بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلنشكل جبهة شعبية لمواجهة مخططات التهجير ولدعم النضال الفلسطيني

خرج علينا أمس الرئيس الأمريكي ترامب بتصريح يأمر فيه مصر والأردن بقبول تهجير الفلسطينيين من غزة إليهما، حتى يتم “تنظيف هذه المنطقة”. هذا بكل بجاحة وصفاقة ودون مواربة. يتحدث الإمبراطور عن تطهير بقعة جغرافية كاملة من سكانها البالغ عددهم نحو مليونين ونصف المليون إنسان. هذا الطلب، أو بالأحرى الأمر، ليس الأول من نوعه منذ اندلاع حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة. فبايدن سبق أن طالب الدولتين بنفس هذا الطلب. الولايات المتحدة ليست فقط داعمًا للكيان الصهيوني، بل هي من تقود فعليًا هذه الحرب الإجرامية.

فبأمر بايدن، استمرت الإبادة لنحو عام ونصف بدعم غير مسبوق وصل إلى أكثر من 30 مليار دولار من السلاح والعتاد والدعم الاقتصادي، بجانب الدعم الدبلوماسي في مجلس الأمن. وبأمر ترامب، قبل نتنياهو صاغرًا وقف إطلاق النار في غزة. ترامب يتعامل مع العالم بمنطق التجارة والصفقات، فهو وإن فرض وقف إطلاق النار على الصهاينة، فقد فعل ذلك فقط لأنه يريد أن يحقق لهم “صفقة” أفضل بكل بساطة. ترامب ليس فقط من أكبر من تلقوا دعمًا من اللوبي الصهيوني، بل إنه تلقى نحو مائة مليون دولار من سيدة الأعمال الصهيونية ميريام أديلسون تحديدًا لتنفيذ خطة الضم في الضفة الغربية.

يصرح ترامب عن نواياه بكل بجاحة في هذا الإعلان، فهو لا ينظر لأي من البلدين كدول ذات سيادة. فإحدى الدولتين يحكمها “ديكتاتوره المفضل”، والأخرى يحكمها ملك أحمق كان يتفاخر بمناورات عسكرية أمام دمى، بينما تُباد غزة وتُدمر المنازل على رؤوس ساكنيها.

أمر ترامب هذا يضعنا جميعًا أمام تحدٍّ حقيقي وجذري. فإما أن ننتفض ونعلن أننا، كشعوب هذه المنطقة، لن نسمح أبدًا بمثل هذه المخططات، أو أن نقبل بأن نُسحق أمام الإرادة الأمريكية ورعاتها المحليين. وكما هو متوقع، تخرج دعوات الوقوف خلف الدولة و”القيادة الحكيمة” في مواجهة هذه التحديات. تتغافل هذه الدعوات عن ميراث السيسي وتاريخه منذ وصوله إلى السلطة، فقد سبق أن قبل صفقة القرن، بل واقترح تهجير سكان غزة إلى صحراء النقب.

يعلم الأمريكان وأمراء الخليج أنه يمكن شراء قرارات مصر السياسية بالأموال. فبعد القروض الطائلة التي تلقتها الدولة لتنفيذ مشاريع السيسي الوهمية، لم يعد أمام “الإدارة الحكيمة” سوى تسوّل القروض وبيع الأصول والخصخصة، ما أدى إلى إفقار الملايين من الشعب المصري. وبهذا صارت “دية” الإدارة المصرية -كما يقول المثل الشعبي- معروفة، ومنها يمكننا التنبؤ بردّ الفعل.

فإذا كان السيسي يدّعي أنه يرفض التهجير كما ورد في بيان الخارجية الأخير، وهو الذي باع تيران وصنافير وحاصر غزة على مدى 15 شهرًا من حرب الإبادة، فإن الإحصائيات الحديثة تشير إلى أن الشركات المصرية زادت معدلات تصديرها لإسرائيل خلال هذا العام تحديدًا. كما أُلقي القبض على من خرجوا تضامنًا مع فلسطين وضد التهجير.

وحتى يكون موقف النظام حقيقيًا تجاه مشاريع حليفه الأمريكي المتغطرس، فعليه أن يثبت ذلك بالفعل لا بالقول. عليه أن يدخل الكرافانات للفلسطينيين دون تكاليف طائلة، وأن يفرج عن معتقلي فلسطين، وأن ينضم إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا، وأن يسقط اتفاقية كامب ديفيد، ويوقف كافة أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني.

لا خيار أمامنا سوى الرفض الشعبي القاطع لهذا القرار.

يجب أن نُشعل جذوة الحراك المتضامن مع فلسطين في نقاباتنا، وجامعاتنا، وأماكن عملنا. فالمعركة لم تنتهِ رغم إعلان وقف إطلاق النار. علينا أن نتعلم من الشعب الفلسطيني الباسل في غزة، الذي تحدى كل القيود. وبمجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار، اندفع مئات الآلاف نحو حدود محور نتساريم في محاولة شجاعة للعودة إلى شمال القطاع. وبنفس الإصرار، وبعد انتهاء هدنة لبنان أمس، ورغم رفض جيش العدو الانسحاب، يعود أهالي الجنوب إلى قراهم وأراضيهم متحدّين آلة القتل الصهيونية بجرأة وعزيمة لا تلين.

واليوم، ها نحن نشاهد مسيرات العودة بمشاركة مئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين، الذين يستخدمون أبسط الوسائل، ماضين في طريقهم نحو شمال القطاع في مشهد مهيب. مشهد يُجسد صمودًا أسطوريًا، يتحدى غطرسة الأمريكان وإجرام الصهاينة وحلفاءهم في المنطقة.

لا بديل لنا سوى الرفض الشعبي وبناء جبهات موسعة يمكنها الوقوف في وجه الغطرسة الأمريكية التي تتوهم أنها تتحكم بمصيرنا.

الاشتراكيون الثوريون
27 يناير 2025