنتم في بيوتكم ونحن سنتخلص وحدنا من هذا المستبد أو ذاك الفاسد. وبالطبع بدلاً من أن نتقدم خطوة للأمام نتراجع خطوات للخلف وتزداد العملية الثورية صعوبة.

لقد أثبتت ثورة 25 يناير 2011 أن الطريق الوحيد للتغير الثوري هو من خلال حركة الجماهير نفسها في الشوارع والميادين وأماكن العمل. أسلحتنا هي الإضراب والاعتصام والتظاهر وتنظيم صفوفنا للاستعداد للثورة القادمة. أما الاغتيالات والقنابل فلا تخدم سوى أعداء الثورة. سيأتي اليوم الذي يحاكم فيه كل من كان له دوراً في الثورة المضادة. كل من قتل وعذب واعتقل واغتصب وكل من قنن وبرر ومول هذه الديكتاتورية العسكرية. ولكن تلك المحاكمات ستقوم بها وتشرف عليها الجماهير المعتصمة في الميادين والمصانع. لا توجد طرق مختصرة تمكننا من القصاص. لنناضل جميعاً بصبر ودأب لاستعادة مياديننا وشوارعنا وثورتنا، فقط حين نتمكن من ذلك سيأتي القصاص والعدل.

الاشتراكيون الثوريون
30 يونيو 2015