بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الشعوب قادرة على كسر الانقلابات والأنظمة العسكرية

في ساعات قليلة، انتصرت الجماهير التركية على محاولة قطاع من الجيش التمرد في انقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة بقوة الدبابة. فبعد أن سيطرت قوات من الجيش على التلفزيون الرسمي والمطارات والمحاور والشوارع الرئيسية في أنقرة واسطنبول وعدد آخر من المدن التركية، هرع عشرات الآلاف من الأتراك لمواجهة قوات الجيش الانقلابية في الشوارع لحماية الديمقراطية من جنازير الدبابة التي لا تعرف سوى الحكم بالحديد والنار.

الدبابات التي احتلت الشوارع، والطائرات الحربية التي ملأت السماء ضجيجًا وأخذت تطير على مستويات منخفضة، لم ترهب الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع لمنع محاولات القضاء التام على الديمقراطية على يد العسكر. إذا كان لمحاولة الانقلاب هذه أن تنجح، لما كان ذلك ليؤدي إلا إلى ضرب حقوق الإنسان في مقتل وضرب الجماهير والحركة في الشارع بيدٍ من حديد، فضلًا عن توطيد اليد العسكرية في ضرب الأكراد الذين يكافحون من أجل تحررهم. لم يكن الانقلاب العسكري ليجلب إلا الدماء.

إن عشرات الآلاف الذين تحركوا لكسر شوكة الانقلاب العسكري في مهده لم يفعلوا ذلك بسبب ظروف المعيشة والتعليم الأفضل نسبيًا، بل على خلفية خبرات ونضالات وتجارب، والمهم أيضًا هو استعداد للتحرك في لحظة تاريخية فارقة تضع حياة أو موت الديمقراطية نفسها على المحك.

ومنذ تأسيس الجمهورية، شهدت تركيا أربعة انقلابات عسكرية، كان آخرها عام 1997 أطاح بحكومة نجم الدين أربكان. لكن هذه المرة فشل الانقلاب، لا بقوة من الدولة ولا بمرسوم حكومي، لكن بقوة الجماهير ووحدة نضالها. والأكثر من ذلك هو أن محاولة الانقلاب لم تنجح حتى في كسب أية أرضية سياسية، وقد كان لقوى المعارضة الرئيسية في تركيا دورًا مهمًا في ذلك أن رفضت جميعها هذا الانقلاب ونددت به.

هذا لا يعني بالطبع أن تركيا تعيش اليوم في نعيم الديمقراطية، بل على العكس، فوضع الديمقراطية في تركيا يشهد منذ فترة طويلة تدهورًا ازداد حدة في السنوات الأخيرة مع الحملة الشرسة ضد الصحفيين واعتقالات العشرات بتهمة “إهانة الرئيس”، تلك التهمة التي عادةً ما يوجهها أي ديكتاتور لمعارضيه. هذا علاوة على خطط الخصخصة التي أضرت بمصالح الطبقة العاملة والحريات النقابية، وحرب أردوجان الشرسة ضد الأكراد التي اعتمد فيها على الجيش حليفًا، ودعوته مؤخرًا للتطبيع مع الكيان الصهيوني. لكن انقلابًا عسكريًا لم يكن ليعني إلا القضاء حتى على الهامش الديمقراطي المتاح للجماهير والذي انتزعته هذه الجماهير نفسها عبر عقود من النضال الطويل. وقد اختارت الجماهير – المؤيدة لأردوجان والمعارضة له – وكذلك الأحزاب المعارضة ألا تستبدل هذه الأوضاع المتدهورة بما هو أسوأ منها بمراحل، فالنضال من أجل تعزيز الديمقراطية وانتزاعها شبرًا شبرًا لا يمكن أن يتضمن العسكر طرفًا فيه. لم تختر الجماهير الديكتاتورية العسكرية التي لا ترحم بديلًا، بل اختارت الحفاظ على حقها في النضال الديمقراطي، ووقفت في وجه الانقلاب بالمرصاد حتى أجهضته في بدايته.

إن الجماهير التي انتفضت في الشوارع لتسد طريق الدبابة إلى السلطة تثبت لنا أن الطريق لمواجهة سلطات الانقلابات والديكتاتورية العسكرية لا يمر عبر محاولة المساومة مع العسكر أو محاولة إصلاح أنظمتهم أو تأييدها في مواجهة بديل آخر يظنه البعض أكثر خطرًا – الحركات الإسلامية مثلًا – فما من سلطة أخطر من السلطة العسكرية، وما من حركة سياسية أخطر من الانقلاب العسكري. لقد أثبتت الجماهير التركية اليوم أن هذا الطريق إنما يمر عبر الشارع، يمر عبر الحركة الجماهيرية، التي ربما تتراجع عن الساحة لفترات قد تطول، لكن ليس إلى الأبد، فالمعارك الجماهيرية ضد السلطة العسكرية الاستبدادية مهما كانت محدودة أو ضعيفة التأثير، تتراكم وتبني حجرًا فوق حجر جدار المقاومة الاجتماعية السميك الذي ستتحطم عليه رؤوس الاستبداد والقهر.

وأهم دروس الشعب التركي اليوم إلى مصر هو أن وحدة النضال ضد العدو المشترك الذي يسحق الجميع هو طريق النصر.

إن هذا الانتصار المدوي السريع على محاولة الانقلاب هو إيقاف لزحف الديكتاتورية العسكرية، وبداية فصل جديد من النضال من أجل الديمقراطية وانتزاع المزيد من مساحاتها في المستقبل بقوة الإرادة الجماهيرية، ولتتحول المعركة ضد التمرد الانقلابي إلى معركة مفتوحة ضد كافة القيود المفروضة على الديمقراطية في ظل أردوجان. هذا الانتصار هو أيضًا انتصار وإلهام هائل لكل شعوب المنطقة في مواجهة محاولات فرض الاستبداد بقوة السلاح.

المجد لإرادة الشعوب في فرض كلمتها.. لنناضل ضد الديكتاتورية العسكرية في مصر بكل ما أوتينا من عزم

الاشتراكيون الثوريون
16 يوليو 2016